رمال متحركة.. كيف يدفع القمع والتهميش جنوبي الجزائر نحو التمرد؟

في سنة 2020 جرى اعتقال نشطاء سياسيين من جنوب الجزائر بسبب كتابتهم منشورات حول أستاذ جامعي يُدعى عبد السلام طرمون. وقد أسّس طرمون سنة 2004 حركة باسم «حركة أبناء الصحراء من أجل العدالة» تدعو إلى إنهاء التهميش، والغياب التنموي، وسوء توزيع الثروة الذي تعاني منه المناطق الصحراوية الغنية بالبترول والغاز، والفقيرة في الخدمات، حسب نشطاء المنطقة. 

في التقرير التالي نتحدث عن الاحتجاجات والغليان الاجتماعي الذي تشهده منطقة جنوبي الجزائر، وعن تنظيم «حركة أبناء الصحراء من أجل العدالة» الذي يعدّ مثالًا حيًا عن كيف يؤدّي القمع والتعامل الأمني مع مطالب اجتماعية وسياسية بأصحاب هذه المطالب نحو التشدد في مواقفهم، وحتى حمل السلاح والمطالبة بالانفصال. 

احتجاجات الجنوب.. العدالة الجزائرية متّهمة بازدواجية المعايير

يشهد الجنوب الجزائري في السنوات الأخيرة موجة من الاحتجاجات ضد التهميش ومطالبات التنمية، وقد كانت المظاهرات ضد استغلال الغاز الصخري – بسبب تلويث التقنية المستعملة للمياه الجوفية – في مدينة عين صالح سنة 2015 واحدة من أكبر الاحتجاجات وأطولها مدّة في البلاد منذ سنوات طويلة. وقد تلتها عدّة احتجاجات ومسيرات في عدّة ولايات جنوبية خلال الشهور التي سبقت الحراك الشعبي سنة 2019.

وتشهد ولاية ورقلة الجنوبية بشكل متواصل احتجاجات متعلقة بالتنمية والبطالة، وعلى الرغم من أنها تعد أغنى ولاية جزائرية بفضل الآبار النفطية التي تزخر بها والشركات البترولية الكبرى العاملة هناك، إلا أن الاحتجاجات من أجل العمل والتنمية لا تتوقّف فيها. هذه المنطقة كانت شاهدًا حيًّا على تحوّل المطالب الاجتماعية المتعلقة بالتنمية إلى حراك سياسي يتطوّر إلى عصيان مسلّح.

الحراك الشعبي كان محطّة أخرى في قصة سياسة التعامل الأمني البحت مع النشاط السياسي في الجنوب، وازدواجية المعايير مقارنة مع الشمال، ففي الوقت الذي نال المشاركون في المسيرات بالمناطق الشمالية والمدن الكبرى حماية نسبية بحكم الأعداد الكبيرة المشاركة في المسيرات، بالإضافة إلى الدعم المجتمعي، وحتى الإعلامي والحقوقي. يعاني نشطاء الجنوب من القبضة الأمنية الصارمة التي تتعامل مع النشاط السياسي باعتباره تهديدًا خطيرًا للاستقرار. 

في الوقت الذي تستمر فيه بعض مسيرات الحراك بمناطق شمالية محسوبة على «منطقة القبائل» مثل مدينة بجاية، والقصر، وبني، ورثيلان، دون التعرّض لها من طرف قوّات الأمن أو حصول اعتقالات بين المشاركين فيها، يتمّ بالموازاة تضييق الخناق على النشطاء السياسيين جنوبي الجزائر، خصوصًا أن هذه المناطق لا تحظى بتغطية القنوات الأجنبية والمنظمات الحقوقية مثل العاصمة والمدن الكبرى. 

 

يبرز ذلك في حالة «نشطاء تيميمون» وهم ياسر قاديري، وخليل خيي، وسيد زغار، وذلك بعد إطلاقهم مسيرة حراكية لم يتجاوز المشاركون فيها أصابع اليدين؛ إذ جرى اتهامهم بـ«التجمهر غير المسلّح»، و«المساس بالوحدة الوطنية»، و«إهانة هيئة نظامية». وهو ما يراه بعض المراقبين كيلًا بمكياليْن ضد نشطاء الجنوب الذين توجّه ضدّهم أحكام قضائية قاسية، ومعاملة أمنية صارمة، مُقابل التغاضي عن نفس الممارسات في الشمال بمنطقة القبائل؛ ممّا يعزّز الشعور بالمظلومية و«الاحتقار» لدى سكّان الجنوب.

