يتميز الواقع الثقافي الجزائري بتعدد روافده، واختلاف توجهات كتّابه، بين من يفضل العربية ومن يفضل الفرنسية، وبين من يفضل المنفى ومن يؤثر البقاء على أرض الوطن، غير أن كلا منهم ومهما اختلفت رؤيته كان يدعم بطريقته ومن مكانه قضية تحرير بلاده، آسيا جبار التي رحلت مؤخرا وسط صمت عربي، والتي سمّاها البعض “جميلة بوحريد الثقافة الجزائرية”، تعيد إلى الأذهان سير أبناء جيلها الذين دعموا مثلها قضية الثورة الجزائرية، وكتبوا عن أعظم ثورات النصف الثاني من القرن العشرين، وإن باعدت بينهم المسافات عن وطنهم، وإن اختلفت اللغة.

آسيا جبار .. حضور عالمي وغياب عربي

 

تعتبر الكاتبة الجزائرية الفرانكفونية آسيا جبار “أيقونة” الثورة الجزائرية في مواجهة الاستعمار الفرنسي والنضال من أجل التحرير والاستقلال، وقد قدمت أكثر من عشرين رواية ومسرحية وديوان شعر ترجمت إلى عشرين لغة.

ولدت آسيا جبار-وهذا هو الاسم الفني لها أما اسمها الأصلي فهو “فاطمة الزهراء إيمالايان” -في بلدة شرشال على ساحل البحر الأبيض المتوسط غربي الجزائر العاصمة، المنطقة التي احتضنت الموريسكيين الهاربين من محاكم التفتيش الإسبانية بعد سقوط الأندلس نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وقد اختارت هذا الاسم لتنشر به أول رواياتها حيث نشأت في بيئة تحتم على الرجال والنساء اعتماد أكثر من اسم مثلما فعل قادة الثورة التحريرية من أبناء جيلها.

ولعلها كغيرها من أبناء هذا الجيل آثرت المنفى فرارا مما فُرض على المثقف الجزائري من قيود، ومن هناك واصلت الكتابة بالفرنسية عن الوطن. وكانت أبرز رواياتها “الحب، الفانتازيا” (1985) و “الظل السلطان” (1987)، أما آخرها فكان “في لا مكان في منزل والدي” (2007) وهو أشبه بسيرة ذاتية لحياتها.

وعلى عكس ما حدث مع أبناء جيلها الفرنكفونيين ورغم ما حققته آسيا جبار من انتصارات للثقافة العربية فقد خلت المكتبة العربية إلا من القليل من كتاباتها، ولم يتسن للقارئ العربي التعرف على إنتاجها الذي قدرّه العالم الأوروبي، حتى أنها ظلت لسنوات مرشحة لنيل جائزة نوبل، ولم تحظ بها لأسباب تبين فيما بعد أنها سياسية، كما ورد في مذكرات جونر جان المدير السابق للجائزة.

وتعددت المناسبات التي استدعت تعريف القارئ العربي بكتاباتها، ففضلا عن ترشيحها لنوبل، فقد حصلت على جائزة السلام في ألمانيا وكانت العربية الأولى التي تحصد هذه الجائزة، وفازت بعضوية الأكاديمية الفرنسية عام 2005، ويبقى السبب الأبرز لأن يعرف القارئ العربي آسيا جبار هو كتاباتها بالطبع التي تقدم صورة نزيهة عن المرأة الجزائرية في خوضها لمعركة التحرير زمن الاستعمار، ووفائها في كتاباتها لروح بيئتها الجزائرية.

وفي معركة التحرير لم تكتف آسيا جبار بالكتابة فقط، فقد كانت مخرجة سينمائية لامعة، وأكاديمية أيضًا، وساهمت في الثورة التحريرية الجزائرية حيث شاركت في إضراب الطلبة الجزائريين عام 1959، وهو الحدث الذي كان أحد أكبر محطات الثورة. رحلت آسيا جبار دون أن تحصل على جائزة نوبل في الآداب، ورحيلها دفع الكثير من الكتاب الوارثين لها للتساؤل عما تسبب في إهمال ترجمة أعمالها، وغيابها عن المشهد الثقافي العربي، الأمر الذي كانت تأسف له هي أيضا.

الطاهر وطَّار .. العروبي الذي حرك الأجواء الثقافية في الجزائر

أما رائد الرواية العربية في الجزائر الطاهر وطار فقد آثر العربية وعبر بها عن هموم الجزائريين بمختلف شرائحهم الاجتماعية، واستطاع رسم ملامح الشخصية الجزائرية أثناء ثورة التحرير وبعد الاستقلال، وعن علاقة الجزائر مع بقية الدول العربية والغربية.

