بينما كان النظام الجزائري يتدارس قرار تمديد آخر للحظر الشامل في الجزائر، بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، إلى 13 يونيو (حزيران) الجاري؛ كانت أحزاب السلطة المتمثلة في حزب جبهة التحرير الوطني (الأفلان) وحزب التجمع الوطني الديمقراطي (الأرندي)، تسابق الزمن في التحضير لمؤتمراتها الاستثنائية قصد انتخاب قياداتٍ جديدةٍ تنهي بها الفراغ القيادي في تلك الأحزاب بعد سجن أمنائها العامين، وتعيد البريق إلى أحزاب السلطة بعد أن اكتسحها غضب الحراك وجعل مطلب حلّها أحد مطالب الحراك.

عربي

منذ 3 شهور
هل يستغل الرئيس الجزائري أزمة كورونا لتمرير الدستور الجديد؟

وفي عزّ أزمة جائحة (كوفيد-19) والإغلاق والمنع الذي تشهده الجزائر للتجمعات؛ أُسدل الستار نهاية شهر مايو (أيّار) الماضي عن مؤتمري «الأفلان» و«الأرندي» وذلك بانتخاب قيادةٍ جديدةٍ للحزبين تساعد السلطة على مواجهة المرحلة القادمة. بينما يواصل النظام الجزائري منح تراخيص لعقد المؤتمرات للقوى السياسية الناتجة عن الحراك الشعبي. ومع إجبار الحراك على تجميد نشاطه بسبب الوضع الصحي؛ ارتفعت الاتهامات الموجهة إلى السلطة الجزائرية باستغلال أزمة الجائحة التي تعاني منها الجزائر والعالم أجمع في تحقيق مكاسب سياسية تصل حدّ تجديد أحزابها السياسية.

الأحزاب الحاكمة بعد الحراك.. من «روحو قاع» إلى «داعمين» لتبون

مع أوّل جمعةٍ للحراك الجزائري في 22 فبراير (شباط) 2019؛ ارتفعت أصوات الجماهير الغاضبة عاليًا رفضًا لأحزاب السلطة المتمثلة فيما يعرف بالتحالف الرئاسي الذي يضمُ كلًا من حزب «جبهة التحرير الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«تجمع أمل الجزائر» و«الحركة الشعبية الجزائرية»؛ ووصلت مطالب الحراك بعد نجاحه في إسقاط بوتفليقة إلى ضرورة حلّ تلك الأحزاب ومحاكمة رؤسائها.

لكن أحزاب السلطة توارت بشكلٍ لافتٍ في الأشهر الأولى التي أعقبت اندلاع حراك 22 فبراير، بالتوازي مع ارتفاع صوت هذا الأخير، واقتصرت خرجات تلك الأحزاب الباهتة في بيانات دعم الحراك في البداية، ثم تبرؤ من القيادات السابقة التي امتلأت بها السجون الجزائرية، انتهاءً بالتخندق وراء المؤسسة العسكرية التي أشرفت على قيادة المرحلة الانتقالية التي عاشتها الجزائر بعد سقوط بوتفليقة، وتقديم مرشحين لرئاسيات ديسمبر (كانون الأول) الماضي بالرغم من رفض الحراك لهذه الانتخابات.

تواصل الرفض الشعبي لأحزاب السلطة، بالرغم من انتخاب عبد المجيد تبون رئيسًا جديدًا للبلاد، وارتفعت المطالب بضرورة حلّ البرلمان الجزائري الذي تمثلّ غالبيته أحزاب السلطة؛ إلّا أنّ وصول جائحة كورونا إلى الجزائر نهاية شهر فبراير الماضي؛ قلب الخارطة السياسية في البلاد رأسًا على عقب، بدايةً من تجميد الحراك عن الخروج خوفًا من تفشي وباء كورونا، وتحكّم السلطة بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون في زمام الشارع الجزائري بقوة القانون بعد فرض حظر تجوال على كافة البلاد، ناهيك عن حملة الاعتقالات التي شنّتها القوات الأمنية، والتي استهدفت نشطاء في الحراك.

على الجانب الآخر تحركت أحزاب الموالاة بعد غيابٍ دام أشهر عن المشهد السياسي الجزائري لترتيب بيتها من جديد، وذلك عبر عقد مؤتمراتها الإستثنائية لإنتخاب قياداتٍ جديدة. البداية كانت مع «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي عقد مؤتمره الاستثنائي يومي 28 و29 مايو الماضي، بعد منح وزارة الداخلية ترخيص لعقد الجمعية العامة، وذلك لانتخاب خليفة لأمينه العام أحمد أويحي الذي يقبع في السجن بتهم فساد مالية.

