تعيش الجزائر هذا الأسبوع على صفيحٍ ساخن؛ بعد قرار السلطة إجراء تحويلاتٍ غير مسبوقة تقتضي تحويل (نقل وانتداب) زهاء 3 آلاف قاضٍ عبر مختلف ولايات الجمهورية. مبرر وزير العدل الجديد بلقاسم زغماتي – الذي يعرف بالصرامة- لإجراء هذه التحويلات كان إضفاء مزيدٍ من الإصلاح وتحريرًا للعدالة والقضاء؛ غير أنّ هذه الخطوة خلّفت سخطًا وانتقادًا كبيرين، وتسببت في توقيف العمل القضائي بالجزائر بدءًا من أمس الأحد؛ بعد شروع نقابة القضاة في إضرابٍ مفتوحٍ عن العمل. 

تطورات الصراع بين وزارة العدل ممثلة السلطة في الجزائر والنقابة الوطنية للقضاة تسارعت في الساعات الماضية بطلب «نادي القضاة» رحيل وزير العدل بلقاسم زغماتي، التي تسوّق دوائر قريبة من الجيش والسلطة في الجزائر بأنّه وراء تحرّر العدالة في البلاد، عبر المحاكمات غير المسبوقة التي تشهدها الجزائر بعد الحراك؛ وفتح القضاء الجزائري لملفاتٍ كانت حبيسة ضغط النظام السابق، لتفتح الجدل حول إذا ما كانت العدالة الجزائرية حقًّا تحررت كما تروج الدوائر القريبة من الجيش والسلطة أم أنّها ما تزال حبيسة الضغوط والإملاءات؟

هل تستغل السلطة الجزائرية «محاكمة القرن» لتمرير الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

«الجزائر بلا قضاء».. لماذا انتفض قضاة الجزائر؟

صباح الخميس 24 أكتوبر (تشرين الأوّل) تفاجأ قضاة الجزائر بقرار مختوم من وزير العدل الجزائري، بلقاسم زغماتي، يقضي بنقل 3 آلاف قاضي عبر البلاد. وعن هذا الإجراء صرّح وزير العدل خلال إشرافه على افتتاح الدورة الخاصة بالمجلس الأعلى للقضاة، بالمحكمة العليا في الجزائر العاصمة، بأن «الحركة المقترحة تمت وفق معايير موضوعية محدّدة سلفًا، شملت الجميع، مستمدة من عملية فحص دقيق لواقع تسيير الموارد البشرية في القطاع». ووصف الوزير الانتقادات والرفض الذي لقيته تعليماته من القضاة بأنها «طعنة خنجر» في جسد المنظومة القضائية.

وفور صدور تعليمات وزارة العدل؛ ردّت «النقابة الوطنية للقضاة» على هذا الإجراء ببيانٍ – يمتلك «ساسة بوست» نسخة منه- أعلنت خلاله توقيف العمل القضائي بالبلاد بداية من يوم أمس حتى إلغاء هذه التحويلات؛ التي تأتي حسب النقابة مخالفةً للقانون.

وشهدت محاكم الجزائر أمس الأحد شللًا شبه تام؛ بعد أن بلغت نسبة الإضراب 96%، وحاول «ساسة بوست» الاتصال برئيس نقابة القضاة النقيب يسعد مبروك اليوم الاثنين؛ للتعليق على الإضراب ومطالبه، غير أنّه اعتذر عن التعليق حاليًا.

وزير العدل الجزائري بلقاسم زغماتي

وزير العدل الجزائري بلقاسم زغماتي

وتسارعت الأحداث بعد الاستجابة الكبيرة التي لقيها إضراب نقابة القضاة، بإعلان «المجلس الأعلى للقضاء» مساء الأمس؛ عن تجميد حركة القضاة التي أعلنها وزير العدل، ومفجرًا الأوضاع بكشفه عن أنّ دور المجلس الوطني للقضاء اقتصر فقط على الاطلاع على القائمة النهائية، مؤكدًا أنّ التحويلات تلك كانت بقرار من السلطة التنفيذية. 

