اجتمع مطلع الأسبوع الحالي 98 وفدًا من أنحاء العالم كافة، بينهم 72 رئيس دولة وحكومة، لإحياء الذكرى المئوية لتوقيع الهدنة بين فرنسا وألمانيا، والتي وضعت حدًّا لفظاعات الحرب العالمية الأولى قبل 100 سنة. كان الوزير الأوّل الجزائري أحمد أويحيى من بين المشاركين في هذه الاحتفالية، وذلك للدور الذي لعبته الجزائر في هذه الحرب من خلال عشرات الآلاف من المقاتلين الذي أُجبروا على خوض الحرب إلى جانب فرنسا وسقط منهم الآلاف من الضحايا. وبينما تحدّث قادة الدول عن مآسي الحرب، حمل خطاب أويحيى ما اعتُبر في الجزائر سقطةً كبيرة، من خلال وصفه ضحايا الثورة الجزائرية بـ«القتلى» عوضًا عن «الشهداء»، ووصفه الثورة الجزائرية بـ«الحرب»، وقد خلّفت هذه التصريحات موجة سخطٍ كبيرة في الأوساط الشعبية والإعلاميّة.

لكن هذا التصريح لم يكن الوحيد للوزير الأول الذي يثير الجدل في الداخل الجزائري. في هذا التقرير نعرّج على أبرز هذه التصريحات ودلالاتها السياسيّة.

 

 

كيف تحاول فرنسا حتى الآن تجريم الثورة الجزائرية!

 

1- معركة المصطلحات: الثورة عند أويحيى «حرب».. والشهيد «قتيل»

 

خلال مشاركته الأخيرة في احتفالات مئوية الحرب العالمية الأولى، فجّر الوزير الأوّل الجزائري أحمد أويحيى جدلًا واسعًا بعد أن وصف شهداء ثورة التحرير الجزائرية بـ«القتلى»، وذلك خلال إلقائه كلمة أمام رؤساء دول وحكومات وممثلين عن هيئات دولية للحديث عن التضحيات التي قدمها الجزائريون في سبيل الاستقلال.

وقال أويحيى في الكلمة التي ألقاها بمناسبة مئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى: «إن الشعب الجزائري الطيب عرف أهوال الحرب، ودفع من أجل استعادة حريته مليونًا ونصف قتيل»، وهو ما أثار غضبًا لدى الجزائريين، إذ يكتسب ضحايا الثورة الجزائريّة منزلة خاصّة في الوجدان الشعبيّة، كما تحتفي بهم الجهات الرسميّة في مختلف المناسبات في بلد تستند شرعيّة نظام الحكم فيه منذ الاستقلال على «الشرعيّة الثوريّة»، باعتبار أنّ جميع الرؤساء الذين مرّوا على الجزائر قد شاركوا في الثورة التحريريّة، وبالتالي فإنّ أيّ مساس أو سوء تعبير اتجاه هذه القضيّة -ولو شكليًّا كما حدث مع الوزير الأوّل- يعدّ من «المحرّمات» في الساحة السياسيّة. ويرى البعض أنّ المصطلحات التي استعملها أويحيى في خطابه هي نفسها التي تستعملها الرواية الفرنسية في تعاملها مع ملف الذاكرة والثورة الجزائرية.

 

 

وردّ أويحيى على موجة الغضب من خطابه عبر موقع الوزارة الرسمي الذي أصدر بيانًا يتهم فيه قناة تلفزيونية خاصة بتركيب تصريحات الوزير الأوّل خلال خطابه في باريس، وجاء في الرد الذي تضمنه الموقع الرسمي للحكومة: «قامت إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة بالتلاعب عن طريق التركيب، بما ورد من كلام على لسان السيد الوزير الأول، بخصوص شهداء حرب التحرير الوطني حيث يكون قد ذكرهم بعبارة القتلى، وليس بعبارة الشهداء».

