عاشت السلطة في الجزائر طيلة النصف الأوّل من شهر سبتمبر (أيلول) الجاري على وقع الطوارئ، طوارئ رسمتها جهود الرئاسة والبرلمان للوصول إلى الموعد الذي حدده الفريق أحمد قايد صالح لاستدعاء الهيئة الناخبة للاستحقاقات الرئاسية، ففي الثاني من الشهر الجاري أعلن الفريق أحمد قايد صالح رؤيته لحلّ الأزمة السياسية في الجزائر بالقول «نرى أنه من الأجدر استدعاء الهيئة الناخبة يوم 15 سبتمبر».

وخلال 10 أيامٍ فقط من خطاب الفريق صالح ذلك، اختتم الحوار الوطني، رغم معارضة جزءٍ كبيرٍ من الحراك له ومقاطعته له، كما أُعد قانون الانتخابات وشُكلت السلطة الوطنية الانتخابات وصدق البرلمان عليهما بالإجماع، ليختمها الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح في خطابٍ متلفزٍ مساء 15 سبتمبر، بدعوته الجزائريين للانتخاب يوم 12 ديسمبر (كانون الأوّل) القادم.

لم تكن الطريقة المتعجلة لإجراء الانتخابات السبيل الوحيد لرفض قطاعٍ من الحراك لهذه الانتخابات؛ فعودة أسماءِ مقربة من نظام الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة إلى الأضواء عبر بوابة الحوار تارة، وبوابة السلطة الوطنية للانتخابات تارة أخرى، هي ما دفعت قطاعًا واسعًا من الحراك الشعبي للتشيكك في نزاهة الانتخابات القادمة، وعدها فرصةً للسلطة لإعادة تدوير النظام السابق.

حركة «راج».. «الشماعة» التي تعلق عليها السلطة الجزائرية مشاكل الحراك

«الثورة المضادة».. الموالاة يركبون الحراك بعد غرق سفينة بوتفليقة

في الثاني من فبراير (شباط) الماضي اجتمعت الموالاة المتمثلة في منسق هيئة تسيير «حزب جبهة التحرير الوطني» حينها، معاذ بوشارب، ورئيس الوزراء والأمين العام لـ«حزب التجمع الوطني الديمقراطي» وقتها، أحمد أويحيى، ورئيس «حزب تجمع أمل الجزائر» عمار غول، ورئيس «الحركة الشعبية الجزائرية» عمارة بن يونس، كانت نتيجة هذا الاجتماع هو ترشيح بوتفليقة لعهدة رئاسيةٍ خامسة «تقديرًا لسداد حكمة خياراته وتثمينًا للإنجازات المهمة التي حققتها الجزائر تحت قيادته الرشيدة، واستكمالًا لبرنامج الإصلاحات التي بدأها».

بعد 20 يومًا من ذلك الإجتماع، ومع إعلان بوتفليقة رسميًّا ترشّحه للخامسة؛ خرجت مظاهرات مليونية بدءًا من جمعة 22 فبراير؛ رافضة هذا الترشيح، والتي تطورت فيما بعد إلى مطالب لإنهاء تامٍ لنظام بوتفليقة، ورفضٍ لكلّ الأسماء التي ساهمت في مهزلة ترشيح رئيسٍ مريضٍ للرئاسة.

التحالف الرئاسي بقيادة الأفلان يعلن ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة

التحالف الرئاسي بقيادة الأفلان يعلن ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة

فاجأ موقف المؤسسة العسكرية الجميع في الجزائر، وذلك بعد خمسة أسابيع فقط من بداية الحراك الشعبي؛ من خلال إعلانه التحيّز إلى صف المتظاهرين، عبر الخطاب الشهير الذي أدلى به الفريق أحمد قايد صالح، قائد الأركان من الناحية العسكرية الرابعة بورقلة، والذي طالبت فيه المؤسسة العسكرية بوتفليقة بالاستقالة، لتبدأ الموالاة التي كانت تنادي وتدافع عن العهدة الخامسة بالقفز من سفينة بوتفليقة الغارقة.

أوّل الفارين من سفينة بوتفليقة، كان الوزير الأوّل والأمين العام «للتجمع الوطني الديمقراطي» – القابع حاليًا في السجن- الذي أشاد من خلال بيانٍ بخطوة الجيش، مطالبًا هو الآخر بوتفليقة بالاستقالة، كما لم يستح من التغزل بالحراك الشعبي ومباركته، رغم رفع الحراك اسمه عاليًا حينها للمطالبة بمحاسبته.