معتقلو تيميمون

أضف إلى ذلك مشاكل التنمية والبطالة، وغياب الفرص التي تتّسم بها المناطق الجنوبية، والتراجع في مستوى الخدمات العمومية، مثل الصحة، والتعليم، والنقل، والمرافق العامة، وقد أفادت تقارير للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الانسان أن نسبة البطالة في الجنوب الجزائري تجاوزت نسبة 30% لدى الشباب؛ وهو ما يشكّل وصفة مثالية لغياب الاستقرار، ودفع شباب المنطقة نحو التطرّف والتمرّد، كما حدث من قبل مع «حركة أبناء الصحراء من أجل العدالة». 

«أبناء الصحراء من أجل العدالة».. مطالب اجتماعية تحوّلت إلى عمل مسلّح بسبب القمع

محاد قاسمي هو ناشط سياسي من ولاية أدرار في الصحراء الجزائرية، برز اسمه بشكل كبير خلال المظاهرات ضد استغلال الغاز الصخري سنة 2015، ثم في الحراك الشعبي الأخير سنة 2019. جرى اعتقال قاسمي في الثامن من يونيو (حزيران) 2020، بسبب منشور على «فيسبوك» بعد نشره صورة عبد السلام طرمون، وقال فيه إن الدولة مسؤولة عن الدفع بالمواطنين نحو التطرّف وحمل السلاح بسبب سياستها. عامر قرّاش هو أيضًا أحد نشطاء المنطقة، والذي كتب منشورًا يشيد فيه بعبد السلام طرمون، وهو ما أدى به إلى السجن لنفس التهمة.

عبد السلام طرمون

في سنة 2004 نشأت حركة في الصحراء الجزائرية تطالب بالتنمية ورفع التهميش عن المنطقة باسم «حركة أبناء الصحراء من أجل العدالة»، وذلك بقيادة كل من عبد السلام طرمون من ولاية جانت، ومحمد الأمين بن شنب من ورقلة.

الحركة بقيادة عبد السلام طرمون، الأستاذ الجامعي لم تكن مطالبها تتجاوز التنمية ومناصب العمل والمرافق العموميّة لسكّان الجنوب، لكن النظام سرعان ما ردّ عليها باعتقال قيادتها لمدّة ثمانية شهور بتهمة «تأسيس منظمة غير شرعية».

 هذا التعامل من طرف النظام مع الحراك الاجتماعي في الجنوب بالسجن والقمع، دفع هؤلاء الناشطين السياسيين السلميين أكثر فأكثر نحو التطرّف إلى حد حمل السلاح ضد الدولة، إذ اتخذت الحركة منذ 2007 على الأقل عمليات مسلحة ضد قوات الجيش والمنشآت البترولية. وقد دخلت الحركة في مفاوضات مع الحكومة الجزائرية عدّة مرات، من بينها سنة 2008 التي يقول عنها المقربون من الحركة أنهم تعرّضوا للخداع فيها من طرف الحكومة التي وعدتهم بإطلاق سراح أعضاء الحركة وتلبية هذه المطالب التنموية. 

ويُلاحظ الغموض والتعتيم الإعلامي الشديدان حول هذه الحركة، وتعامل الأمن معها، بسبب حساسية الملف. إذ إن نشاط الحركة يتقاطع مع عدّة ملفات تكون في العادة من اختصاص الجيش والمخابرات، فبسبب نشاط الحركة في المناطق الحدودية مع كل من مالي وليبيا، فإنه يجعلها على صلة بنشاط التهريب المنتشر في المنطقة؛ بالإضافة إلى أن لها علاقات مع الحركات الجهادية الناشطة في منطقة الساحل.

الطابع العشائري للمجتمع الصحراوي المحلي يضفي حساسيّة إضافية في التعامل مع هذا الملف، خصوصًا بالمقاربة الأمنية فقط؛ مما يعد وصفة مثالية للانفجار، فعبد السلام طرمون الذي ينتمي إلى عشيرة «الطرامنة» كانت له حاضنة شعبية واحترام في مجتمعه المحلي.

الحركة تقع في شراك التنظيمات الجهادية

شهدت الحركة انشقاقات في صفوفها بسبب إستراتيجية التعامل مع النظام، إذ غادر بن شنب الحركة بسبب رفضه للمفاوضات مع النظام، كما استقرّت الحركة في شمال مالي، وهو ما جعلها قريبة من الحركات الجهادية المسيطرة على المنطقة؛ مما أدى إلى تحالف بينهما.