وفي الوقت الذي لا تزال الجزائر تطالب فيه باسترجاع جماجم قادتها المعروضة في متحف الإنسان بباريس، شذ أويحيى عن القاعدة بتصريحه الغريب الذي أكّد فيه أن ليس هناك جدوى من استرجاعها، في تصريحٍ فاجأ الجميع.

 

 

الصراع على الرئاسة في الجزائر.. هل حان وقت التضحية برأس أحمد أويحيى؟

 

2- الأساتذة «قراصنة».. والطلبة فوضويون

 

خلال احتفاله بالذكرى الواحدة والعشرين لتأسيس حزبه، في محافظة بسكرة جنوبي الجزائر، لم يجد الوزير الأول الجزائري وأمين عام حزب التجمع الوطني الديمقراطي من حرج في وصف الأساتذة المضربين بـ«القراصنة»، وذلك في سياق تعليقه على الإضراب الذي قرّر الأساتذة شنّه في فبراير (شباط) من السنة الجارية، وهو ما جعل الحاضرين يردّون على سقطته هذه بالتصفير.

 

وأمام ذلك المشهد لم يتدارك أويحيى نفسه، وتهجّم على الحاضرين بوصفهم بـ«الفوضويين»، وقال مخاطبًا الطلبة الذين شرعوا في التصفير على خطابه، بالقول إنه عوض أن يقوموا بتدريس أبناء الجزائريين يقومون بالفوضى، وأضاف: «أنتم فوضويون فوضويون فوضويون تعرفوا ديرو- تعملوا- غير الفوضى» قبل أن يطالب إطارات الحزب ومنتخبيه ومناضليه بترديد كلمة «فوضويين» للرد على الحادثة.

 

 

وسارع حزب أويحيى في الردّ على هذه الحادثة بالقول إنّ التصفير الذي تعرّض له الوزير الأوّل الجزائري، أتى من طرف ثُلة من الطلبة الجزائريين الذين أرادوا استغلال صفة الوزير الأوّل التي يتمتع بها أويحيى لرفع انشغالاتهم.

3- الجنوب الجزائري في مرمى تصريحات أويحيى اللاذعة

خلال ردّه على الاحتجاجات التي شهدها الجنوب الجزائري في الصائفة الماضية، هاجم أحمد أويحيى سُكّان محافظة ورقلة، جنوبي البلاد، على خلفية منعهم تنظيم حفل فني طالب السكان بتحويل كلفته المالية لمصلحة تحسين البنية التحتية في المدينة، ووصفها بـ«أعمال شغب».

 

وقال أويحيى، في مؤتمر صحافي: «البطالة ليست حُجّة لرفض حفل فني، والفوضى ليست حلًّا للمشاكل، والبطالة موجودة في كل أنحاء الوطن».

 

 

وهاجم أويحيى، في الوقت نفسه، حادثة طرد سكان محافظة الجلفة (جنوبي الجزائر) وفدًا وزاريًّا بقيادة وزير الداخلية، نور الدين بدوي، أتى للتعزية بوفاة المجاهد أحمد بن الشريف، وقال أويحيى: «التقاليد الإسلامية تفرض ضرورة استقبال المعزين مهما كان الأمر».

 

صلاة جماعية أمام المهرجانات الفنيّة.. ما حقيقة المظاهرات الأخيرة في الجزائر؟

 

4- «احمدوا ربي لقينا لكم حل»

بسبب الأزمة الاقتصاديّة الخانقة التي تعيشها الجزائر، لجأت الحكومة بقيادة أويحيى إلى طباعة العُملة، أو ما سمّي بالتمويل غير التقليدي، ومن أجل عرض هذه الخطّة على الملأ، وقف أويحيى أمام مجلس الأمة في جلسة عرضٍ لمخطط عمل حكومته، وبنبرةٍ متشائمة بدأ أويحيى خطابه بالقول: «بعد ثلاث سنوات من الأزمة.. الموس وصل للعضم»، مُضيفًا: «إذا لم نقم بطبع النقود، ستتسبب في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بالإيقاف الكلي للاقتصاد، حتى نواب الشعب وإطارات الدولة وأعوانها لن يتقاضوا علاواتهم وليس أجور الموظفين فقط».

