في اللحظة التي كان فيها الجميع في المنطقة المغاربية منشغلًا بتطورات الوضع السياسي في الجزائر، عقب إعلان الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة عن استقالته مع مطلع شهر أبريل (نيسان) الماضي، أعلن المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي عن بدء حملته العسكرية للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس، مستغلًا سقوط ضلعٍ من الأضلاع المسيرة للأزمة والداعمة للحكومة الوفاق الليبية.

وبالرغم من تقلص الدور الجزائري في ليبيا في الأشهر الماضية بسبب الاهتمام الجزائري بما يحدث داخليًّا من حراك شعبي، فإن الزيارة الأخيرة التي أجراها وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو إلى الجزائر الأسبوع الماضي، شهدت تقاربًا جزائريًّا تركيًّا في رؤية الحل بالنسبة للأزمة الليبية، كما عبّر الطرفان عن ضرورة وجودهم في أي مباحثاتٍ دولية أو إقليمية تناقش حلّ الأزمة، وذلك على خلفية تهميش كلّ من الجزائر وتونس من المشاركة في مؤتمر برلين  المزمع تنظيمه في قادم الأسابيع.

«إياكَ أعني واسمعي يا جارة».. هل يريد حفتر الانتقام من الجزائر بهجوم طرابلس؟

«لا للتدخل الأجنبي».. رؤية الجزائر لحلّ الأزمة الليبية

حين اندلعت شرارة الربيع العربي مطلع سنة 2011؛ انطلاقًا من تونس الخضراء، مرورًا بطرابلس الغرب، كانت الجزائر إحدى أكثر الدول المتخوفة من موجاته؛ مسرعةً إلى إحداث إصلاحاتٍ ولو ظرفية، غير أنّها لم تغفل اهتمامها بمّا يجري في تونس، وليبيا، ومصر مبديةً تعاطفًا مع الأنظمة في تلك الدول، والتي توالى سقوطها نظامًا بعد الآخر. 

وعلى مدار تاريخ الدبلوماسية الجزائرية خصوصًا في فترة حكم بوتفليقة، غلب مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومبدأ الحياد، على طابع السياسة الخارجية للجزائر، إلّا أنّ تطوّر الأحداث مع بدايات الثورة الليبية على خلفية تزايد هجمات قوات القذافي وتنامي الخطر على المدنيين في بنغازي، والتي بموجبها أصدرت الجامعة العربية في 12 من مارس (آذار) 2011 طلبها من مجلس الأمن الدولي فرض حظر جوي على ليبيا، وتوجيه ضرباتٍ عسكريةٍ لنظام القذافي؛ جعلت الجزائر تصطفّ مع النظام، معارضةً للقرار ورافضةً لأيّ تدخل أجنبي عسكري في ليبيا.

الحرب في ليبيا لا تزال مستمرة منذ سقوط نظام القذافي

الحرب في ليبيا ما تزال مستمرة منذ سقوط نظام القذافي

بعد سقوط نظام القذافي، ودخول ليبيا في دائرة الحرب الأهلية، خصوصًا مع انتشار السلاح انتشارًا رهيبًا بين أيدي الليبيين، وتشكل جماعات وميليشيات مسلحة تقاسمت نفوذ الأراضي الليبية في ظل غياب للدولة؛ ليكون جلّ اهتمام الجزائر وقتها في كيفية إنقاذ عائلة القذافي من انتقام الثوار، بعد أن طلبت عائلة القذافي اللجوء للجزائر.

واصلت الجزائر نداءاتها المتكررة والرافضة للتدخل الأجنبي في  ليبيا، ولأي حلٍ عسكري يمكن أن يؤزم الأوضاع أكثر ممّا هي عليه، وذلك على خلفية ظهور تنظيم «داعش» في سرت (معقل النظام السابق)، وتنامي قدراته وسيطرته على مدينتي درنة وسرت، الأمر الذي دفع البعض إلى توجيه نداءات للقوى العسكرية العالمية إلى ضرورة شنّ ضربة عسكرية ضدّ داعش الليبية خصوصًا، بعد شنّ التحالف الدولي لضربة عسكرية ضدّ التنظيم في سوريا والعراق، وهو الأمر الذي رفضته الجزائر على لسان وزير خارجيتها عبد القادر مساهل الذي أعلن رفض بلاده مع تونس لأي هجمات قد تتعرض لها ليبيا بحجّّة محاربة «داعش».

ومع إعلان حفتر انقلابه في صباح الرابع عشر من فبراير (شباط) 2014، والإعلان عن انطلاق عملية عسكرية سميت بـ«عملية الكرامة» ضد كتائب الثوار وتنظيم أنصار الشريعة الجهادي في مدينة بنغازي، كانت الجزائر من أوّل الدول المنددة بخطوة حفتر، وأعلنت غلق الحدود الجزائرية بسبب مخاوف من انتشار الأسلحة والاضطرابات عبر الحدود من ليبيا، وعدم اعترافها بحفتر قائدًا للجيش الليبي، وذلك من خلال منعه من دخول الجزائر ببزّته العسكرية في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2016.