وأمام هذا الوضع؛ صعّد «نادي القضاة» (نقابة قيد التأسيس) من مطالبه، بدعوته وزير العدل الحالي بلقاسم زغماتي للرحيل؛ بسبب الضغوط التي ما فتئ القضاة يتعرضون لها منذ توليه منصب وزارة العدل. وفي هذا السياق أكّد القاضي سعد الدين مرزوق، الناطق باسم «نادي القضاة»، أنّ «المصلحة العامة لجهاز العدالة واستقلالية السلطة القضائية تقتضي رحيل الوزير الحالي، وعدم تدخل الأمين العام والمفتش العام للوزارة في حركة القضاة مستقبلًا».

ورافق هذا الصراع بين السلطة التنفيذية والقضائية بالجزائر جدلًا كبيرًا في أوساط الجزائريين، بين داعمٍ لقرارات وزير العدل، وبين متعاطفٍ مع القضاة وإضرابهم. وفي هذا الصدد؛ أشار أستاذ علم الاجتماع الدكتور بجامعة الجزائر، نور الدين بكيس، إلى أنّ هذه التحويلات مهمة جدًّا في الوقت الحالي؛ لأنّها تهدف إلى تفكيك الألغام التي تركتها الدولة العميقة، وتعدّ المرحلة الثانية لإنهاء هذا الكيان بالجزائر؛ بعد التحويلات التي شهدها الجيش ورجال الأعمال في الفترة السابقة.

من جهته أكّد أحد منتسبي النقابة الوطنية للقضاة في حديثه مع «ساسة بوست»، أنّ « التحويلات الأخيرة التي يرّوج بأنّها تأتي في إطار جهود مكافحة الفساد، فيها الكثير من اللبس، على اعتبار أنّ مشكلة العدالة في الجزائر أبعد من محاربة الفساد، كون المشكل هو عدم استقلالية القضاء من حيث النصوص والواقع، ومن غير المعقول معالجة هذا المشكل بعملية تدوير عشوائية وانتقامية من القضاة، كما أنّ هذه التحويلات لم تراع حق القضاة في الاستقرار اجتماعيًّا والمكفول دستوريًّا».

«محاكماتٌ وفتحٌ لملفات الفساد».. هل صارت العدالة الجزائرية حرة حقًّا؟

بعد إعلان بوتفليقة استقالته، واعتقال الجيش الجزائري أبرز أركان نظامه؛ اتجهت أنظار الجزائريين صوب العدالة، لقياس مدى استجابتها لمطالب الحراك الشعبي الداعي لضرورة محاكمة الفاسدين في البلاد، وبالفعل لم ينتظر المتظاهرون كثيرًا حتى بدأت الأخبار تتوالى باستدعاء الأسماء المتورطة في الفساد تباعًا. 

غير أنّ الهاجس الذي رافق الجزائريين، وهم يراقبون تلك التحقيقات والمحاكمات بنوعٍ من التحفظ، كان سببه أنّها حدثت فقط حين أمر الفريق أحمد قايد صالح قائد الأركان، القضاء، في خطابٍ له في العاشر من أبريل (نيسان) الماضي؛ بـ«الشروع في إجراءات المتابعات القضائية ضد العصابة التي تورطت في قضايا فساد ونهب المال العام، وأن الأمر سيمتد أيضًا إلى ملفات فساد سابقة»، وسمى تلك الملفات بالقول «في هذا الصدد، نطمئن الرأي العام أن الأمر سيمتد كذلك إلى ملفات سابقة، كقضايا الخليفة، وسوناطراك، والبوشي وغيرها من الملفات المتعلقة بالفساد، والتي تسبب أصحابها في تكبيد الخزينة العمومية خسائر فادحة».

مظاهرات ابتهاج رافقت محاكمات رجال النظام السابق

بعد ذلك الخطاب توالت الاستدعاءات والاعتقالات؛ وانتشر مصطلح «المنجل» بين الجزائريين؛ للتعبير عن حصد رؤوس الفاسدين، وامتلأت السجون الجزائرية بإطارات النظام السابق، وفتحت ملفات فسادٍ تورط فيها مسؤولون سامون في الدولة كانت قبل الحراك في عداد الملفات المغلقة. 

