شهدت نهاية سنة 2020؛ مُفاجأة كبيرةً لدول منطقة المغرب العربي؛ وذلك غداة توقيع المملكة المغربية على اتفاقية التطبيع مع تل أبيب، ورافق تلك الخطوة أيضًا إعلان الولايات المتحدة الأمريكية اعترافها بسيادة المملكة المغربية على إقليم الصحراء الغربية، وهي الخطوة التي اعتبرها البعض آخر مسمارٍ يدقُّ في نعش الوحدة المغاربية.

أثرت هذه الخطوة المغربية بشكل مباشر في كل من الجزائر وموريتانيا، بحكم أنّ البلدين لهما موقفٌ موحدٌ وفاعل في قضية الصحراء الغربية؛ فالأولى كانت ولا تزال الداعم الأوّل لجبهة البوليساريو، والثانية كانت شريكةً المغرب في احتلال الإقليم قبل أن تنسحب منه سنة 1979.

 ومنذ توقيع المغرب على اتفاق التطبيع مع إسرائيل، تعمل البلدان -الجزائر وموريتانيا- على تعزيز علاقاتهما الاستراتيجية والعسكرية، فمنذ بداية هذه السنة، لم تتوقف الزيارات المتتالية بين مسؤولي البلدين، بينما بلغ التبادل التجاري بينهما أعلى مستوياته.

في هذا التقرير نسلط الضوء على التقارب الجزائري الموريتاني؛ ونرصد أسبابه وأبعاده؛ وتأثيراته في الوضع بالمنطقة.

نواكشوط والجزائر.. تاريخ وعلاقات تحكمها رياح الحرب والسياسة!

في سنة 1962؛ وفي الوقت الذي كانت الجزائر تُستفتى على استقلالها؛ كانت موريتانيا قد بلغت عامين من عمرها بوصفها دولةٍ مستقلةٍ بعد احتلالٍ فرنسيٍ دام 40 سنة؛ فقد وجد الموريتانيون أنفسهم بعد الاستقلال يصارعون وحدهم لبناء مشروع الدولة الموريتانية؛ كما صارع الجزائريون في الظروف نفسها، لبناء حلم الجمهورية الجزائرية.

ومع تولي هواري بومدين سدّة الحكم في الجزائر؛ بدأت العلاقات الرسمية بين الجزائر وموريتانيا، فزار مؤسس الدولة الموريتانية المختار ولد داداه الجزائر سنة 1967، ونشط التنسيق الدبلوماسي بين البلدين، واستقبلت الجزائر مئات الطلبة الموريتانيين، وكوّنت إطارات الدولة الموريتانية.

في كتاب« موريتانيا.. رهان التحديات الكبرى» يستعرض مؤسس الدولة الموريتانية المختار ولد داداه في فصلٍ كاملٍ تحت عنوان «نحن والجزائر» العلاقات المتينة بين البلدين. ففي المجال الاقتصادي يقول ولد داداه إنه «ما كان لإنشاء العملة الوطنية والبنك المركزي في 1973م، أن يتحقق في الظروف الجيدة التي جرى فيها لولا العون النفيس الذي قدمته لنا السلطات المصرفية الجزائرية. وفي هذا المجال أثبتت السلطات الجزائرية كثيرًا من التضامن والاستعداد والنجاعة».

كذلك يقرّ الرئيس الموريتاني بأنّ الرئيس الجزائري كانّ أوّل المطلعين على قرار تأميم مناجم الحديد «ميفرما» الذي كان أكبر قرار سيادي تتخذه موريتانيا بعد الاستقلال، إذ قدم الرئيس الجزائري للموريتانيين نصائح بالتروي خوفًا من ردة الفعل الفرنسية، وقال بومدين للولد داده: «إن فرنسا قادرة على القيام بأي شيء بما في ذلك الإطاحة بالنظام الوليد، إذا ما مست مصالحهم»، مؤكدًا أن الجزائر «تضع كافة إمكانياتها تحت تصرف موريتانيا فيما إذا تعرضت لمضايقات فرنسية».

أماّ الشق الدبلوماسي فيعيد الرئيس الموريتاني الأسبق فضل انتماء موريتانيا للجامعة العربية إلى الجزائر، فيقول ولد داداه: «فيما يتعلق بانتماء موريتانيا للجامعة العربية، نذكر للأمانة التاريخية أنّ الرئيس الجزائري هواري بومدين قام بالكثير من الجهود ليتمّ هذا الانتساب في أكثر الظروف علنية. إذ حرص الرئيس بومدين خلال رئاسته للقمة العربية على الإعلان عن تبني هذه العضوية في قمة الجزائر بدل أن تقبل هذه العضوية على مستوى أخفض، (أي على مستوى وزراء الخارجية وفقًا للعادة المتبعة)».

وفي صيف سنة 1976؛ شهدت العلاقات الموريتانية الجزائرية حالة فتورٍ، وذلك في أعقاب اندلاع الحرب بين المغرب وجبهة البوليساريو؛ واختيار نواكشوط الانخراط في الحرب باعتبارها طرفًا داعمًا للمغرب، لكن العلاقة سرعان ما عادت إلى سابق عهدها بعد إعلان موريتانيا انسحابها من الصحراء الغربية واعترافها فيما بعد بجبهة البوليساريو.

 في فترة التسعينيات؛ ومع دخول الجزائر أزمة داخلية نتيجة توقيف المسار الانتخابي، وعلى عكس المغرب كانت موريتانيا من أبرز الداعمين للنظام في حربه ضدّ الجماعات المسلحة.

 وبتولي بوتفليقة حكم الجزائر سنة 1999، عاد الفتور يعتري طبيعة العلاقات بين البلدين. ففي عام 2012 أعلنت السلطات الجزائرية أن حدودها البرية مع كل من موريتانيا والنيجر ومالي هي مناطق عسكرية مغلقة، ثم شرعت في عام 2015 في حفر خنادق وإقامة سواتر ترابية على طول هذه الحدود البرية بداعي «الوقاية من الإرهاب».

ووصلت سنة 2015 حدّ القطيعة بعد قرار موريتانيا طرد المستشار الأول بسفارة الجزائر في نواكشوط بلقاسم الشرواطي، إثر اتهامه بالوقوف خلف مقالٍ نشر بإحدى الصحف الإلكترونية الموريتانية اعتبرت أنه يسيء لعلاقات موريتانيا الخارجية، وردّت الجزائر على ذلك بطرد أحد المستشارين بسفارة موريتانيا في الجزائر ليلقي الأمر بظلاله القاتمة على العلاقات بين البلدين طيلة العامين الماضيين.

وسبق كلّ ذلك التوتر استياء نواكشوط من موقف الجزائر الرافض للانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب حينها سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، الذي حمل الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى الحكم في نواكشوط في أغسطس (آب) 2008.

مرحلة الفتور تلك سرعان ما انقشعت تدريجيًا في النصف الثاني من فترات حكم بوتفليقة؛ فبعد أن فوجئت الجزائر بالهجوم «تيقنتورين» الدامي؛ عملت على تقوية علاقاتها مع دول الساحل وكانت موريتانيا في مقدمة تلك الدول. فقد قرر بوتفليقة في نهاية عهدته الثالثة إعفاء موريتانيا من جميع ديونها في سابقة هي الأولى من نوعها، كما شهدت عهدته الرابعة فتح أول معبرٍ حدوديٍّ بين البلدين، بهدف زيادة التبادل التجاري وتنقل الأشخاص وتعزيز التعاون الأمني بين الدولتين.

وحذا الرئيس الجزائري الحالي عبد المجيد تبون حذو بوتفليقة في ترسيخ علاقاتٍ قوية مع الجارة الجنوبية للجزائر، خصوصًا بعد أن شهدت منطقة المغرب العربي تطوراتٍ أثرت بشكلٍ كبيرٍ في استراتيجية الجزائر ونفوذها بالمنطقة.

قضية الصحراء الغربية.. ماذا يجمع الجزائر بنواكشوط؟

كما ذكرنا سابقًا؛ كانت سنة 1979 سنةً مفصليةً في تاريخ العلاقات بين نواكشوط والجزائر؛ ففي تلك السنة أعلنت موريتانيا توقيعها اتفاقية سلامٍ مع جبهة البوليساريو وانسحبت على إثرها من الأراضي التي كانت تحتلها، وهي الأراضي التي قام المغرب باحتلالها بعد ذلك.

وقتذاك كانت الجزائر من أوّل المرحبين بالخطوة الموريتانية؛ وتسبب هذا القرار في تقاربٍ كبيرٍ بين البلدين بخصوص الحلّ في الصحراء الغربية، فكلا البلدين أصبحا يعترفان بجمهورية الصحراء الغربية.

وفي ذروة الحراك الدبلوماسي للمملكة المغربية لجلب المزيد من الدعم المغرب في قضية الصحراء وسحب الاعتراف من جبهة البوليساريو؛ نزلت طائرة وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في شهر فبراير (شباط) 2020 بمطار العاصمة الموريتانية نواكشوط، وكان الهدف إقناع الرئيس الموريتاني الجديد محمد ولد الغزواني بانتهاج سياسة جديدة غير تلك التي اتبعها أسلافه بخصوص قضية الصحراء، ورحل بوريطة من العاصمة الموريتانية متفائلًا باحتمالية تغيير الموقف الموريتاني من الأزمة.

لكن آمال المملكة المغربية تبددت سريعًا بتصريحٍ للرئيس الموريتاني في شهر مارس (أذار) 2020؛ أعلن فيه أن «موقف موريتانيا من قضية الصحراء الغربية لم يتغير ولن يتغير، وهو الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، لأنه موقف من ثوابت السياسة الخارجية للبلد».

وأضاف الرئيس الموريتاني في تصريحه أن «موقفنا ما زال هو نفسه، أي الحياد الذي تبنته موريتانيا، لكنه حياد إيجابي، بحكم العلاقة بمختلف الأطراف، وحساسية الملف، وأهمية الحل بالنسبة إلى الدولة الموريتانية» وهو الموقف الذي أسرّ كثيرًا الجزائر.

مناورات للجيش الجزائري قرب موريتانيا بمشركة قائد الأركان الفريق سعيد شنقريحية
مناورات للجيش الجزائري قرب موريتانيا بمشركة قائد الأركان الفريق سعيد شنقريحية

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020؛ شهد معبر الكركرات بالصحراء الغربية إغلاقًا من طرف عناصر جبهة البوليساريو، وفي الوقت الذي نددت فيه المغرب بهذا الإغلاق ووصفته بالاستفزاز وهددت باستعمال القوة لإعادة فتحه؛ نشرت موريتانيا أفراد جيشها على الحدود تحسبًا لأي طارئ أو حربٍ قد تندلع بين جبهة البوليساريو والمغرب، بينما دعت الجزائر أطراف الصراع إلى الهدوء.

كانت تلك الأحداث مقدمةً لسيطرة المغرب بالقوة على المعبر؛ ومن ثمّ إعلان المملكة عن توقيعها لاتفاقية التطبيع مع إسرائيل، في مقابل اعتراف إدارة ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية؛ وهو الموقف الذي لم يسرّ كلًا من الجزائر وموريتانيا.

ففي الوقت الذي انتقدت فيه الجزائر علانيةً خطوة الرباط بالتطبيع مع إسرائيل، واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء ودعتها إلى مراجعة ذلك القرار؛ لم تعلن الحكومة الموريتانية موقفها من القرار، بينما أدانت أحزاب موريتانية الخطوة المغربية والأمريكية.

لكن.. ماذا تقاربت الجزائر مع موريتانيا الآن؟

منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 10 ديسمبر (كانون الأوّل) 2020 عن قراره بالاعتراف بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية وإعلان المغرب عن تطبيع علاقاته مع إسرائيل؛ شهدت العلاقات بين الجزائر وموريتانيا حركة نشطة، تمثلت في تلقي الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اتصالًا هاتفيًا من نظيره محمد ولد الشيخ الغزواني، أواخر ديسمبر الماضي هنّأه من خلالها على تعافيه من إصابته بفيروس كورونا، وتبعتها زيارة رئيس أركان الجيش الموريتاني الفريق محمد بمبه مكت للجزائر على رأس وفد عسكري هام مطلع السنة الجارية؛ وزيارة أخرى لوفد صحيٍّ جزائري نحو نواكشوط في إطار التعاون في المجال الصحي بين البلدين.