وقام المؤتمرون في الحزب بتزكية وزير المجاهدين الطيّب زيتوني أمينًا عامًا للحزب، وفور تنصيبه صرّح الأمين العام الجديد لـ«الأرندي» أنه يحمل «نظرة سياسية جديدة تنتهج سياسة التوافق المسؤول لفائدة المصلحة العليا للبلاد»، داعيا مختلف الشركاء السياسيين إلى بناء «جبهة داخلية لتحصين الجزائر من كل التهديدات».

وبعد يومٍ واحدٍ من تجديد «الأرندي» لقيادته؛ قام الحزب الحاكم بعقد مؤتمره الاستثنائي للغاية نفسها، إذ تم مساء السبت تزكية أبي الفضل بعجي أمينًا عامًا جديدا لحزب «جبهة التحرير الوطني» بالأغلبية من طرف أعضاء اللجنة المركزية للحزب المجتمعة بالمركز الدولي للمؤتمرات بنادي الصنوبر بالعاصمة، وذلك خلفًا لمحمد جميعي الموجود في سجن «الحراش» منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، على خلفية قضايا فساد.

وجاء فوز أبي الفضل بعجي بعد الانسحاب المفاجئ لمنافسه الوحيد جمال بن حمودة، الذي تعرض لحادثة «كوميدية» بعد أن منعه الحرس من دخول القاعة بحجة إصابته بفيروس كورونا، بالرغم من حصوله على شهادة طبية تثبت عدم إصابته بالوباء.

ويعدّ الأمين العام الجديد لـ«الأفلان» من أكبر الداعمين لنظام بوتفليقة؛ إذ سبق وأن صرّح بأن عبد العزيز بوتفليقة هو ضمان الاستمرارية. كذلك يرتبط إسمه بحادثة «إغلاق البرلمان بالأقفال الحديدية» المعروفة إعلاميًا بالجزائر بـ«حادثة الكادنة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2018 والتي قادها كلٌ من بعجي ومعاذ بوشارب ضد رئيس البرلمان الأسبق السعيد بوحجة.

ولم تمر خطوة أحزاب الموالاة هذه دون إثارة الجدل لدى الجزائريين؛ إذ علق أستاذ علم الاجتماع وأحد وجوه الحراك، د. نور الدين بكيس بالقول «بإعادة إدماج الأفلان والأرندي أعتقد أننا دخلنا مرحلة التيه وابتعدنا عن الحد الأدنى من القطيعة التي قد تشكل قاعدة للتغيير وتحقيق التطلعات المرجوة، سنتجه تدريجيًا إلى خليط من الراديكالية والاستقالة في الموقف من النظام. وستنشط قاعدة النظام التي توارت عن الأنظار منذ بداية الحراك؛ لأنها اطمأنت على غياب البديل، وبالتالي ستطرح نفسها قاعدة حتمية لضمان ممارسة السلطة» .

أمّا رئيس حزب «حركة مجتمع السلم» المعارضة الدكتور عبد الرزاق مقري فعلّق بمنشورٍ له على حسابه بموقع «تويتر» قائلًا: «أمارات تجديد النظام نفسه بأسوأ ما فيه تتوالى. سيخسرون! ولكن للأسف قد تخسر الجزائر معهم. وواجبنا أن نجعل الجزائر لا تخسر، مهما فعلوا. ومهما كان الثمن الذي ندفعه، لله وللوطن ووفاء للشهداء والمجاهدين، ووفاء للمناضلين الصادقين عبر الزمن. وفي الأخير ما يصح بإذن الله إلا الصح».

في المقابل.. لماذا تمنع السلطات الجزائرية ظهور أحزاب تمثّل الحراك؟

رافق الحراك الشعبي الجزائري استقطابًا سياسيًا كبيرًا للشباب الجزائري؛ الذي عزف عن الحياة السياسية لأزيد من عقدين من الزمن؛ ورافق هذا الاستقطاب ظهور حركاتٍ شبابية من رحم الحراك، تعنى بمرافقة الحراك وتمثيل مطالبه.