وفي أواخر سنة 2012 قاد فصيل مع هذه الحركة الجنوبية بقيادة زعيم تنظيم «الموقّعون بالدم» الجهادي بلعور، وبمشاركة بن شنب، هجومًا على أكبر مجمع غازي في البلاد في منطقة تيقنتورين بعين آميناس، والذي راح ضحيته عشرات من العمّال الأجانب، وأدخل البلاد في أزمة دبلوماسية كبيرة.

عبد السلام طرمون

وفي سنة 2014 قامت مظاهرات في مدينة جانت من طرف سكّان المنطقة، مطالبين الجيش بالكفّ عن قصف جبال الطاسيلي والتوقّف عن التعامل العسكري مع الحركة، والتفاوض معها بدلًا عن ذلك. وقد انطلقت في ذات السنة مفاوضات جديدة بين الحكومة الجزائرية بقيادة الوزير الأول السابق عبد المالك سلال والحركة التي أعربت عن نيّتها التخلي عن العمل المسلح، بوساطة من أعيان ورجال قبائل المنطقة، ورغم حديث الصحافة حينها عن أن المفاوضات قد نجحت، وأن ملف الحركة سيطوى قريبًا، إلا أن ذلك لم يحصل على أرض الواقع. 

ورغم أن الحركة المسلحة كان لها احتكاك مع الجماعات الجهادية في شمال مالي؛ إلا أن بياناتها وخطابها كان بعيدًا عن الخط الجهادي الرافض للدولة الوطنية، بل اتسم بلغة سياسية عقلانية، يظهر ذلك في البيان الذي نشرته الصحافة الجزائرية في 2014، والذي جاء فيه: «نطالب السلطة الحاكمة بالاستجابة لمطالب كافة الجزائريين بلا استثناء، وعلى جميع الأصعدة، وأن تدرك أن الشراكة الوطنية في حل المعضلات القائمة لا بديل عنها بمنهج الحوار البنّاء الذي ينبذ كل أنواع الإقصاء والتهميش واحتكار الوطنية في طبقة سياسية واحدة، أو جهة جغرافية وحيدة، وعدم الإصغاء لبقية المكونات الوطنية».

وقد تم الإعلان عن مقتل عبد السلام طرمون سنة 2018 في ليبيا، وتضاربت الأخبار حول الجهة التي قتلته، بين من يقول إنه كان ضحية إحدى الجماعات المسلحة التي تحالف معها، أو مجموعات من المهرّبين. 

وفي الوقت الذي يصف فيه الإعلام الحكومي عبد السلام طرمون وحركته بـ«الإرهاب» والانفصال، فإن نظرة قطاعات واسعة من سكّان الجنوب نحو الرجل وصورته في المخيال العام الجنوبي مختلفة إلى حد بعيد، إذ يعد في نظرهم شخصية دافعت عن حقوق المهمّشين ضد الظلم والإجحاف المسلّط ضدهم من طرف المركز، بل إن الكثير من النشطاء السياسيين في الجنوب الجزائري لم يتورّعوا عن الترحّم عليه بعد نشر خبر وفاته، وحاليًا تتابع قضائيًا مجموعة من النشطاء السياسيين الجنوبيين بسبب منشورات أشادوا فيها بزعيم الحركة.

المناطق الجنوبية، خصوصًا الواقعة على الحدود التي تشهد انتشارًا شديدًا للسلاح عند سكّانها، بالإضافة إلى انتشار نشاط التهريب بين الحدود في ظل البطالة الرهيبة التي تعرفها المنطقة، تبقى نقطة توتّر محتملة بشكل متواصل، خصوصًا مع سياسة النظام في التعامل الأمني الصارم مع النشاط السياسي، وتجاهل المطالب المحلية بالتنمية والعدالة في توزيع الثروة، حسب نشطاء المنطقة.

وكان الرئيس عبد المجيد تبون خلال حملته الانتخابية سنة 2019 قد وعد بـ«إعطاء الجنوب حقّه» وبرفع التجميد عن المشاريع التنموية في الجنوب كمستشفى ورقلة، وتحويل مراكز التكوين في المهن النفطية من الشمال إلى الجنوب، بالإضافة إلى وعود السكن، وما زال الشارع الجزائري يراقب إن كان الرئيس سيفي بوعوده فيما يخص تنمية الجنوب أم سيبقى الحال دون تطور جذري.

أبناء الصحراء من أجل العدالةالجزائرالجنوب الجزائريعبد السلام طرمونمحاد قاسميورقلةياسر قاديري

المصادر