وعلى ضوء هذا التنافر مع حفتر، زاد التقارب بين الحكومة الجزائرية ونظيرتها الليبية، إلى حدّ زيارة وزير الخارجية الجزائري عبد القادر مساهل لعدة مناطق ليبية التقى خلالها قيادات سياسية وعسكرية ومدنية وأعيان القبائل، ونقل لهم رؤية الجزائر للحلّ. ومع غلق الجزائر أبوابها في وجه حفتر، أطلق الأخير تهديداته للجزائر بنقل الحرب إليها، وذلك على خلفية الاتهامات التي وجهها إلى الجيش الجزائري باستغلال الحرب في ليبيا، وهي التهديدات التي قابلتها الجزائر بتجاهل وصمت. 

ومع غياب لاعبٍ إقليمي يؤثر بين الفرقاء الليبين؛ عادت فرنسا لتلعب دورًا محوريًّا في الأزمة الليبية من خلال طرح سيناريو التدخل العسكري لفرض حل سياسي في البلاد، وهو المشروع الذي اضطرت فرنسا إلى سحبه بعد معارضةٍ من الجزائر ورفض الاتحاد الأوروبي له. 

تراجع فرنسا؛ جعل لاعبًا يعشق المغامرات غير المحسوبة في الدخول على الخط، فبعد الانقلاب على الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، تشكل محورٌ مصري إماراتي أخذ من الحل العسكري سبيلًا لإنهاء الأزمة، عبر الغارات المتعددة التي شنها الطيران المصري والإماراتي؛ دعمًّا للمشير خليفة حفتر، وسط معارضةٍ من الجزائر التي  ما تزال متمسكةً برؤيتها للحل السياسي للأزمة. 

لماذا يريد حلفاء حفتر  إقصاء الجزائر من المشاركة في حلّ الأزمة الليبية؟

طوال فترة الأزمة الليبية الممتدة على مدى تسع سنين، حافظت الجزائر على مبدأها القاضي برفض التدخل في الشؤون الليبية الداخلية، ورفض أي تدخلٍ أجنبي من شأنه أن يزيد من تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد، وسعت من خلال جهودها الدبلوماسية إلى إيجاد حلولٍ للأزمة، على غرار «المبادرة الجزائرية» التي طرحتها الجزائر سنة 2014، والتي دعت من خلالها الجزائر إلى تحقيق توافق بين الليبيين بالحوار على خريطة طريق، تتضمن حلًّا للأزمة وتمنع الاحتكام إلى السلاح لحل الخلافات، وتسحب ذرائع التدخل العسكري الإقليمي والدولي في ليبيا. وهي النقاط التي كانت منطلقًا لاتفاق الأطراف الليبية في الصخيرات المغربية نهاية 2015 . 

استمرت الجهود الجزائرية لحلّ الأزمة الليبية من خلال مبادرةٍ ثانية أطلقتها سنة 2017، وهي المبادرة التي انطلقت من كون أن الحل السياسي القائم على اتفاق الصخيرات، هو الحل الوحيد للأزمة في ليبيا، كما وجهت الجزائر مبادرتها لليبيين كمستوى أوّل قبل أن يتباحث مضمونها الأطراف الدولية. 

جهود الجزائر في إيجاد حلٍّ للأزمة الليبية تلك، لم تر طريقها إلى النور، بل جوبهت بمعارضةٍ شديدةٍ وتسويف كبيرٍ من طرف بعض الدول الإقليمية الداعمة للمشير خليفة حفتر؛ إلى أن وصل الأمر إلى تهميش دول الجوار الليبي، ومن بينهم الجزائر في الاجتماعات الخاصة بدراسة الأزمة الليبية، على غرار المؤتمر الذي دعت إليه ألمانيا في قادم الأسابيع. 

استضافت برلين في منتصف شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، اجتماعًا غير معلن ضمّ ممثلين عن دول أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، ومصر، وروسيا، والصين، وتركيا، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، وغابت عنه الجزائر، وتونس، وحضره المبعوث الخاص للأمم المتحدة في ليبيا، غسان سلامة، وذلك بمبادرة من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، لمعالجة الأزمة الليبية، واتُّفق من خلاله على عقد مؤتمر دولي في برلين لحلّ الأزمة الليبية. 

وفي حديثه مع «ساسة بوست» أعرب أشرف الشح، المستشار السابق للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، عن أسفه من محاولات القوى الإقليمية المحسوبة على حفتر لتهميش الجزائر، ورفض مشاركتها في الاجتماعات الدولية الخاصة بليبيا، وأعزى الشح سبب إقصاء الجزائر إلى كونها لم تنخرط انخراطًا سافرًا في الدم الليبي والاعتداء على الحكومة الشرعية.

