قمصان لها تاريخ.. كيف لعب المنتخب الجزائري دورًا في الاستقلال عن فرنسا؟

ربما لا يعرف الكثير من مشجعي كرة القدم الأفريقية؛ أن المنتخب الجزائري الذي يشارك في البطولة الحالية المقامة في مصر يحمل تاريخًا كرويًا وسياسيًا قلما يتكرر؛ فلاعبو منتخب الجزائر يرتدون قمصانًا كان لها تاريخ في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، ويعلمون أن تاريخهم الكروي المشرف يحتم عليهم أن يحققوا مركزًا متقدمًا في البطولة إن لم يكن الفوز بها؛ فهم أبناء فريق «جبهة التحرير الوطني» الذي أحرج فرنسا، وتمكن من نقل مفاوضات الاستقلال من مجلس الأمن إلى المستطيل الأخضر.

130 عامًا من الاحتلال

بلد تفيض بالخيرات ويفصلنا عنها بحر، هذا كان حال فرنسا حين تنظر إلى الجزائر الرابضة علي الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، أنظار فرنسا تعلقت عقودًا بالجزائر التي قدمت كميات كبيرة من الحبوب لجيش نابليون أثناء حملته على إيطاليا عام 1796، لكن الأخير بنظرته الاستعمارية رفض دفع أثمان تلك الحبوب ووصفها بـ«الباهظة». 

«القمح» كان ذريعة مثالية للغزو الفرنسي، بعد رحيل نابليون عن الحياة، واعتلاء الملك تشارلز العاشر حكم فرنسا، كان على فرنسا تسديد ديون نابليون للتجار الجزائريين، مع أخذ المزيد من القمح والحبوب، وكان الوضع يسير كأي شكل تجاري مليء بالمفاوضات، ويتخلله القليل من الشد والجذب، لكن الملك الفرنسي كان يرى في ذلك شكلًا من أشكال الندية، فحاصر ميناء الجزائر عام 1827، وفشل الحصار الذي استمر ثلاث سنوات، فكان الحل الفرنسي التوغل واحتلال الجزائر عام 1830.

منذ تاريخ احتلال فرنسا للجزائر عُدت الأخيرة – وهي أكبر دولة من حبث المساحة في أفريقيا – جزءًا لا يتجزأ من فرنسا، وكانت تدار بأكملها من باريس، وقصد مئات الآلاف من الأوروبيين الجزائر الفرنسية، كمقاطعة فرنسية، ومثالية للحياة وكسب لقمة العيش، أما السكان الأصليون فكان مصيرهم التهميش والاستبعاد. محاولات ثورية عديدة أجراها الجزائريون لمحاربة الاحتلال، كانت تخمد مبكرًا، لكن منذ منتصف أربعينات القرن العشرين والجزائريون بدأوا في طريق لا رجعة فيه: إعلان الثورة في البلاد والمناداة بالاستقلال.

هل فاتك شيء من القصة؟ دليلك لمعرفة كل تطورات الجزائر من فبراير الماضي وحتى اليوم

الثورة أيضًا تلعب كرة القدم

عانت أوروبا من ويلات الحرب العالمية الثانية اقتصاديًا وسياسيًا، فيما بدأت الشعوب المحتلة في إنشاء حركات وأحزاب تطالب بالاستقلال بالسياسة حينًا، وبالكفاح المسلح حينًا أخر، والجزائر شأنها كشأن الدول المحتلة برزت فيها نداءات الاستقلال. وأبرز حركاتها «حركة انتصار الحريات الديمقراطية»، والتي بدأت في منتصف أربعينات القرن العشرين، لكن انقسامها عام 1953 أدى إلى ظهور فريق يتبني الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي.

فريق جبهة التحرير الوطني. المصدر: الخبر

من تأسيس «مجموعة الـ22»، ثم «لجنة التسعة» أعلن في 22 يونيو (حزيران) عام 1954 تشكيل «جبهة التحرير الوطني»، وفي الأول من نوفمبر (تشرين) من نفس العام شقت الثورة الجزائرية طريقها في البلاد، مع جناح عسكري يحمل الكفاح المسلح طريقًا للنضال والاستقلال، عرف باسم «جيش التحرير الوطني». 

