تعرف الجزائر ظاهرة الهجرة غير الشرعية أو «الحرقة» منذ عدَّة سنوات، خصوصًا مع دخول فصل الصيف وهدوء أمواج البحار نسبيًّا، لكن الجديد في الآونة الأخيرة هو ظاهرة ركوب المشاركين في الحراك لأمواج البحر هربًا من التضييق الأمني وفرارًا من الملاحقات القضائية ومصير السجن، الذي أصبح يهدِّد بعضهم بصورة ممنهجة.

فبعد سنتين ونصف من انطلاق مسيرات الحراك التي شهدتها البلاد، يبدو لدى بعض المشاركين في الحراك أن مشاهد المظاهرات السلمية وأجواء الحرية التي اتَّسم بها الشارع الجزائري قد تضاءلت، وحلَّت مكانها عصا التضييق ضد المشاركين في الحراك؛ وهو ما دفعهم إلى المخاطرة بأرواحهم من أجل تجنيب أنفسهم مصير الاعتقال خلف قضبان السجن. في هذا التقرير نتطرَّق إلى ظاهرة هجرة الحراكيين عبر ركوب البحر، كما نحاور أحد هؤلاء الذين وصلوا إلى الضفَّة الأخرى لنعرف أسباب هذه الظاهرة. 

من الأمل إلى الهجرة.. المآل الصادم للحراك الجزائري

لعلَّ المثال الصارخ لهذه المفارقة بين الأمل الذي جاء به حراك 22 فبراير (شباط) في بدايته والواقع المفاجئ الذي وصل إليه من وجهة نظر بعض المشاركين فيه، يتجسَّد في ما يعيشه الناشط إبراهيم لعلامي. هذا الناشط الذي يعمل في مهنة الخياطة المنحدر من مدينة برج بوعريريج، كان من أوائل من وقفوا ضد العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، وتحوَّل بسرعة إلى أحد الشخصيات البارزة في الحراك الشعبي، خصوصًا بعد اعتقاله عدَّة مرَّات منذ 2019، وإصراره على مواصلة المشاركة في المسيرات الأسبوعية للحراك، اضطرَّ مؤخرًا بسبب التضييق الأمني الذي تعرفه المسيرات، وسجن المشاركين فيها أسبوعيًّا؛ إلى محاولة الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسِّط.

لكن حظَّ لعلامي السيئ لم يتوقف عند مجرد اضطراره إلى مغادرة بلاده فحسب، فعند محاولته مغادرة البلاد عبر شواطئ مدينة عين تيموشنت الساحلية، ألقت الشرطة القبض عليه هناك وأُجهضت محاولة المغادرة، وجرى توقيفه ومحاكمته، ليودع السجن المؤقَّت مرَّةً أخرى.

إبراهيم لعلامي هو مجرد مثال فقط عن موجة من عشرات المشاركين في الحراك الذين فضَّلوا ركوب «قوارب الموت» فرارًا بأنفسهم من شبح الاعتقال الذي أصبح يطارد، ليس فقط الناشطين السياسيين البارزين والمعروفين إعلاميًّا؛ بل حتَّى المواطنين العاديين، وقد وصل عدد المعتقلين إلى أكثر من 300 شخص حسب «اللجنة الوطنية لتحرير المعتقلين»، من بينهم نساء ورؤساء أحزاب وأساتذة جامعيون وناشطون حقوقيون وحتى محامون؛ فيما تستمر عمليَّة الاعتقالات يوميًّا.

وقد استطاعت قوَّات الشرطة توقيف مسيرات الحراك في أغلب المدن الجزائرية منذ مايو (أيار) الماضي؛ خصوصًا في العاصمة التي تعرف حصارًا أمنيًّا وانتشارًا استثنائيًّا لمختلف الأجهزة الأمنية، خصوصًا عند المساجد والساحات التي كانت تنطلق منها مسيرات الحراك لأكثر من سنتين؛ فيما يواصل المواطنون التظاهر في مدن تيزي وزو وبجاية. 

