في مشهد يحمل أكثر من علامة استفهام أدلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، صباح أمس الخميس (17 أبريل/نيسان)، بأحد مكاتب الاقتراع بضواحي العاصمة الجزائرية الجزائر، بصوته في الانتخابات الرئاسية وهو جالس على كرسيه المتحرك، بسبب مرض ألزمه إياه منذ أزيد من سنة، وبالكاد بدا الرئيس الذي هو مرشح لأن ينال ولاية رابعة في الحكم يحرك يده ليحيي الصحفيين ومسئولي مكتب الاقتراع ذاك.

انتخابات بطعم المرض!

الانتخابات الرئاسية التي تجري اليوم وبعكس سابقاتها تميزت لأول مرة بتجاذب سياسي كبير، ربما هو الأول من نوعه في الجزائر، منذ استقلال البلاد في سنة 1962 عن الاستعمار الفرنسي، وهو التجاذب الذي تميزت أبرز معالمه في استقطاب غير مسبوق عاشه الشعب الجزائري – ولا زال – في انتظار معرفة النتائج؛ حيث انقسم الشارع إلى مؤيد لاستمرار الرئيس الحالي بوتفليقة الذي يبلغ من العمر 77 عامًا، قضى منها 15 سنة في الحكم (منذ 1999)، وبين معارض لاستمرار هذا الرئيس، الذي يتهمه “خصومه” بأنه بات عاجزًا حتى على تسيير نفسه بسبب جلطة الدماغ التي ألمت به منذ أكثر من سنة والتي أقعدته فراش المرض، ومنعته من القيام بحملته الانتخابية، التي قام بها أشخاص غيره، في سابقة ربما هي الأولى من نوعها ليس في الجزائر فقط ولكن في التاريخ السياسي العالمي.

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة

وإذا كان “رجل النظام” السابق ورئيس إحدى حكوماته السابقة، علي بنفليس، الذي نافسه عن الرئاسة في سنة 2004 ولم يفز، يعتبر في انتخابات 17 أبريل 2014 أبرز منافسي بوتفليقة من بين خمسة آخرين منهم امرأة، فإن الكثير من القراءات تذهب إلى أن إحداث “المفاجأة” من طرف بنفليس مستبعد في هذه الانتخابات، وأن تشبث وإصرار السلطة بترشيح بوتفليقة على الرغم من مرضه وعدم قدرته حتى على الخروج إلى الناخبين لشرح برنامجه، يعتبر مؤشرًا يصب في صالح “مرشح السلطة” هذا للظفر بالرئاسة من جديد لولاية رابعة له، لأنه من غير الممكن أن يرشح النظام شخصًا مريضًا إذا لم يكن متأكدًا بأنه سيكون “المتوج” في هذه الاستحقاقات، على رأي أحد القياديين السياسيين المقاطعين للانتخابات الحالية.

حرج..

الانتخابات الرئاسية الجزائرية الحالية جعلت “السلطة” في حرج وطني ودولي لإصرارها على “الاستمرارية” بطريقتها، حسب الكثير من المتتبعين؛ حيث قاطعتها العديد من التنظيمات السياسية والحقوقية ودعت المواطنين إلى عدم المشاركة في ما سمتها “التمثيلية” المعروفة سلفًا نتائجها، وكذلك كان الأمر بالنسبة للقوى الدولية الخارجية التي بِصَمتها تكون “غير راضية” على ما يجري هذه الأيام في الجزائر وبداخل قصر “المرادية” تحديدًا؛ حيث يتم “التخطيط” للرئيس الجزائري المقبل، وإن كانت هذه القوى لا تعبر صراحة عن موقفها، بسبب “مصالحها” الإستراتيجية التي تربطها بالنظام الجزائري، والتي يعتبر الغاز أحد أبرز تلك المصالح.

صورة أرشيفية لانتخابات جزائرية

لكن بالرغم من ذلك فإن بعض هذه “القوى” الغربية بالأساس صدر عنه بعض ما يشير إلى أنه – على الأقل – لا يحبذ هذه الطريقة التي يريد بها النظام الجزائري المتحكم فيه من طرف المؤسسة العسكرية، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، أن يستمر في إدارة الحكم؛ ولعل من بين “المتحفظين” الغربيين على ما يجري في الجزائر، الاتحاد الأوروبي الذي رفض بعث مراقبين عنه لمتابعة الانتخابات ومراقبتها بمبرر أن الدعوة جاءت متأخرة من السلطات الجزائرية.

وكذلك كان موقف واشنطن، وإن جاء على استحياء، عندما اضطرت وزارة الخارجية الأمريكية إلى إصدار “بيان توضيحي” بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية، جون كيري، للجزائر؛ حيث خرج الإعلام الرسمي بقصاصات أخبار تلمح إلى دعم واشنطن لـ”مسار الانتخابات الحالي”، فيما يشبه تأييد استمرار النظام والرئيس، وهو ما نفته واشنطن واعتبرت أن كلام وزير خارجيتها كان يتحدث عن ما فحواه تعبير عن “أمل” في أن تكون الانتخابات في مستوى تطلعات الشعب الجزائري.

وأزمة..

إذا كان الكثيرون يتحدثون عن “أزمة” يعيشها النظام الحالي الذي يُدار من قبل جنرالات في الجيش ينتمي بعضهم لحقبة فجر الاستقلال وربما للسنوات الأخيرة من الاستعمار الفرنسي للبلاد، وهي الأزمة التي طفت على السطح من خلال تبادل الاتهامات بين “أجنحة” الحكم، قبل أيام قليلة من إعلان ترشيح بوتفليقة، فإنه مما ساعد هذا النظام على “الإصرار” على أن يواصل إمساكه بالسلطة هو “ضعف” النخبة السياسية، التي إما “استقال” بعضها من العمل السياسي أو فضل ترك المكان فارغًا وربما هاجر إلى الخارج كما فعل أعضاء حركة “رشاد” المعارضة الذين فضلوا “النضال” من خارج البلاد، أو أنهم قبلوا بلعب دور “الكومبارس” كما هو الشأن بالنسبة لمعظم الأحزاب السياسية الذين قبلوا “اقتسام” ريع وخيرات البلاد، كما يقول معارضون، وهو ما تجلى في حصولهم على مكاسب ومناصب كما هي مناصب نواب في مجلس الشعب (برلمان) ما جعل هذه الأحزاب لا تتوفر على قواعد شعبية.

إنها الأحزاب نفسها التي لا تتردد اليوم، إلى جانب السلطة، في إلصاق تهمة “التآمر” مع أطراف خارجية على البلاد، بمعارضي الانتخابات الحالية يساندهم في ذلك أجنحة الإعلام الرسمي وشبه الرسمي الذي لا يخفي “ولاءه” للأجهزة.

متظاهرون ضد ترشيح بوتفليقة

ولعل تلك “الأزمة” هي التي جعلت النظام الجزائري يدير الدولة بمنطق “إدارة الأزمات بدلاً من مواجهتها والعمل على حلها منذ عشرين عامًا”، كما قال أحد الكُتاب الجزائريين وهو زرواق نصير في مقالة له، والذي برأيه أن ذلك يعتبر “مؤشرًا على أن جولة النظام قد وصلت إلى نهايتها، وأنه يعيش خريف الحكم في ظل تحديات متطلبات إدارة الدولة، وعدم قدرة آلياته على التفاعل مع الحراك الشعبي، وعجز أعضائه عن الاستجابة للتجديد والتغيير، مع الضغط المتصاعد إلى غير انخفاض”.

واحتقان!

في ظل أجواء من “الاحتقان” الاجتماعي الذي يبدو جليًّا من خلال ارتفاع مستويات البطالة في صفوف الشباب واتساع رقعة التهميش والإقصاء في أوساط عريضة من الشعب وانخفاض قيمة الدينار الجزائر واعتماد الاقتصاد الوطني بالأساس على عائدات الغاز، دون أن تستفيد من تلك العائدات الفئات الشعبية، كما يشير إلى ذلك نشطاء حقوقيون ومعارضون، وأمام إحساس المواطن الجزائري بـ”الحُكرة”، كما يقول الجزائريون، (أي الإقصاء والظلم والتهميش)، تصبح الانتخابات الحالية بمثابة “العلامة الفارقة” في تاريخ الجزائر الحديث؛ حيث يتطلع مواطنو بلد المليون شهيد إلى حياة أفضل تسودها ديمقراطية حقيقية وحياة كريمة، وربما هذا ما جعل الشعب الجزائري يكسر جدار الصمت وبدأ يقول “باركات” (أي كفى) لهذا النظام، وباتت حركة بنفس الاسم تقض مضجع النظام!

نشطاء في حركة بركات

وبعد أن اتهمها إعلامه الرسمي بشتى النعوت من التآمر على البلاد إلى بث الفوضى والإخلال بالأمن وتهديد الاستقرار، فإن حركة “باركات” عازمة على الاستمرار في التظاهر حتى تحقيق “التغيير”، فهل ستمضي بعيدًا هذه الحركة وتدشن لـ”ربيع جزائري” كما يريد الجزائريون؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد