يبدو أن النظام الجزائري ماضٍ في طرق كل الأبواب لأجل كسب مزيد من الشرعية المفقودة لديه بعد إصراره على إعادة “تتويج” الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة بالرغم من مرضه، ورغم كونه يشارف على إنهاء عقده الثامن من عمره. فكان لابد للنظام أن يمد يده من جديد لقادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة بعدما انفضت من حوله بعض المكونات الإسلامية واصطفت في أكبر تجمع للمعارضة يقاطع مشاورات الحكومة حول الدستور.

حسن نوايا؟

النظام الجزائري بعد أن تمكن من إبقاء الرئيس في السلطة لولاية رابعة رغم مرضه، يريد اليوم تمرير دستور ولذلك فإنه يسعى لإشراك مكونات حتى وإن كانت محظورة في المشاورات بشأنه

النظام الجزائري المتحكم فيه من قِبل المؤسسة العسكرية، ومباشرة بعد إسدال الستار عن انتخابات 17 أبريل الماضي الرئاسية التي اعتُبرت محسومة سلفًا لفائدة مرشح السلطة (بوتفليقة)، سارع إلى إعلان ما يشبه “حسن نوايا” لأجل العمل على “الإصلاح”، مؤكدا أن الخطوة الموالية بعد الحسم في الرئاسيات ستكون هي تعديل الدستور.

لهذا الغرض فتح باب الحوار مع غالبية ألوان الطيف السياسي الجزائري، وامتد الحوار ليشمل حتى أبرز وجوه المعارضة، والذين أُبعِدوا عن الساحة السياسية منذ سنة 1992 بعد أن فازوا في انتخابات جماعية وبرلمانية بنتائج ساحقة، إلا أن الجيش كان له رأي آخر و”انقلب” على كل ما جاءت به صناديق الاقتراع و”اغتصب” السلطة منذ ذاك التاريخ لتدخل البلاد “عقدًا أحمر” أو “عشرية سوادء” من الحرب الداخلية على “الإرهاب” كانت أقرب إلى الحرب الأهلية.

الجبهة الإسلامية للإنقاذ في وقفة احتجاجية سابقة (أرشيفية)

الأمر يتعلق بـ”الجبهة الإسلامية للإنقاذ”، المحظورة في الجزائر، والتي يبدو أن ساسة قصر المرادية بالجزائر أرادوا إرجاعها إلى “اللعبة” السياسية، لاسيما بعد اتساع دائرة المعارضة السياسية الموجودة على الساحة وسعيها للعمل على تقوية الأداء من خلال اجتماعات موحدة غير مسبوقة بينها.

الرئاسة مع قادة الإنقاذ

قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة شاركوا مؤخرًا في المؤتمر الموسع للمعارضة، الذي دعا إليه “تكتل تنسيقية الانتقال الديمقراطي”، الذي يضم حركة “مجتمع السلم” المحسوب على إخوان الجزائر، و”حركة النهضة” و”جبهة العدالة والتنمية” الإسلاميين، و”حزب جيل جديد” المحافظ، و”التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” المحسوب على التيار العلماني. وهي المشاركة التي اعتبرها البعض أنها لم تكن لتحصل لو لم تكن هناك “إشارة” من السلطة.

الهاشمي سحنوني الذي شارك في المشاورات مع الرئاسة الجزائرية

هذه الإشارة هي ما خرجت إلى العلن حيث تم إشراك قادة “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” المحظورة في المشاورات التي تجريها السلطة مع مكونات المشهد السياسي والمدني وغيره، في أفق الوصول إلى دستور يحظى بإجماع مكونات المجتمع الجزائري.

مشاركة جبهة الإنقاذ الإسلامية في مشاورات الدستور تجلت بالخصوص يوم الخميس الماضي، في لقاء القيادي في “الجبهة”، الشيخ الهاشمي سحنوني، برئيس ديوان الرئاسة، وزير الدولة أحمد أويحيى، لقرابة الساعة، ليخرج سحنوني بعد هذا اللقاء بتصريحات دعا فيها إلى “تعاون الجميع من أجل خير الجزائر وتصحيح أخطاء الماضي والانطلاق صوب مستقبل أفضل”.