تبادل في الأماكن.. خروج «العصابة» من السجن ودخول الحراكيين

عندما انطلق الحراك الجزائري في 22 فبراير 2019، عرفت البلاد حالة من الابتهاج والأمل بالمستقبل القادم، وازدادت هذه الحالة جمعةً بعد جمعة مع نجاح الحراك في إجبار الرئيس السابق على الاستقالة، ودخول العديد من رموز النظام القديم إلى السجن، بل إن البلاد شهدت نوعًا آخر من الهجرة، عكس الذي كانت تعرفه دائمًا في السنوات الماضية؛ إذ شهدت البلاد عودة العديد من المغتربين إلى الجزائر من أجل المشاركة في هذا الحدث التاريخي وعدم تضييع فرصة معايشته.

استطاعت قوَّات الشرطة توقيف مسيرات الحراك في أغلب المدن الجزائرية منذ مايو (أيار) الماضي

ولكن بعد سنتين ونصف من انطلاق المظاهرات، يبدو للكثير من الناشطين وكأن عقارب الساعة تعود إلى الخلف، خصوصًا مع خروج العديد من رموز النظام السابق من السجن – من بينهم الجنرال توفيق قائد المخابرات الأسبق وتبرئة وزير الدفاع السابق خالد نزار – في حين يقبع مئات «الحراكيين» في السجون؛ وهو ما أدى بالعديد منهم إلى الدخول في إضراب عن الطعام احتجاجًا على ما يعدونه أحكامًا ظالمة في حقِّهم.

في التعديل الدستوري الذي أقرَّه الرئيس تبون بعد استفتاء نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، جرى إضافة الحراك الشعبي في ديباجة هذا الدستور، كما يصفه الرئيس تبون في مختلف تصريحاته الإعلامية بـ«الحراك المبارك»، ويعده أنقذ البلاد من الدمار؛ لكن واقع تعامل الأجهزة الأمنية مع ناشطي الحراك لا يمثل امتدادًا لهذه الرؤية الإيجابية للحراك؛ إذ تعرف البلاد منذ شهور حملةً أمنيةً وتضييقًا ضد المسيرات الأسبوعية.

صحيح أن القبضة الأمنية الشديدة دفعت بالعديد من الحراكيين إلى ركوب أمواج البحر والمجازفة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى والهرب من عصا القمع، لكن موجة «الحرقة» الأخيرة لم تقتصر فحسب على الحراكيين. فقد شهدت شواطئ إسبانيا وصول 800 جزائريٍّ إلى ضفافها خلال فترة أربعة أيَّام فقط؛ حسب منظَّمة إسبانية أعلنت ذلك في شهر يوليو (تموز) الحالي، وقد ألقت قوات خفر السواحل الإسبانية القبض على 600 منهم، فيما لاذ 200 منهم بالفرار.

الوضعية الاقتصادية الخانقة التي تعرفها البلاد وغلاء الأسعار، بالإضافة إلى أزمة البطالة، دفع العديد من الشباب إلى ركوب الأمواج ومغادرة البلاد بحثًا عن مستقبل بديل، لكن هذه الرحلة الخطيرة قد تكون مميتة في العديد من الأحيان، وهو ما كان مصير مجموعة من حوالي 10 مهاجرين ينحدرون من مدينة الشلف (300 كم غرب الجزائر العاصمة)؛ إذ أدى انقلاب القارب الذي كانوا يستقلُّونه إلى غرقهم جميعًا في مياه المتوسط.

خشية من تهم الإرهاب.. نزوح كبير للحراكيين إلى الضفَّة الأخرى

أعلنت الحكومة الجزائرية في مايو (أيار) الماضي، تصنيف كلٍّ من «حركة رشاد» بالإضافة إلى «حركة تقرير مصير القبائل» (الماك) حركتيْن إرهابيَّتين؛ في تصعيد هو الأول من نوعه ضد الحركتيْن المذكورتين، واللتين تتهمهما الحكومة «باختراق الحراك»، رغم عدم استخدام أيٍّ منهما للعنف الفعلي في نشاطهما. هذا التصنيف رافقه اعتقال العديد من المواطنين الذين ينشطون في هاتين الحركتيْن، وخاصةً ناشطي «حركة رشاد»، وهو ما دفع العديد من ناشطيها إلى التخفِّي أو مغادرة البلاد عن طريق قوارب «الحرقة» إلى أوروبا، تاركين خلفهم عائلاتهم.