وشهدت العلاقات العسكرية بين البلدين تطورًا إيجابيًا نتيجة المصالح المشتركة؛ فكلا البلدين يخوضان حربًا على الجماعات المسلحة في الساحل؛ كما يرون في أزمة الصحراء الغربية تهديدًا للأمن الإقليمي. فبعد أيامٍ قليلةٍ من زيارة رئيس الأركان الموريتاني للجزائر؛ شرع الجيش الجزائري في إجراء مناورات عسكرية بالذخيرة الحية بمنطقة قرب الحدود مع موريتانيا ومالي، تحت إشراف الفريق السعيد شنڨريحة، رئيس أركان الجيش الجزائري؛ وذكر بيانٌ لوزارة الدفاع الجزائرية أنّ تلك المناورات تدخل في إطار تحضير الجيش نفسه لحماية الحدود مع موريتانيا خصوصًا بعد التوترات في الصحراء الغربية.

زيارة وزير الصحة الجزائري عبد الرحمن بن بوزيد إلى موريتانيا بأمرٍ من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في يناير 2021
زيارة وزير الصحة الجزائري عبد الرحمن بن بوزيد إلى موريتانيا بأمرٍ من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في يناير 2021

وشهدت الأيام الماضية أيضًا زيارة لوزير الصحة الجزائري عبد الرحمن بن بوزيد إلى العاصمة الموريتانية على رأس بعثة طبية تضامنية متكونة من أعضاء من اللجنة العلمية لرصد ومتابعة تفشي فيروس كورونا وتضم عدة أخصائيين وتقنيين، مرفقة بمساعدات طبية. ورافقت الوزير الجزائري طائرة محملة بمساعدات تتمثل في عتاد ومستلزمات طبية للوقاية من فيروس كورونا.

وذكر وزير الصحة أن زيارته إلى نواكشوط تأتي تجسيدًا لقرار رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في إطار «مساعي الدولتين الرامية إلى تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات وفي مقدمتها القطاع الصحي، خاصة في ظل هذا الظرف الصعب الذي يعيشه العالم بسبب تفتشي جائحة كوفيد-19».

أمّا على الشأن الاقتصادي فيشهد ميزان المبادلات بين البلدين نموًا معتبرًا خصوصًا في السنوات الأخيرة؛ فمنذ افتتاح الجزائر معبرها الحدودي مع موريتانيا في أغسطس 2018؛ ركزت الجزائر استراتيجيتها -حسب المتابعين- على أن يكون المعبر بديلًا لمعبر الكركرات، وبالموازاة مع ذلك فتحت الجزائر جسرًا جويًا مع موريتانيا في إطار برنامج «التمر مقابل السمك».

وكشف المدير العام للتجارة الخارجية بوزارة التجارة خالد بوشلاغم، إن الواردات الموريتانية من المنتجات الجزائرية تمثل 20 بالمائة من إجمالي واردات نواكشوط من البلدان الأفريقية، مضيفًا أن الجزائر قادرة في سنة 2021 على زيادة صادراتها لموريتانيا إلى 50 مليون دولار.

واستنادًا إلى إحصائيات المديرية العامة للجمارك الموريتانية، فإنّ الصادرات الجزائرية بلغت 8.7 ملايين دولار خلال الثلث الأخير من عام 2020، مما يجعلها الممون الأفريقي الثاني لنواكشوط.

وعن أسباب التقارب السريع بين البلدين يرى الباحث الموريتاني محمد الشيخ المختار في حديثه مع «ساسة بوست» أن «هذا التقارب هو محاولة أخيرة لإنقاذ العلاقة بين البلدين من الفشل، خاصة أنها ظلت متذبذبة في غياب مشاريع تنموية صلبة، لا سيما في المجال الحدودي؛ ويمكن القول أيضًا أنّ التطورات الإقليمية الحالية تدفع إلى هذا التقارب خصوصًا أزمة الصحراء وجائحة كوفيد 19؛ والجزائر بإمكانها أن تكون شريكًا اقتصاديًا هامًا لموريتانيا التي تتمتع بثروة سمكية وثروات باطنية هامة».

ويضيف الباحث محمد المختار إلى أنه من الطبيعي أن يعمل كلٌ من الجزائر وموريتانيا على التنسيق الأمني بينهما في خصوص الساحل والجماعات المسلحة؛ كونهما من أكبر الدول المهددة بهذا الخطر؛ معتبرًا في الأخير أن التقارب بين البلدين من شأنه أن يدعم مشروع الوحدة المغاربية.

عربي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: لهذه الأسباب يريد المغرب تسوية وليس حربًا في الصحراء الغربية

المصادر

تحميل المزيد