سجّل الدينار الجزائري مع بداية العام الجديد انهيارًا قياسيًا في قيمته، وفق أرقام كشف عنها بنك الجزائر. فقد بلغ صرف الدينار الجزائري أمام اليورو ببنك الجزائر، 0.0062 (اليورو الواحد يساوي 162 دينار) لأول مرة منذ استحداث العملة الأوروبية وهو أدنى مستوى يصله الدينار الجزائري.

وبالرغم من العقود الطويلة من السياسات الفاشلة التي اعتمدتها الحكومات الجزائرية المتعاقبة لمواجهة الأزمات، لم تزل أزمة انهيار الدينار الجزائري تشكّل خطرًا محدقًا بالاقتصاد الجزائري، ويحذر الخبراء من مواجهة مزيد من المصاعب في المستقبل بسبب انهياره.

في هذا التقرير نسلّط الضوء على السقوط الحر لقيمة الدينار الجزائري، وانعكاساته على الاقتصاد وعلى القدرة الشرائية للمواطن البسيط.

لماذا وصل الدينار الجزائري إلى هذه الحالة؟

جعلت الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر منذ سنوات قيمة الدينار الأرخص عالميًا، فمشاكل الجزائر الاقتصادية لا تأتي فرادى؛ فبينما كان الدينار يقاوم الانهيار بسبب تراجع أسعار النفط بدءًا من سنة 2014 أتت أزمة كورونا، والإغلاق شبه الكلي الذي يكاد يستمر لسنة كاملة بالجزائر، ليزداد انهيار الدينار، ووصوله إلى مستوياتٍ غير مسبوقة.

لكن قبل ذلك يجب أن نوضح أن الجزائر لديها حاليًا سعران للصرف، سعرٌ رسمي تتعامل به البنوك وآخر مواز يُتعامل به في السوق السوداء. وفيما يخص السعر الرسمي فقد تراجعت قيمة الدينار بأكثر من 90% أمام الدولار، من 78 دينار للدولار الواحد في بداية عام 2014 إلى 132.18 دينار حاليًا، كما هبط سعره أمام اليورو من نحو 108 دينار إلى 162.6 دينار في الفترة نفسها.

الدينار الجزائري عرف تراجع غير مسبوق مقارنة مع العملات الأجنبية

الدينار الجزائري عرف تراجعًا غير مسبوق مقارنة مع العملات الأجنبية

ويعزو رئيس قسم العلوم المالية والمحاسبة في إحدى الجامعات الجزائرية – والذي طلب إخفاء هويته – أسباب هذا الانهيار السريع والمتواصل للعملة الجزائرية إلى تأثيرات سوق سعر الصرف من ناحية العرض والطلب؛ إذ يرى المختص في الاقتصاد المالي خلال حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «الحالة الجزائرية هي حالة شاذة اقتصاديًا إذ تشمل انخفاضًا وتخفيضًا في آن واحد».

ويُرجع المصدر ذلك إلى الأسباب الثانوية التي يلخصها في «عجز ميزان المدفوعات وضعف الصادرات خارج قطاع المحروقات التي تصدّر بعملة الدولار؛ إضافةً إلى سيطرة الاقتصاد غير الرسمي الذي بلغت نسبته 60%، وعدم وجود تدفقات سياحية نتيجة غلق الحدود واستمرار سياسة تمويل غير تقليدي ناهيك عن ضعف احتياطي سعر الصرف».

ووجهت الأوساط الاقتصادية انتقادات للحكومات المتعاقبة منذ 2014، بأن إخضاع سعر صرف الدينار للتعويم الجزئي جاء بسبب إملاءات سياسية وإدارية من قبل رئاستي الجمهورية والحكومة، بدلًا عن تركه للتحركات الاقتصادية وقوى العرض والطلب.

فعوضًا عن إيجاد حلولٍ لهذا الانهيار قررت الحكومة الجزائرية فرض تعويم جديد للعملة المحلية هذه السنة، وذلك لكبح فاتورة الواردات من جهة، وحماية احتياطي الصرف من التآكل السريع، بالإضافة لامتصاص جزء من التضخم المنتظر أن يصل خلال عام 2021 إلى 4%، حسب توقعات الحكومة الجزائرية .

ففي موازنة البلاد لسنة 2021، قامت الحكومة الجزائرية تخفيض قيمة العملة المحلية 5%، بحيث وضعت سعرًا متوسطًا للدينار عند حدود 142.20 للدولار الواحد سنة 2021 و149.31 دينارًا جزائريًا للدولار الواحد لعام 2022، و156.78 دينارًا جزائريًا لسنة 2023، وهذا بافتراض تسجيل انخفاض طفيف في قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار بنحو 5% سنويًا.

وعانت الجزائر طيلة السنوات الماضية من أزمة اقتصادية خانقة نتيجة انخفاض أسعار النفط؛ وبالرغم من التوقعات بنضوب احتياطات النفط والغاز في الجزائر بحلول سنة 2050، فقد فشلت البلاد مرارًا وتكرارًا في تنويع مصادر العائدات بعيدًا عن المحروقات؛ ممّا جعل قيمة الدينار مرهونة بتطورات أسعار النفط.

ناهيك عن جائحة كورونا التي فرضت إغلاقًا طويلًا بالجزائر، وتركت الاقتصاد الجزائري يواجه ركودًا غير مسبوق، في حين تتوقع الحكومة تراجع الاحتياطات من النقد الأجنبي إلى أقل من 46.8 مليار دولار بنهاية 2021.