ومن أشهر رواياته “اللاز” 1974، “والزلزال ” 1974، و”الحوات والقصر ” 1975، و”عرس بغل ” ” 1978العشق والموت فى زمن الحراشي”، ورواية “الولي الطاهر يعود على مقامه الزكي ” في العام 1999، ورواية “الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء” 2005.

وكانت كتاباته دائما في قلب الأحداث التي هزت الجزائر منذ الاستقلال، واستلهم وقائع رواياته وشخصياتها من زخم التاريخ الجزائري الوطني والصراعات السياسية التي عرفها بلد الشهداء.
وعُرف عنه شجاعته وإثارته لموضوعات تدخل في سياق المسكوت عنه، فكان دائما ما يحرّك بها الأجواء الثقافية الراكدة.

الطاهر وطار كان عروبيا يدافع بضراوة عن موقع اللغة العربية في بلاده، ويعتبر من بين مؤسسي الأدب العربي الحديث في الجزائر، وعرف بانتقاده للتيار الفرانكفوني. نال وطَّار شهرة واسعة، ليس على الصعيد الجزائري أو العربي فحسب، بل على الصعيد العالمي، إذ ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الحية، منها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والبرتغالية، وحصد جوائز أدبية عدة، كان آخرها جائزة الرواية لمؤسسة سلطان العويس الثقافية في العام 2009.

محمد ديب .. لغة فرنسية وروح جزائرية

في بداياته حين التحق محمد ديب للعمل بالصحافة عام 1950 في باريس، لم يستطع مهادنة الاستعمار الفرنسي لبلاده، فاستعدت كتاباته الشرطة الفرنسية، وقررت نفيه، فجاب مدنًا عديدة من باريس إلى روما، ومن هلسنكي إلى عواصم أوروبا الشرقية، وأخيرًا استقر في المغرب، وعاد مع استقلال الجزائر عام 1962 ليعيش بين أهله وذويه.

يُعد محمد ديب «الأب المؤسس» للأدب المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية، وأحد من واكبوا بأعمالهم الأدبية حركات التحرر الوطني في العالم العربي. حيث كان من أكثر أبناء جيله غزارة وانتظاماً في الكتابة. وتعد كتاباته من النصوص الروائية الهامة في الأدب الجزائري، وتظل أيضاً دليلاً على انتمائها لهذا الأدب رغم توظيفها للغة الفرنسية.

“إن أخيلتي وتصوراتي نابعة من اللغة العربية، فهي لغتي الأم، إلا أنها مع ذلك تعتبر موروثا ينتمي إلى العمق المشترك. أما اللغة الفرنسية فتعتبر لغة أجنبية مع أني تعلمت القراءة بواسطتها، وقد خلقت منها لغتي الكتابية”.

حصل ديب على عدة جوائز وكان أول كاتب مغاربي يحصل على جائزة الفرنكفونية، عام 1994 حيث تسلمها من الأكاديمية الفرنسية عن أعماله السردية والشعرية. وقد توالت أعماله حيث قدم خلال مسيرته الأدبية التي امتدت لأكثر من نصف قرن، 34 عملاً بين الرواية والشعر والقصة القصيرة والمسرح. كان أبرزها ثلاثيته الشهيرة، وهي: «الدار الكبيرة» (1952)، «الحريق»(1954)، «النول» (1957). التي ترجمت إلى العربية.

اهتم الديب بالقصص التراثية والحكايات الشعبية المغاربية اهتمامًا خاصًا، فدرسها وجمعها في أربعة كتب استغرق إنجازها أكثر من أربعين عاماً، وهي” «بابا فكران» (1959)، و«حكاية القط الممتنع عن الكلام» (1974)، و«سالم والمشعوذ» (2000)، و«حكاية الخرتيت الذي كان يعتقد أنه قبيح الشكل» (2001).

ورغم انتظام إنتاجه وغزارته، وكونه الأكثر تأثيراً في الساحة الأدبية المغاربية من بين أبناء جيله والأجيال اللاحقة التي تتلمذت عليه، طيلة نصف القرن الماضي، إلا أنّ محمد ديب فرض على نفسه عزلة تامة، منذ استقلال بلاده عام 1962.فلم يشارك في أيّ من النقاشات الفكرية والسياسية الملتهبة كأقرانه، أمثال كاتب ياسين، ومالك حداد، ورشيد بوجدرة والطاهر وطار تاركاً لأعماله «أن تتحدث بنفسها وعن نفسها» كما كان يقول.

المصادر

تحميل المزيد