وبرزت حركة «عزم» الشبابية بشكلٍ لافتٍ منذ بداية الحراك، يقودها نخبة من الشباب الجزائري وتعرّف نفسها على أنّها قوة مختلفة من ناحية الطرح والحركية، تحمل قدرات وأفكار تؤهلها لتكون البديل للأحزاب العريقة، وأن تكون رقمًا صعًبا في مستقبل العمل السياسي.

 كيف يستغل النظام الجزائري أزمة كورونا لدعم أحزابه السياسية؟
حركات وأحزاب سياسية لا تزال تنتظر الاعتماد

كذلك برزت أحزابٌ وحركاتٌ أخرى تحمل خلفية فكرية متقاربة ضمن ما يسمى بـ«المشروع النوفمبري الباديسي»؛ وهو تيار استحوذ على الحراك الشعبي في أسابيعه الأولى، مثل حزب السيادة الشعبية الذي يتزعمه المعارض السابق أحمد شوشان و«جبهة ائتلاف القوى النوفمبرية» وحركتي «بداية» و«أحرار». لكن كل تلك الأحزاب والحركات، وحتى وقت كتابة هذا التقرير؛ لا تزال تنتظر الاعتماد الرسمي والترخيص لعقد مؤتمراتها.

وحاول «ساسة بوست» الاتصال بممثلي كلٍ من حركة «عزم» وحزب «السيادة الشعبية» لسؤالهم عن ملف اعتماد أحزابهم، إلّا أنهم اعتذروا عن الإجابة عن تساؤلاتنا .

ولإبعاد تهمة رفض منح الترخيص والاعتماد للأحزاب الجديدة؛ سارعت الحكومة الجزائرية إلى منح الاعتماد إلى 10 أحزاب جديدة في الأسابيع الأولى للحراك؛ في محاولة للتعبير عن انفتاحها على القوى الجديدة التي ظلت تدير لها ظهرها طيلة حكم بوتفليقة، لكن تلك التشكيلات السياسية كانت قد قدمت طلبات الاعتماد قبل مدة طويلة من بدء الحراك الشعبي، ولا يمكن اعتبارها من نتاجه.

وترى الباحثة في الشؤون السياسية الدكتورة هاجر بن زيطة في حديثها مع «ساسة بوست» أنّ «النظام يعرقل الأحزاب الجديدة لأنه لا يريد تحقيق مطالب الحراك بانتقال ديمقراطي حقيقي متنافس عليه، فكل قرارات السلطة إلى حد الآن أحادية في تسيير المرحلة، فالانفتاح أكثر على مطالب الشعب سيضع هذه الأجهزة والأحزاب الفاسدة في مزبلة التاريخ».

هل ينجح عودة الحراك في إنهاء الاستغلال السياسي للسلطة لجائحة كورونا؟

في جمعته السادسة والخمسين، أجبرت جائحة (كوفيد-19) الحراك الجزائري على تعليق المظاهرات الأسبوعية التي استمرت بدون انقطاع لأكثر من عام، الأمر الذي فشلت فيه السلطة، بالرغم من مناوراتها المختلفة. ففي الجمعة الموافقة 13 مارس الماضي كان الحراك الشعبي أمام آخر جمعةٍ له، بعد أن قرر قادته تعليق الحراك والانخراط في حملات التوعية ضد فيروس كورونا.

الحراك الشعبي يستعد للعودة من جديد

وبالرغم من توقف الحراك بسبب جائحة كورونا؛ إلّا أنّ السلطة لم تتوقف من التضييق على نشطاء الحراك. فقد استدعي الأمن خلال فترة تعليق الحراك العشرات من الناشطين إلى مقراته قصد التحقيق معهم؛ كما أودع السجن عدة نشطاء وصحفيين بتهم تتعلق بالحراك.

وأمام هذا الاستغلال السياسي لجائحة كورونا؛ لم تمنع إجراءات الحظر المفروضة لمنع تفشي فيروس كورونا المستجد، سكان مدينة خراطة ببجاية وبعض ولايات الجزائر من الخروج في مظاهرات ضد النظام، واستغلاله للوضع، ومطالبين بعودة سريعة إلى الحراك وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.

ويتوقع المراقبون عودة الحراك الشعبي مباشرةً بعد رفع الحجر، في وقتٍ يتهم فيه ناشطون بالحراك تواصلت معهم «ساسة بوست» السلطة بتعمّد تمديد الحراك وقرار غلق المساجد لكي تمنع الجزائريين من مواصلة حراكهم.

المصادر

تحميل المزيد