ومن العوامل الأخرى التي ساهمت في انهيار الدينار الجزائري؛ القيود المفروضة على القطاع الخاص، وسوء الإدارة الذي لم يتم التعامل معه، والمشكلات الهيكلية، وسيطرة الجيش على الأعمال وعلى قطاعٍ واسعٍ من الاقتصاد والفساد المستشري بين المسؤولين، والذي كان آخر فصوله كشف الوزير الأوّل السابق القابع في السجن أحمد أويحيى تسلّمها لعشرات السبائك الذهبية رشى من طرف أمراء خليجيين قام ببيعها في السوق السوداء.

وكانت الحكومة الجزائري قد لجأت إلى طبع النقود بعد استنفاد صندوق استقرار البترول لتمويل عجز الموازنة، بعد أن لجأ البنك المركزي إلى هذه الآلية من منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 إلى غاية أبريل (نيسان) 2019 بعد أن طُبِع ما قيمته 55 مليار دولار، أي ما يعادل 32% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018 وهو ما شكّل خطرًا كبيرًا على قيمة الدينار حسب الخبراء.

كيف سيؤثر انهيار الدينار الجزائري على القدرة الشرائية للجزائريين؟

يرى المختص في الاقتصاد المالي أنّ أسعار السلع والبضائع والخدمات ستشهد ارتفاعًا قياسيًا، سيثقل كاهل الطبقة المتوسطة الجزائرية التي ستواجه خطر الاختفاء، كما ستواجه العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة شبح الإفلاس نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام بالإضافة إلى زيادة الجرائم المالية وتفشي الفساد وارتفاع تكاليف الإنتاج الشركات العمومية، وما يعقبه من التقشف في التوظيف، وبالتالي زيادة كبيرة في مؤشر البطالة، على حد تعبيره.

Embed from Getty Images

ويرى أستاذ الاقتصاد د. عمر الموساوي في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «انهيار الدينار سوف يضر كثيرًا بالقدرة الشرائية للجزائريين، والتي هي في الأصل متدهورة جدًا، كما أنّ هذا الانهيار سوف يؤثر على تلك القدرة، إما بشكل مباشر من خلال زيادة أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة كمنتجات تامة، أو بشكل غير مباشر من خلال زيادة أسعار المواد الأولية التي تدخل في صناعة كثير من المنتجات المحلية؛ مما يؤدي في النهاية إلى زيادة تكلفتها، وبالتالي تضاعف أسعارها في السوق».

ولا تقتصر تداعيات تهاوي العملة على المواطنين، بل تتعدى ذلك إلى الشركات التجارية المنتجة والمستوردة للمواد الأولية؛ إذ ستكون في وضع لا يحسد عليه؛ بسبب صعود الدولار مقابل الدينار.

هل تغيير العملة الوطنية بالجزائر حل للأزمة الاقتصادية؟ خبراء يجيبون

يبقى تغيير العملة أحد الحلول المتاحة أمام الجزائر لمواجهة أزمة انهيار الدينار؛ فقد تحدّث الخبير الاقتصادي ووزير الطاقة الأسبق شكيب خليل في عزّ الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد سنة 2016 عن ضرورة تغيير العملة، أو «إصدار دينار جديد».

ورغم وصفه لهذه الخطوة بـ«الجريئة»، فإنه اعتبرها الحل الأمثل لمواجهة الأزمة، لكن هذا المقترح الذي صار اليوم ملحًا لإنقاذ اقتصاد الجزائر بقي حبيس آراء المختصين.

ويعدّ تغيير العملة من أنجع الحلول في نظر الاقتصاديين لامتصاص الأموال غير الشرعية في الاقتصاد المحلي، ويتمّ ذلك إمّا باستحداث عملةٍ جديدة، أو إصدار أوراقٍ مالية جديدة من فئة 500، أو ألف، أو ألفي دينار؛ لكن فيما يبدو أنّ الحكومة الجزائرية لجأت عوضًا عن ذلك إلى تعويم الدينار، أي جعل سعر صرف الدينار محررًا بشكل كامل.

Embed from Getty Images

على جانب آخر يرى البروفيسور في الاقتصاد المالي – والذي طلب عدم ذكر اسمه – أنّ «تغيير العملة الجزائرية حاليًا غير ممكن إلّا إذا ارتفعت أسعار النفط، أو قامت الحكومة الجزائرية بتثبيت قيمة الدينار على عملة الدولار أو اليورو». ولم يستبعد أستاذ الاقتصاد في جامعة غارداية تغيير العملة الجزائرية على المدى المتوسط والطويل وذلك بتنويع الاقتصاد الجزائري وتفعيل مؤشرات الجذب السياحي مع فتح الاستثمار الأجنبي المباشر، وكذلك الاستثمار في المحافظ الأجنبية من خلال بورصة الجزائر.

أمّا الخبير الاقتصادي الدكتور رحاي جمال الدين فيرى أنّ «كل المؤشرات، سواء السياسية أو الاقتصادية في الجزائر، تجعل عملية تغيير العملة الوطنية أمرًا حتميًا لا مفر منه».

أما الموساوي فيرى أن عدّة أسبابٍ تمنع الحكومة الجزائرية من تغيّير العملة وهي «ارتفاع مستوى التضخم. كما أن تغيير العملة يتطلّب استقرارًا اقتصاديًا وسياسيًا، واستقلالية للبنك المركزي، وهي الشروط الغائبة حاليًا في المشهد الاقتصادي الجزائري» بحسبه.

عربي

منذ 10 شهور
ما أشبه اليوم بالبارحة.. 4 ملفات تعيد إلى أذهان الجزائريين شبح سنوات بوتفليقة

المصادر

تحميل المزيد