في ظل تصاعد أحداث الثورة الدامية في الجزائر، وسقوط المزيد الشهداء، شُكل فريق لكرة القدم جزائري عام 1958، هو «فريق جبهة التحرير الوطني»، شُكل ليصبح سفيرًا للقضية الجزائرية حول العالم عبر الرياضة، أما لاعبو الفريق فكانوا لاعبين محترفين في الدوري الفرنسي الدرجة الأولى والثانية، وأيضًا من المحترفين في دول شمال أفريقيا، وقد جاء تشكيل المنتخب الجزائري ضربة موجعة لفرنسا سياسيًا، وكرويًا أيضًا.

«شهر عسل مزيف» وراء تشكيل المنتخب الجزائري

اهتدت «جبهة التحرير الوطنية» الجزائرية إلى خطة مُحكمة لتشكيل فريقها الكروي سرًا، ودون أن تعلم الحكومة الفرنسية التي كانت ستعرقل إنشاء مثل هذا الفريق، لجأت جبهة التحرير إلى محمد معوش، وهو لاعب كرة قدم يلعب في فرنسا، وزوجته خديجة، وكان محمد وخديجة قد تزوجا حديثًا، لذا اعتمدت الخطة عليهما. وكلاهما كانا أعضاء في «جبهة التحرير الوطنية». أما خطة تشكيل المنتخب الجزائري فكانت كقضاء «شهر عسل» مزيف.

أخذ محمد معوش خطابًا من ناديه «ستاد ريمس» الفرنسي، يحمل فيه تصريحًا بالإجازة للاحتفال بزواجه، وانطلق محمد وخديجة في سيارتهم لمدة 48 ساعة، وكانت مهمتهم السرية هي إقناع لاعبي كرة القدم الجزائريين المولودين في الجزائر بالتخلي سرًا عن أنديتهم الفرنسية الكبرى، واللعب مع فريق «جبهة التحرير الوطني»، روت خديجة لاحقًا لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)» أنها كانت مسئولة عن الاتصال باللاعبين، سواء قبل، أو أثناء اللعب، تقول خديجة: «كنت أتحدث معهم على انفراد، وقد وافقوا جميعًا».

بعد تجنيد اللاعبين التقت خديجة بمسئول من «جبهة التحرير الوطني» في «سوبر ماركت»، وألقى بداخل حقيبتها 15 وثيقة سفر مزورة للاعبين، وبهذه الهويات تمكن لاعبو المنتخب الجزائري من الهرب سرًا من فرنسا، وكان من هؤلاء اللاعبين الذي هجروا أنديتهم لاعبون كان من المقرر لهم اللعب في تشكيلة المنتخب الفرنسي في كأس العالم 1958؛ لذا شعرت فرنسا بالإهانة كرويًا مثلما شعرت بها سياسيًا.

فرنسا تبحث عن «اللاعبين الأحرار»

لم تكن الرحلة سهلة أبدًا على اللاعبين، في أبريل (نيسان) عام 1958 أخذ لاعبو المنتخب الجزائري زوجاتهم – منهن فرنسيات – وأولادهم وتركوا خلفهم في فرنسا كل شيء، حتى حساباتهم البنكية تركوها لئلا يثيروا الشكوك حولهم، الرحلة كانت بالأوراق المزيفة من فرنسا إلى إيطاليا، وهناك آخرون ذهبوا إلي سويسرا حيث عاشوا في فندق صغير، وأخذهم مسئول من جبهة التحرير، ليعبر بهم البحر إلى تونس مقر الجبهة المؤقت حتى الاستقلال، كان أطفالهم يتساءلون: «لماذا نترك فرنسا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟» وكان اللاعبون لديهم إجابة واحدة تقريبًا: «إلى وطننا الجزائر».

في المنتصف اللاعب الجزائري مصطفي زيتوني أثناء مشاركته مع المنتخب الفرنسي في مباراة ودية. المصدر: «PHOTO»

الجرائد الفرنسية طاردت اللاعبين الهاربين عبر «مانشيتات» تبرز اختفاءهم، وبدأ الخبر في الانتشار، وقبض على اثنين من اللاعبين وهم يحاولون الهرب (محمد معوش، وحسان شاربي)، وسجن اللاعبان، إلى أن لحق معوش بالفريق عام 1960، وركزت الجرائد الفرنسية علي اللاعبين الذين كان من المقرر لهم ارتداء قمصان المنتخب الفرنسي في كأس العالم 1958، وهم مصطفي زيتوني، ورشيد مخلوفي، وعبد العزيز بن تيفور، وأيضًا عبد الرحمن بو بكر.