ولم يجد معاذ بوشارب – أحد الباءات التي طالب الحراك برأسها- حرجًا في التملص من قراراته السابقة المدافعة عن خيار العهدة الخامسة، حين أشاد هو الآخر بالموقف الحكيم للمؤسسة العسكرية، مطالبًا بوتفليقة بالاستقالة، وذلك بعد انشقاق العشرات من القياديين في «حزب جبهة التحرير الوطني» وإعلان تأييدهم مقترح قيادة أركان الجيش بإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية، حلًّا للأزمة التي تعيشها البلاد.

الحراك الجزائري مستمر منذ أزيد من 30 أسبوعًا

الحراك الجزائري مستمر منذ أزيد من 30 أسبوعًا

ومع إعلان بوتفليقة استقالته؛ واصلت الموالاة التودد إلى المؤسسة العسكرية ومحاولة كسب ثقتها عبر البيانات المتتالية لأحزاب التحالف الرئاسي، المثمنة للدور الذي تقوم به قيادة الأركان، كما طالبت أحزاب «التجمع الوطني الديمقراطي» و«جبهة التحرير الوطني» و«تاج»، مناضليها بالنزول إلى الشارع ومشاركة الجزائريين الحراك، وهو الأمر الذي رفضه الحراك الذي طرد مناضلي الموالاة متهمًا إياهم بالتسبب في الأزمة السياسية للجزائر، ورافعًا شعار «يتنحاو قاع» أي (يرحل جميع النظام).

«فلول النظام».. من «يتنحاو قاع» إلى المشاركة في تنظيم الانتخابات

تحوّلت المقولة العفوية «يتنحاو قاع» التي قالها الشاب سفيان لإحدى القنوات العربية، لحظة استجوابه بُعَيدَ إعلان بوتفليقة عن عدوله عن الترشّح للعهدة الخامسة، إلى رمزٍ للحراك الشعبي واختصار لمطالبه، كما أنّها عبّرت عن رفض الجزائريين الخطط التي أراد نظام بوتفليقة تفعيلها للحفاظ على هيكله من خلال حصر مطالب الحراك الشعبي في رفض العهدة الخامسة.

وهذا ما أكّده الشاب سفيان في حديثٍ سابقٍ مع «ساسة بوست»، حين أكدّ أن مقولته تلك جاءت لتعبّر عن مطالب كل الجزائريين الذين خرجوا للشارع، مؤكدًا أنّ ما قصده بمقولة «يتنحاو قاع» هي السلطة كاملة.

تحوّل الرفض الشعبي لأركان نظام بوتفليقة سريعًا إلى مطالباتٍ بالمحاسبة والعقاب على الفساد الذي ساد فترات حكم بوتفليقة، ويقف وراءه حسب المتظاهرين رجال نظام بوتفليقة؛ لتتبنى قيادة الأركان – الغاضبة من مخطط لشقيق بوتفليقة والجنرال توفيق للانقلاب عليها- عملية محاربة الفساد، بدءًا باعتقال السعيد بوتفليقة، والجنرال توفيق، وقائد المخابرات بشير طرطاق، رموز من أسمتهم بـ«العصابة» في الخامس من أبريل (نيسان) الماضي.

علاوة على اعتقال العدالة لرؤساء أحزاب الموالاة المتمثلين في كلٍ من أحمد أويحيى، أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي»، وعمار غول رئيس حزب «تاج»، وعمارة بن يونس رئيس حزب «الحركة الشعبية الجزائرية»، ناهيك عن عشرات رجال الأعمال والسياسيين القريبين من محيط بوتفليقة ونظامه.

تفائل جزءٌ من الحراك خيرًا بالاعتقالات التي مسّت رموز النظام السابق، بينما واصل الجزء المتبقي حراكه للمطالبة بإسقاط كلٍ من بن صالح وبدوي، وحتى القايد صالح، بوصفهم أيضًا من الأسماء التي رسمت مع بوتفليقة مسار العهدات السابقة، التي شهدت فسادًا على أعلى مستوى، وهي المطالبات التي وقفت في وجهها قيادة الأركان، معتبرةً أن رحيل أي من تلك الأسماء هو خروج عن المسار الدستوري التي تفضل المؤسسة العسكرية السير وراءه للخروج من الأزمة.