في حواره مع «ساسة بوست»، يذكر فريد بوقيدة، الناشط في الحراك الشعبي، الظروف التي أدت به إلى ركوب أمواج البحر في سبتمبر (أيلول) 2020، من أجل التحرُّر من مسلسل الاعتقالات والتضييق الذي حاصره بسبب نشاطه في الحراك الجزائري.

«أنا كنت من بين أوائل الناشطين الذين غادروا الجزائر عن طريق الهجرة غير الشرعية؛ وذلك بسبب القمع والاعتقال والمتابعات القضائية، والتي لا يزال يتعرَّض لها أهلنا في الجزائر».

يؤكد فريد أن هدفه من الهجرة لم يكن بحثًا عن الحياة الرغيدة؛ بل إن دوافعه مختلفة: «أنا لم آتِ إلى هنا، إسبانيا، من أجل بناء مستقبل أو طلبًا للعيش الرغيد، فقد بلغت من العمر 53 عامًا؛ بل هدفي إيجاد مناخ للحرية والنشاط من أجل مواصلة النضال ضد النظام الحاكم في الجزائر، ومنذ أن وصلت إلى أوروبا بدأت رفقة الناشطين في توعية الجالية وتوعيتهم بالقضية الوطنية وتنظيم أنفسنا والتواصل مع الصحافة العالمية، بالإضافة إلى المنظمات الحقوقية لتعريفهم بالانتهاكات التي تحصل في البلاد ولندافع عن حرية الصحافة في الجزائر من خلال الاتصال بنقابات الصحافيين هنا في إسبانيا، على سبيل المثال فقد تحدثنا عن قضية الصحافي رابح كراش الذي اعتُقِل بسبب نشاطه الصحفي».

وعن الظروف التي دفعته إلى «الحرقة» إلى الضفَّة الأخرى يقول فريد: «أنا شخصيًّا اعتُقِلت في 19 مارس (آذار) 2020 بسبب المشاركة في مسيرات الحراك، وجرى وضعنا في زنازين ضيِّقة، ورغم أن وكيل الجمهورية بلهادي سيد أحمد قد التمس حكم البراءة في سابقة هي الأولى من نوعها فيما يخص القضايا المماثلة، وعوقب فيما بعد على هذا الحُكم بأن أُبعِد للعمل في مدينة واد سوف الصحراوية. فإني ما زلت حتى الآن متابعًا قضائيًّا وهناك مذكِّرة لتوقيفي في الجزائر رغم مغادرتي البلاد منذ السنة الماضية».

وعن ظاهرة هجرة المشاركين في الحراك إلى أوروبا، يقول فريد إن هنالك أعدادًا كبيرة من الحراكيين الموجودين هنا قد غادروا بسبب أنهم متابعون قضائيًّا، ونحن نتواصل فيما بيننا هنا ونتعاون ونقوم بوقفات سلمية ومسيرات في أوروبا.

يؤكد فريد إصراره على مواصلة نشاطه السياسي والتزامه بالحراك رغم مغادرة الجزائر؛ إذ لا يعد الهجرة سوى محطَّةً جديدة تتيح له مساحة جديدة من الحرية لمواصلة الثورة السلمية حسب قوله: «النضال يتطلَّب الصبر والشجاعة، تمامًا مثلما ضحَّى الشهداء من أجل هذا الوطن، علينا مواصلة المسيرة حتى النصر، لأنَّ هذا النظام قد انتهى سياسيًّا، ولم تبقَ له سوى ورقة العنف»، بحسب رؤيته.

مجتمع

منذ 10 شهور
كيف أصبح «يوتيوب» وسيلة لتعليم الهجرة غير الشرعية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد