بعد إلغاء الانتخابات الرئاسية في الجزائر، والتي كان من المزمع إجراؤها في الرابع من يوليو (تموز) بسبب انسحاب جميع المرشّحين، وفي ظلّ استمرار الحراك الشعبي لأسبوعه الخامس عشر، تجد السلطة نفسها أمام مأزق عميق، إذ إنّ قيادة الأركان التي تصدّرت للواجهة في المرحلة التي تلت استقالة الرئيس بوتفليقة في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي، كانت تؤكدّ على ضرورة إجراء الانتخابات والبقاء في الإطار الدستوري، إلاّ أن رفض الشارع لهذه الانتخابات قد يعني رسميًا الخروج على الإطار الدستوري والانتقال إلى الحلول السياسيّة، التي كانت المؤسسة العسكرية متحفّظة عليها في بياناتها.

ومع الرفض الشعبي الشديد الذي يُقابل به كلّ من الرئيس المؤقّت بن صالح والوزير الأوّل بدوي باعتبارهما وجهيْن من وجوه نظام بوتفليقة، فإن القناة الوحيدة التي تتواصل بها السلطة مع المتظاهرين هي رسائل قائد أركان الجيش أحمد قايد صالح. ومع اقتراب موعد الرابع من يوليو الذي أعلنت السلطة أنه موعد الانتخابات الرئاسية، وتأكد السلطة من استحالة إجرائها بحُكم غياب المرشّحين، شهد خطاب قايد صالح تغيّرًا تدريجيًا، بدأً بالتركيز على ضرورة إنشاء «الهيئة العليا للتنظيم والإشراف على الانتخابات» ثم تأكيده على مبدأ الحوار والتنازلات المشتركة في رسالته يوم الثلاثاء.

سقطت الانتخابات.. هل حان وقت الحوار؟

يبدو أن شهر العسل بين قيادة المؤسسة العسكرية والشارع الجزائري قد انتهى، وذلك بسبب تمسّك قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح في كلّ خطاباته بالحلّ الدستوري المتمثّل في انتخابات الرابع من يوليو رغم استمرار المسيرات الشعبيّة الرافضة لها في ظلّ بقاء أوجه النظام القديم في مناصبهم، وهو ما جعل الشعارات المرفوعة في الاحتجاجات تتوجّه ضد الحكم العسكري وصوب قائد الاركان نفسه، باعتبار أنّه يرفض الاستماع إلى مطالب المحتجّين ويتمسّك بإجراءات قانونيّة ودستورية مرفوضة في الشارع، إذ إن المتظاهرين يرون أن انتخابات تُشرف عليها الحكومة التي عيّنها بوتفليقة لا تخضع لشروط النزاهة والحياديّة اللازمة، وتبقى عُرضة للتزوير، خصوصًا مع غياب إصلاحات لقوانين الانتخابات ومراجعة القوائم الانتخابية وعدم تفعيل «اللجنة المستقلة لتنظيم الانتخابات» التي تطالب بها المعارضة.

شاهد: المتظاهرون في العاصمة يردّدون «دولة مدنية، ماشي عسكرية»

بالإضافة إلى وجود معتقلين سياسيين في السجون ومعارضين ممنوعين من دخول الجزائر، وبالتالي فإن الشروط -حسب المتظاهرين- غير متوفّرة لإجراء انتخابات في الظروف الحالية، كما أنّ هناك سياسيين معترضون على التوجه للانتخابات بهذه السرعة، إذ يرون أن ذلك سيعني إعادة إنتاج النظام نفسه الذي ما تزال شبكاته القاعديّة منظّمة ومتواجدة في كلّ المحافظات والبلديات والإدارات، وأنّ التأسيس لنظام جديد يتطلّب توافقًا واسعًا بين الفاعلين في الساحة السياسية وحوارًا موسّعًا قبل التوجّه إلى ساحة التنافس السياسي.

لكن بعض المحلّلين السياسيين يرون أن المؤسسة العسكرية لم تكن مُقتنعة تمامًا بانتخابات الرابع من يوليو، بل لجأت إلى التمسّك بالدستور والتأكيد على احترام مواده الاجرائيّة بعد تفعيل المادة 102 التي تنصّ على إجراء انتخابات رئاسيّة في حدود 90 يومًا، من أجل البقاء في الإطار الشرعيّ -ولو شكليًّا- .

فأعلنت إجراء هذه الانتخابات في آجالها المحدّدة دستوريًا؛ رغم الغضب الشعبيّ والمسيرات الرافضة لهذه الانتخابات بسبب تسيير وجوه النظام القديم لها، وتأكيد المتظاهرين على مطلب رحيل الباءات الثلاث (بن صالح، بدوي، بوشارب)، وذلك من أجل أن تنفي على نفسها تُهمة «الانقلاب العسكري» والخروج على الإطار الدستوري الذي قد يسبّب لها مشاكل على المستوى الخارجي.

لكن السلطة في قرارة نفسها كانت تعلم أنه لا مجال لإنجاح هذه الانتخابات وسط هذا الغضب الشعبي، وبالتالي أرادت إلغاءها أو تأجيلها عبر الطرق القانونيّة، وذلك ما تحقّق بالفعل بعد أن انسحب جميع المرشّحين من الانتخابات وإعلان الأحزاب والشخصيات السياسية مقاطعتها لهذا الاستحقاق الانتخابي.