ومع إعلان المؤسسة العسكرية عن وجوب جلوس ممثلي الحراك الشعبي في حوارٍ جامعٍ مع السلطة لوضع حلٍ للأزمة السياسية عن طريق تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات، بدأت أصوات أحزاب الموالاة في الارتفاع للمطالبة بعدم إقصائها من الحوار ومن المستقبل السياسي للبلاد، فأجرت تلك الأحزاب تغييراتٍ جذرية في قيادتها، غير أنّ الولاء لبوتفليقة كان سمة الرؤوس الجديدة التي ترأست أحزاب الموالاة.

المتتبع للشأن السياسي الجزائري يلاحظ أنّ أحزاب الموالاة التي ينادي الحراك برحيلها، أجرت سريعًا تغييراتٍ على مستوى قيادتها في محاولةٍ للتجاوب مع مطالب الحراك، فلم يجد حزب «جبهة التحرير الوطني» غير النائب محمد جميعي، رغم شبهة الفساد التي تحوم حول شخصه، وهي الشبهة التي تحولت إلى اتهام رسمي بعد طلب وزير العدل بلقاسم زغماتي سحب الحصانة البرلمانية منه، بينما وضع حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» الوزير الأسبق عز الدين ميهوبي أمينًا عامًا له، في وقتٍ تقود فيه الوزيرة الحالية للبيئة حزب «تاج».

ومع الإعلان عن وجوب الشروع في حوار وطني، عيّن رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح الرئيس، الأسبق للبرلمان في العهدة الأولى لبوتفليقة، كريم يونس، لإدارته تحت مسمى رئيس لجنة الوساطة والحوار، والتي كان جلّ أعضائها من دائرة النظام السابق، فبدأت آمال فلول نظام بوتفليقة في الانتعاش، رغم عدم مشاركة هذه الأحزاب في الحوار، وذلك لحصر المؤسسة العسكرية دور الحوار في مناقشة الكيفية التي ستجرى بها الانتخابات، دون الدخول في تفاصيل التغيير الجذري الذي يطالب به الحراك، وهو الأمر الذي أراح أحزاب الموالاة التي صارت أكثر الجهات الداعية لضرورة إجراء الانتخابات.

الحراك الشعبي يواصل رفضه لفلول بوتفليقة

الحراك الشعبي يواصل رفضه لفلول بوتفليقة

واستمر صعود فلول نظام بوتفليقة إلى الواجهة، حينما اختار كريم يونس أعضاء «السلطة الوطنية للانتخابات» – وهي الهيئة التي تشرف على تنظيم الرئاسيات- وذلك من خلال وجود أسماء محسوبة على فلول النظام السابق، بدايةً برئيس السلطة محمد شرفي الذي كان يشغل منصب وزير العدل في فترتين من عهدات بوتفليقة الأربعة، كما شغل منصب مستشار بوتفليقة حتى استقالته في الثاني من أبريل الماضي، والذي تلقى أولى التهاني على تعيينه على رأس السطة الوطنية للانتخابات من طرف الأمين العام «للتجمع الوطني الديمقراطي» عز الدين ميهوبي، الذي عبّر عن ارتياح حزبه لهذا التعيين.

وفي تعليقٍ لها عن عودة فلول بوتفليقة لإدارة الانتخابات، أكدت الإعلامية نادية مدراسي لـ«ساسة بوست» أنّ: «قائمة أعضاء السلطة الوطنية للانتخابات معدة سلفًا، وأنّ الحوار الذي أجري لم يكن سوى مسرحية من السلطة لإضفاء الشرعية على القائمة التي تهدف إلى إعادة و«رسكلة» النظام السابق»، مشددةً في الوقت ذاته على أن الحراك سيرفض هذه الانتخابات التي يشرف عليها مدير حملة بوتفليقة السابق، في إشارةٍ منها إلى رئيس السلطة الوطنية للانتخابات محمد شرفي.

تجدر الإشارة إلى أنّ معظم الأحزاب الموالية للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة أعلنت ترحيبها بالانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في 12 من ديسمبر القادم، كما دعت الجزائريين للمشاركة بقوة في تلك الرئاسيات.

وإلى وقت إعداد هذا التقرير، لم يعلن أيّ مرشحٍ من فلول النظام السابق عن ترشّحه للرئاسيات القادمة، في وقتٍ لم تستبعد فيه مصادر مطلعة من داخل «التجمع الوطني الديمقراطي» لـ«ساسة بوست» ترشّح الأمين العام للحزب، والوزير الأسبق للثقافة عز الدين ميهوبي للرئاسيات.

لماذا تريد السلطة الجزائرية التعجيل بالانتخابات الرئاسية رغم رفض الحراك؟

المصادر

تحميل المزيد