من جهته أبرز الصحفي الليبي عماد بلعيد في حديثه مع «ساسة بوست»، أنّ «الأطراف الداعمة لحفتر، وبالأخص مصر، تستغل حالة الارتباك في الدولة الجزائرية بعد الانتفاضة الشعبية لتحقيق أهدافها ومطامعها في ليبيا، ومن هذه الأهداف السيطرة على المناطق الحدودية بين ليبيا والجزائر، مما قد يؤدي الى اختلال في موازين القوى الإقليمية في المنطقة». وأضاف بلعيد أنّ «ليبيا على مر العصور، واختلاف النظام السياسي فيها، تعد الجزائر عمقًا استراتيجيًّا لها ورافدًا مهمًّا لأمنها القومي».

هل يسهم التقارب الجزائري التركي حلًّا للأزمة الليبية؟

نالت الأزمة الليبية الحيز الكبير من زيارة وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو إلى الجزائر الأسبوع الماضي؛ فخلال لقائه مع وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، أشاد أوغلو بالدور الجزائري في حلحلة الأزمة الليبية بسبل السياسية دون حاجةٍ إلى تدخلٍ عسكري، وهو ما عبّر عنه بوقادوم بالقول «لمست دعمًا وتأييدًا من الطرف التركي لمواقف الجزائر في جوارها الإقليمي، وبالأخص الحل السياسي، وليس العسكري، للأزمة في ليبيا».

وأضاف وزير الخارجية الجزائري «عبرت لأوغلو عن قناعة الجزائر في أن يكون حل الأزمة في ليبيا منبثقًا عن الحوار السياسي، الذي لا بديل عنه، وضرورة ألا تتحول المنطقة إلى حقل تجارب لنوايا وأجندات أجنبية بعيدة كل البعد عن مصالح شعوبها ودولها».

طرح هذا التقارب في المواقف بين تركيا والجزائر بخصوص الملف الليبي، ودعمهما للحلول السلمية هناك، تساؤلات عن طبيعة هذا التقارب ومدى تأثيره في المعادلة السياسية والعسكرية داخل ليبيا، وما إذا كان البلدان قادرين على وقف الدعم «المصري الإماراتي» لحفتر ومشروعه العسكري.

وزير الخارجية الجزائري مع نظيره التركي

وزير الخارجية الجزائري مع نظيره التركي

وفي هذا السياق يرى أشرف الشح أنّ «التقارب التركي الجزائري في المسألة الليبية ينطلق من سماح بعض الدول الإقليمية لحفتر بأن يهاجم العاصمة، وزودته بالسلاح وشاركت معه بالجنود، والفنيين، والطائرات» ويضيف الشح أنّ هذا التقارب «يراد منه بلورة مواقف مشتركة توضع على الطاولة، إن تمّ عقد مؤتمر برلين المشكوك في عقده حتى اليوم؛ لأنّ الحكومة الألمانية اشترطت لإعلان موعد المؤتمر أن يكون هناك اتفاق يمكن الوصول إليه».

وأشار المستشار السابق لدى المجلس الأعلى للدولة في ليبيا أنّ «التقارب التركي الجزائري ينطلق من أن الانتهاك السافر من بعض الدول الإقليمية، الذي يُعد السبب الكبير في استمرار الأزمة الليبية، ولن تحلّ الأزمة ما لم تكف هذه الدول عن ليبيا».

الحدود الجزائرية الليبية ،مصدر الصورة (الجزيرة)

الحدود الجزائرية الليبية، مصدر الصورة (الجزيرة)

أمّا عماد بلعيد، فيرى أنّ «تفعيل الدور الجزائري في الأزمة الليبية سيعود بمنفعة على الأمة الليبية، خصوصًا إذا حصل التوافق المتوقع مع تركيا حول طبيعة الأزمة وكيفية التعامل معها».

تجدر الإشارة إلى أنّ العلاقات التركية والجزائرية مع فرنسا، إحدى الدول الفاعلة في الأزمة الليبية، عرفت مؤخرًا تدهورًا شديدًا، فبينما يطالب الحراك الشعبي في الجزائر إعادة النظر في العلاقة مع فرنسا، شهدت العلاقة بين أنقرة وباريس توترًا على خلفية انتقاد الرئيس الفرنسي لسجل حقوق الإنسان في تركيا، الأمر الذي دفع أنقرة إلى الرد على باريس، ويربط بعض المتابعين هذا التطور بالتقارب الجزائري التركي في ليبيا. 

رِهان محفوف بالمخاطر.. لماذا يدعم ماكرون حفتر في ليبيا؟

المصادر

تحميل المزيد