استقر المنتخب الجزائري في تونس، ومنح اللاعبون صفة اللاجئين السياسيين، وخصص لهم ملعب للتدريب، وبدأ محمد بومزراق في الإشراف علي الفريق، ويرافقه مختار عريبي في تلك المهمة إلى أن انكشف الفريق على العالم أخيرًا. 

ثعالب الصحراء لا يُهزمون

كما امتلكوا شجاعة الهرب من فرنسا، والمخاطرة بمستقبلهم، امتلك اللاعبون الجزائريون نفس الروح داخل المستطيل الأخضر، كان منتخبا قويًا، فاز الفريق الجزائري علي تونس عدة مرات، وكذلك المغرب، والمجر، ويوغسلافيا، ورومانيا، وتشيكوسلوفاكيا، والاتحاد السوفيتي، والأردن، والعراق، وفيتنام، وتشير الإحصائيات أن فريق «جبهة التحرير الوطني» فاز في ثلثي المباريات التي لعبها، بينما تعادل بنسبة أكبر من الخسارة في الثلث المتبقي.

سارع الاتحاد الفرنسي لكرة القدم إلى تقديم شكوى لـ«الفيفا» يطالب فيها بمنع هؤلاء اللاعبين المتمردين من ممارسة كرة القدم في أي فريق، وفٌسخت عقودهم مع الفرق الفرنسية التي كانوا يلعبون فيها، وقرر «الفيفا» منع فريق «جبهة التحرير» من المشاركة في أية منافسة دولية، وقد تفاعلت أغلب الاتحادات الكروية في الدول الأوروبية إيجابيًا مع الشكوى الفرنسية.

«الفيفا» هدد أيضًا أية دولة تستقبل هذا الفريق الذي «ليست له سيادة» بالعقوبة، ولكن كان هناك دول تحدت الحظر، واستقبلت فريق «جبهة التحرير»، ونظمت له مباريات فاق عددها 90 مباراة، حتى الاعتراف الدولي بالجزائر المستقلة عام 1962، واعتماد فريقها الوطني من قبل «الفيفا» عام 1963.

كان لفريق التحرير الجزائري دور مهم في تعريف العالم بالقضية الجزائرية في جولاته الكروية التي خاضها حول العالم، وساهم بشكل أو بآخر في استقلال الجزائر عن فرنسا عام 1962، وبعد الاستقلال عاد اللاعبون إلي حياتهم الكروية، منهم من استقر في الجزائر كلاعبين في النوادي الجزائرية أو مدربين فيها، وآخرون عادوا للفرق الفرنسية التي كانوا يلعبون فيها، بعدما رفع عنهم الاتحاد الفرنسي لكرة القدم الحظر.

لاعبون آخرون انضموا إلى فرق أوروبية مثل مخلوفي الذي ذهب إلى فريق سرفييت جنيف السويسري ومعوش إلى فريق مونتينني في سويسرا أيضًا، ولكن مخلوفي عاد مرة أخرى إلى نادي سانت إيتيان قائدًا وفاز معه بالدوري الفرنسي للمرة الثانية عام 1964، وحقق لقبي الدوري والكأس عام 1968، وكان قد أهدى فريقه لقب الدوري الأول عام 1957.

أما منتخب الجزائر الذي فاز مرة واحدة بكأس الأمم الأفريقية عام 1990، فكان مدربه هو عبد الحميد كرمالي، أحد لاعبي فريق «جبهة التحرير»، لذا يحمل لاعبو منتخب الجزائر الحاليين في بطولة الأمم الأفريقية الجارية في مصر أحلامهم في تحقيق اللقب الثاني لهم، مستندين إلى تاريخهم الكروي الكبير والسياسي المشرف.

كرة القدم أكثر من مجرّد «لعبة».. 4 مباريات تاريخيّة مشحونة بالرسائل السياسية

استقلال الجزائرالاحتلال الفرنسي للجزائرالجزائررشيد مخلوفيعبدالعزيز بن تيفورفريق جبهة التحرير الوطنيكأس الأمم الأفريقيةمحمد معوشمصطفي زيتونيمنتخب الجزائر

المصادر