قيادات من الجبهة الإسلامية للإنقاذ

ويعدّ هذا اللقاء الأول على المستوى الرسمي بين مسؤول جزائري رفيع المستوى، وقيادي في “الجبهة الإسلامية للإنقاذ”، التي حظر نشاطها السياسي بقرار من محكمة عسكرية منذ مارس/ آذار عام 1992، مع انطلاق الحرب الأهلية التي دامت عقدًا كاملًا (تسعينيات القرن الماضي).

سحنوني أشار أيضًا إلى “تجنيب البلاد الفتن التي تعيشها دول الجوار ودول عربية وإسلامية كالعراق وسورية وليبيا”، مؤكدًا أن الجزائر “تملك كل الوسائل والإمكانيات لكي لتكون مزدهرة وقوية”.

عباسي مدني أحد مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ البارزين بعدما قضى سنين في السجن يعيش اليوم في قطر في منفاه

البعض من القيادات الإسلامية في الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم يرحبوا بفكرة مشاركة جبهتهم في المشاورات مع هذه السلطة التي “اغتصبت” منهم بالأمس القريب حقهم في الحكم، غير أن سحنوني ردّ على هذه الانتقادات بأنه من خلال مشاركته في المشاورات مع الرئاسة حول الدستور إنما أدى “واجبًا شرعيًّا هو النصيحة”، مضيفًا قوله: “لقد التقيت بإخواني وتحادثنا حول مسائل تهم الدستور والبلاد ولمست منهم الإنصات اللازم”.

مناورة

علي بلحاج أحد مؤسسي الجبهة قضى 12 سنة في السجن ولا يزال في الجزائر يعتبر من أشرس معارضي السلطة

وإذا كان البعض يرى أن لقاء الرئاسة مع قيادي في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، في هذه الظروف بالذات، بحيث تعيش السلطة أزمة مشروعية بعد انتخابات انتقدها أكثر من طرف عدا عن أنها حملت معها مكامن خللها منذ أن رشحت السلطة الرئيس العليل والطاعن في السن بوتفليقة، إنما هو لقاء يمليه روح “المصالحة التاريخية” التي تتحدث عنها السلطة، حتى وإن جاء اللقاء متأخرًا بعض الشيء، إلا أن هناك من ينظر إلى المسألة على أنها “مناورة” من السلطة لتقوية موقفها بواحد من أهم مكونات الإسلام السياسي في الجزائر، في ظل اصطفاف مكونات إسلامية أخرى إلى جانب مكونات المعارضة، وهي حركة “مجتمع السلم” و”حركة النهضة” و”جبهة العدالة والتنمية”، اصطفاف هؤلاء كمعارضين ومقاطعين لأية مشاورات مع السلطة بشأن إحداث دستور جديد، ومن ثم كان من اللازم والضروري على السلطة أن تمد يدها لقادة جبهة الإنقاذ التي يعرف الجزائريون جيدًا مدى ترسخها في مجتمعهم.

وعلى الرغم من أن تصريحات صادرة عن مسؤولين حكوميين، منهم رئيس الوزراء عبد المالك سلال، أكدت أن لا عودة للجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى العمل السياسي، إلا أن البعض لم يستبعد ذلك وإن كان تحت مسمى آخر، لأن السلطة اليوم هي أحوج إلى تيار إسلامي لإكساء طابع “الشمولية” على المشاورات التي أطلقتها بشأن الدستور، لاسيما بعد مقاطعة التيارات الإسلامية الأخرى القانونية لتلك المشاورات، بل وإطلاقها مبادرة ضمت أكبر عدد من المعارضين للسلطة تحت اسم “تكتل تنسيقية الانتقال الديمقراطي”، وهدفهم هو الضغط على السلطة، ودفعها إلى القبول بمرحلة انتقالية تنتهي بصياغة دستور توافقي والتداول السلمي للسلطة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد