أحمد طلب

20

أحمد طلب

20

975

في الغالب لا يكون لحل الأزمات أو التنمية الاقتصادية طريق واحد يذهب إليه الجميع، ولكن لكلِّ دولةٍ طريقتها الخاصة على حسب إمكانيتها وقدراتها، وكذلك لكل حكومة سياسات تفضِّل اللجوء إليها، إلا أنه رغم ذلك تظل هناك خطوطٌ عريضة معلومة في هذا الصدد، وبالنسبة للجزائر والتي مرَّت بظروفٍ استثنائية بشأن التغيُّرات الحكومية التي حدثت مؤخرًا، والتي يمكن النظر إليها على أنها تغير في السياسات الاقتصادية أكثر من كونها تغيرًا سياسيًا.

إذ لم يكن إعفاء رئيس الوزراء السابق عبد المجيد تبون من منصبه وتعيين أحمد أويحيى، مجرد تغير سياسي بل كان تغييرًا في طريقة حل الأزمة الاقتصادية بالبلاد، وكذلك تغير وسائل علاج عجز الموازنة الذي يؤرق البلد النفطي الذي يعتمد على صادرات النفط والغاز لتغطية نحو 94% من إيراداته، ولكن كيف جاء التغير؟

اقرأ أيضًا: الجزائر كانت أولهم.. هذه الدول قد تشهد انقلابات قبل نهاية 2017

«تبّون» و«أويحيى».. أيهما كان الأفضل للاقتصاد؟

كانت سياسة «تبّون» من أول يوم له رئيسًا للوزراء واضحة، إذ استهدف إنقاذ ما يكن إنقاذه من اقتصاد البلاد الذي فشل في تجاوز أزمة هبوط أسعار النفط في السنوات الأخيرة، من خلال اتجاهين أساسيين هما: محاربة الفساد، ودعم الصادرات، إذ سعى للتغلب على الظروف الاقتصادية المتدهورة من خلال شنّ حرب على الفساد، فقد كان واضحًا بالاعتراف أولًا بوجوده، وذلك على عكس كل من شغلوا هذا المنصب في السابق، وهو الأمر الذي لاقى قبولًا واسعًا بين أوساط الجزائريين.

«سيكون من اليوم وصاعدًا – هناك – حدود واضحة بين الدولة ورجال الأعمال، وسيتم التفريق بين السلطة والمال»، هكذا أعلنها «تبون» صراحةً، وذلك خلال عرضه مخططَ عمل الحكومة أمام البرلمان، ولا شكَّ أن الطريق الذي سلكه رئيس الوزراء السابق من أهم طرق الإصلاح الاقتصادي في البلاد، وبعيدًا عن الخوض في صراع «تبون» ورجال الأعمال، يمكن القول إنه كان أحد ضحايا الفساد الذي حاول محاربته.

للمزيد اقرأ:

وفي منتصف أغسطس (آب) الماضي، أعاد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة السياسي المخضرم أحمد أويحيى إلى رئاسة الوزراء، وقال مكتب بوتفليقة إن أويحيى (65 عامًا) سيحل محل عبد المجيد تبون الذي شغل المنصب ثلاثة أشهر فقط، وكانت تلك العودة بمثابة إعلان انتهاء حرب «تبون» على الفساد، إذ جاء «أويحيى» بأجندة تقليدية تختلف تمامًا عن أجندة رئيس الوزراء السابق، فعلى عكس سلفه، قرر «أويحيى» التقرب من رجال الأعمال، لتفادي سيناريو «تبون»، الذي عجل الكارتل المالي بذهابه بعد 97 يومًا من وضعه على رأس الحكومة في شهر مايو (أيار) الماضي، بعد دخوله في حرب مع اللوبي المالي المقرب من محيط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

مخطط حكومة «أويحيى» الذي وافق عليه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، حاز على امتيازات لرجال الأعمال وتسهيلات في منحهم الرخص والإجراءات المتعلقة باستثماراتهم، باستثناء المشاريع الكبرى والاستثمارات مع الشركاء الأجانب التي تظل خاضعة لدائرة اختصاص أجهزة الدولة المكلفة بالاستثمار، وبالفعل اجتمع «أويحيى» بعد توليه رئاسة الوزراء بأيام، مع منظمات أرباب العمل والاتحاد العام للعمال الجزائريين، وهو ما كان بمثابة طيّ صفحة الخلاف بين الحكومة وأرباب العمل، أو بالأحرى التخلي عن محاربة الفساد لعلاج الأزمة الاقتصادية والاعتماد على الحلول السهلة.

تمثلت الحلول الجديدة في فرض مزيد من الضرائب وزيادة إنتاج النفط للتصدير والاقتراض المحلي وذلك لزيادة الإيرادات وعلاج عجز الموازنة، إذ قالت شركة سوناطراك الجزائرية للطاقة إن البلاد ستعزز إنتاجها من الغاز بواقع 10 ملايين متر مكعب يوميًّا في غضون شهرين لصالح التصدير لتعويض أثر انخفاض أسعار النفط الخام، والذي أضرَّ بأوضاع المالية العامة للبلاد، وعلى الجانب الآخر يحذِّر الخبراء من الضغط الضريبي الممارس في الجزائر، حيث بات يقارب 25% وهو رقم أعلى من الرقم المسجل في تونس أو المغرب.

وارتفعت عائدات الضرائب العادية – دون احتساب الجباية النفطية – العام الماضي لتصل إلى 3.057 تريليونات دينار (27.7 مليار دولار) بزيادة 8% مقارنة بعام 2015، في حين تتوقَّع الحكومة أن ترتفع عائدات الضرائب بحدود 10% هذه السنة، نتيجة رفع قيمة الضرائب الرئيسية كالضريبة على الأرباح وعلى القيمة المضافة، فيما وصلت الضرائب إلى 60% من مجموع إيرادات الميزانية هذا العام.

وجاء آخر حلول «أويحيى» عندما صادقت حكومته في 9 سبتمبر (أيلول) الجاري على تعديل القانون ليسمح لبنك الجزائر (المركزي) بإقراض الخزينة العمومية مباشرةً لتمكينها من تمويل العجز في ميزانية الدولة وتمويل الديون العمومية الداخلية ومنح موارد للصندوق الوطني للاستثمار، بمعنى أن الحكومة ستلجأ للاقتراض الداخلي لعلاج آثار أزمة مالية حادة ناجمة عن انهيار كبير لأسعار النفط.

على كل، تبدو حلول «أويحيى» مقارنة بـ«تبون» سريعة ومجدية في الأجل القصير، لكنّها مجرد مسكنات لن تحل الأزمة الاقتصادية الحقيقية التي تعيشها الجزائر، فزيادة إنتاج النفط غير مفيدة كثيرًا في ظل تراجع سعره العالمي، بل ستصنع أزمات جديدة، وسيبقى أيضًا النفط هو المصدر الأول للإيرادات دون تنوُّع حقيقي في الاقتصاد، أمَّا السياسة الضريبية، فهي ستخلف ضغطًا إضافيًا على المستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين الذين بدأت أصواتهم تعلو تذمرًا وسخطًا من ارتفاع فاتورة الضرائب، ما أثر سلبًا على أنشطتهم وزاد من حدة الركود الاقتصادي.

في المقابل، كان تبون يعمل على حلول هيكلية طويلة المدى تقضي على الأزمات الحقيقية التي يعاني منها الاقتصاد الجزائري، إذ إن الفساد هو أهم العوائق أمام التنمية الاقتصادية، وبالإضافة إلى أن دعم الصادرات كذلك كان خطوة جيدة نحو التنوع الاقتصادي، مما يشير إلى أن الجزائر ربما تكون خسرت جهود تبون على المستوى الاقتصادي.

أرقام وأزمات.. الاقتصاد الجزائري في مأزق

لا يعيش الاقتصاد الجزائري أفضل أيامه، إذ تواصل المشاكل الاقتصادية مزاحمة بعضها البعض، وقد بلغت احتياطات النقد الأجنبي للبلاد في يوليو (تموز) 2017 نحو 105 مليارات دولار، بينما نفد صندوق ضبط الإيرادات كلية في شهر فبراير (شباط) الماضي، وذلك بعد أن كانت ميزانيته نحو 193 مليار دولار في مايو (أيار) 2014، بينما يسود القلق من وضع المالية العامة على الصعيد الداخلي، إضافةً لما ذكرنا سابقًا، تسجل الجزائر عجزًا تجاريًا بلغ 20 مليار دولار العام الماضي، وعجزًا في ميزان المدفوعات بلغ 26 مليار دولار في العام ذاته.

اقرأ أيضًا:

وبلغت قيمة واردات المواد الغذائية فقط نحو 17. 5 مليارات دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2017، مسجلة زيادة قدرها 10.13% مقارنة بالفترة ذاتها العام الماضي، مقابل 4.69 مليارات خلال نفس الفترة من 2016، بحسب المديرية العامة للجمارك بالجزائر (تتبع وزارة المالية)، وهو ما يشير إلى مزيد من العجز.

على الجانب الآخر، قفزت نسبة البطالة خلال أبريل (نيسان) الماضي إلى 12.3% مقارنة بـ10.5% في سبتمبر (أيلول) 2016، بحسب ما قال الديوان الوطني الجزائري للإحصائيات (حكومي)، وبلغ عدد العاملين 10.769 مليون شخص خلال أبريل (نيسان) 2017 مقابل 10.845 مليونًا في سبتمبر (أيلول) 2016، أي بتسجيل انخفاض سلبي قدَّرَ بـ76 ألف شخص.

وفيما يخص النمو الاقتصادي، قال الديوان الوطني الجزائري للإحصائيات (حكومي)، إن الاقتصاد المحلي سجل نموًا بـ3.3% خلال العام الماضي 2016، وذلك بعد أن وضعت الجزائر في يونيو (حزيران) 2016‎ خطة لتحقيق نمو اقتصادي على ثلاث مراحل، بهدف الوصول لتحقيق معدل نمو بـ6.5% عام 2030 خارج المواد النفطية التي تشكل عصب الاقتصاد بالبلاد.