 

 

وواصل أويحيى تصريحاته الاستفزازية حين قال مخاطبًا نواب مجلس الأمة وأعضاء الحكومة، ومدافعًا عن خطوة الحكومة في طبع النقود: «نحمد الله أننا أتينا لكم بحلّ، لأننا لم نذهب إلى صندوق النقد الدولي».

 

5- أراد عبادة بومدين.. ومتّهم بالتطبيع مع «الأقدام السوداء»

أثناء حديثه عن كتابة التاريخ الجزائري، قال أويحيى إنّ الرئيس الراحل هواري بومدين كان يمنع كتابة التاريخ، عكس اليوم، وفي استرساله في الحديث عن الرئيس السابق بومدين، قال أويحيى إنّه كان يحبّه كثيرًا، وأضاف: «لو كان جاء بومدين يُعبد سأعبد ربي وأعبد بومدين».

 

 

 

ولم تتوقف تصريحات أويحيى المثيرة للجدل عند عبادة بومدين، ليفجّر موجة غضبٍ جديدةٍ بدعوته شهر يونيو (حزيران) الماضي رجال الأعمال الجزائريين التعاون مع الأقدام السوداء في الدفع بحركة الصادرات نحو الخارج، واعتبر أويحيى ذلك خطة لتسويق المنتجات الجزائرية في الخارج، لكن المبادرة أثارت ردودًا عاصفة، وصلت حد اتهام حكومته بالتطبيع مع «الأقدام السوداء».

 

الحنين إلى الأرض المُغتصبة.. هل تعود «الأقدام السوداء» إلى الجزائر؟

 

6- أويحيى يهاجم أردوغان بسبب دفاعه عن الجزائر

في ديسمبر ( كانون الأول) من عام 2012، هاجم الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان فرنسا بسبب ماضيها الاستعماري في الجزائر، وقال أردوغان: «إذا كان الرئيس الفرنسي لا يعرف أنّه حصلت إبادة فإنه يمكنه أن يسأل والده بال ساركوزي (والد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي) الذي كان يعمل في الجزائر في أربعينيات القرن الماضي».

 

وتابع قوله: «أنا على يقين أن (بال ساركوزي) لديه الكثير من الأمور ليقولها لابنه بشأن المجازر التي ارتكبها الفرنسيون في الجزائر»، وجاء اتهام أردوغان لفرنسا بارتكاب «إبادة» في الجزائر في رد فعلٍ منه على تبنّي فرنسا قانونًا يجرم إنكار «إبادة» الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى.

 

إلا أنّ الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى كان له رأي مخالف، بهجومه على أردوغان، ودعا أويحيى تركيا إلى عدم «المتاجرة بدماء الجزائريين»، وذلك ردًّا على اتهام نظيره التركي رجب طيب أردوغان فرنسا بارتكاب «إبادة» في الجزائر.

 

 

 

وقال أويحيى في مؤتمر صحافي: «نقول لأصدقائنا (الأتراك) لا تتاجروا بنا، كل واحدٍ حر في الدفاع عن مصالحه، لكن لا يحق لأحدٍ أن يتاجر بدماء الجزائريين»، وأضاف أويحيى: «تركيا هي التي سلّمت الجزائر للفرنسيين بعد ثلاثة أيام من بداية الغزو الفرنسي سنة 1830، وتركيا صوّتت في الأمم المتحدة ضد كل القرارات التي كانت في صالح الجزائر قبل استقلالها سنة 1962».

 

 

الصراع على الرئاسة في الجزائر.. هل حان وقت التضحية برأس أحمد أويحيى؟

 

المصادر

تحميل المزيد