أحمد طالب الإبراهيمي.. سر تأييد الشارع الجزائري له ليصبح الرجل الأول

اللجنة العليا للانتخابات.. مناورة جديدة أم طريق الحل؟

وبعد أن تأكّد رسميًا استحالة إقامة الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدّد لغياب المرشّحين، تغيّر خطاب السلطة الذي كان يركّز في السابق على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية في وقتها خوفًا من الفراغ الدستوري، إذ أصبح الخطاب الجديد يركّز على «الهيئة المستقلّة لتنظيم والإشراف على الانتخابات»، وهو ما جاء في خطاب الفريق أحمد قايد صالح في زيارته إلى ورقلة، عندما قال: «إجراء الانتخابات الرئاسية يضع حدًا لمن يحاول إطالة هذه الأزمة، والأكيد أن الخطوة الأساسية في هذا الشأن تتمثل في ضرورة الإسراع في تشكيل الهيئة المستقلة للتنظيم والإشراف على الانتخابات».

Embed from Getty Images

وقد انخرط الإعلام الرسميّ في مسعى التسويق لهذا التوجّه الجديد، إذ تحوّلت برامج القنوات التلفزيونية القريبة من السلطة إلى التركيز حول نقاشات تشكيل هذه اللجنة وطُرق اختيار أعضائها والشخصيات التي قد ترأسها وباقي التفاصيل التقنية لعملها.

وقد حملت رسالة الفريق قايد صالح يوم 28 مايو (أيار) توجّهًا جديدًا متمثّلاً في تأكيده على ضرورة الحوار، وهي سابقة في خطاب قائد الأركان، إذ كانت المؤسسة العسكرية ترفض مبدأ الحوار فيما سبق، وترى أنّها في معزل عن هذا المُقترح باعتبارها «لا تتدخّل في السياسة». ففي خطاب له، أكد قايد صالح أنّ الحوار ينبغي أن يكون مع مؤسسات الدولة، وأن المؤسسة العسكرية «لن تكون طرفًا في هذا الحوار المرغوب»، وبالتالي يجد الحراك نفسه بين نارين: سلطة شكليّة ممثّلة في رئيس مؤقّت وحكومة مرفوضون شعبيًّا يطالب الشارع برحيلهم الفوريّ ومقاطعة أي حوار معهم، وسلطة فعليّة ممثلة في مؤسّسة عسكريّة ترفض أن تكون طرفًا في الحوار.

لكن الرسالة الأخيرة حملت تغيّرًا في هذا الخطاب، إذ أكّد قايد صالح على ضرورة «الحوار الجاد والجدي والواقعي والبناء والمتبصر الذي يضع الجزائر فوق كل اعتبار» كما طالب الجميع بـ«التنازل المتبادل» من أجل الوطن، دون تحديد الأطراف المشاركة في الحوار أو نفي أن تكون المؤسسة العسكرية طرفًا فيه. في نفس الوقت، يتمسّك قائد الأركان بالرفض المطلق للمرحلة الانتقاليّة التي تدعو لها العديد من الأحزاب المعارضة، إذ جاء في الرسالة: «إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة في أسرع وقت ممكن، أقول في أسرع وقت ممكن بعيدًا عن الفترات الانتقالية التي لا تؤتمن عواقبها، فالجزائر لا يمكنها أن تتحمل المزيد من التأخير والمزيد من التسويف».

Embed from Getty Images

ومع الأخذ بعين الاعتبار استحالة إجراء الانتخابات في موعدها، ودعوة قايد صالح إلى الحوار، فإنّ المرجّح أن تدخل البلاد في طريق «الحلّ السياسي» بدل الدستوري الذي تمسّكت به السلطة في الأسابيع الماضية مع رفض الشارع له، وهو ما قد يعني بدء حوار أو ندوة مع الشخصيات والأحزاب السياسية والممثلين عن المجتمع المدني، ولا يُعرف حتى الآن طبيعة مشاركة السُلطة في هذا الحوار من عدمها، أو آليّات الحوار وطرق اختيار المشاركين فيه، وباقي التفاصيل التي يكتنفها الغموض حتى الساعة.

وعن ردود الأفعال السياسية حول دعوة قائد الأركان للحوار، أكّدت «حركة مجتمع السلم» (إسلاميون) أنّ «ساعة الحوار قد حانت» بعد سقوط مشروع انتخابات الرابع من يوليو، وأن الحركة متمسّكة برحيل الرئيس بن صالح وحكومة بدوي، وأنها «مستعدة لأي حل آخر في إطار الحوار يضمن رحيل الباءات والانتقال الديمقراطي السلس». بينما انتقد «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (علمانيون)» رسالة قايد صالح، وجاء على لسان رئيسه محسن بلعباس أنه «لا يحق له أن يحدد شروط الحوار» في إشارة إلى تأكيد قايد صالح على رفض المرحلة الانتقالية، وقال إن قائد الأركان يدعو إلى ما سمّاه «حوار المغفّلين».

20 سنة بعد «العشرية السوداء».. هل تغيّر الجيش الجزائري منذ التسعينيات إلى اليوم؟

المصادر

تحميل المزيد