ونتاجًا لهذه الإنجازات؛ تكررت في خطاب كلٍّ من الرئيس المؤقت للدولة عبد القادر بن صالح، وقائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح، تطميناتٌ بأنّ العدالة الجزائرية تحررت من كل القيود، وصار بإمكانها معالجة كلّ ملفات الفساد، وذلك بعد الإجراءات التي اتخذتها السلطة خصوصًا حركة الإقالات والتعيينات الواسعة، التي أجراها الرئيس المؤقت بن صالح في شهر يونيو (حزيران) الماضي، والتي شملت عدّة مناصب عليا أبرزها منصب الرئيس الأوّل للمحكمة العليا، ناهيك عن إقالة وزير العدل السابق سليمان براهمي، والذي أشيع عرقلته لحملة محاربة الفساد التي تشنها العدالة الجزائرية على النظام السابق، واستبدال الوزير الحالي بلقاسم زغماتي به، والذي يعدّ أحد ضحايا نظام بوتفليقة. 

تجدر الإشارة إلى أنّ عدّة شخصيات متورطة بالفساد، ويروّج أنّها قريبة من السلطة الحالية، ما تزال خارج دائرة استهداف القضاء؛ كما أنّ قضية الفساد الأكبر في تاريخ الجزائر، والتي تحمل اسم «قضية الخليفة»، ما تزال لم تفتح بعد، وهي القضية التي يتورط فيها مرشحون للرئاسة حاليًا، وأسماء ثقيلة قريبة من قيادة الأركان. 

هل تستغل السلطة العدالة الجزائرية لتمرير الانتخابات؟

تفتخر السلطة، وكذلك الجيش بالجزائر في كل مناسبة بالإنجازات التي حققتها العدالة الجزائرية في ظرف ثمانية أشهر، منذ بدء الحراك الشعبي، فعشرات الوزراء والمديرين خلف القضبان، وملفات كبيرة وشائكة فوق طاولات المحاكم؛ نتيجة للحملة التي تبناها القضاء الجزائري لمحاربة الفساد، وصورة ناصعة مرصوعة بدعم شعبي يبديه غالبية المواطنين لإجراءات العدالة. غير أنّ الوجه الثاني للعدالة الجزائرية تظهره المحاكمات شبه اليومية التي يتعرض لها ناشطو الحراك، والأحكام القاسية التي صدرت ضدّ هؤلاء الناشطين.

ويقبع حاليًا في السجن الاحتياطي عشرات الناشطين من الحراك الشعبي، جرى توقيفهم في جمعات مختلفة بتهمة «حمل راية غير الراية الوطنية وتوزيع منشورات تدعو للمظاهرات»، بالإضافة إلى تهمة «إهانة هيئة نظامية وإحباط معنويات الجيش».

إعتقالات ومحاكمات واسعة في حق نشطاء الحراك الشعبي

اعتقالات ومحاكمات واسعة في حق نشطاء الحراك الشعبي

وتبقى قضية محاكمة القائد الثوري لخضر بورقعة، الموقوف منذ 30 يونيو الماضي، والذي مثل أمام قاضي التحقيق في محكمة بئر مراد رايس بالعاصمة الجزائرية الأسبوع الماضي، من أكثر القضايا التي انتقدت فيها العدالة الجزائرية، وهي المحاكمة التي شهدت سجالًا بين بورقعة وقاضي التحقيق، بعد مطالبة لخضر بورقعة بالإفراج عن سجناء الحراك. 

وفي آخرٍ محاولةٍ للسلطة لإنجاح تنظيم الانتخابات المزمع تنظيمها في 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبل؛ والتي تشهد رفضًا واسعًا من الجزائريين؛ أكّد وزير العدل بلقاسم زغماتي أنّ القضاء الجزائري سيفرض عقوبات صارمة تصل حتى السجن لمدة ثلاث سنوات في حق كلٍ من يعرقل عمل السلطة المستقلة للانتخابات.

كل ما تريد معرفته عن المدرسة الوطنية للإدارة.. معقل صنّاع القرار في الجزائر؟

المصادر

تحميل المزيد