تشهد الجزائر منذ سنوات أزمة نقص حاد في كثير من أدوية الأمراض المزمنة والأمراض الموسمية، في مشكلة متكررة بشكل مستمر، إذ يتراوح النقص ما بين 200 إلى 300 صنف من الدواء، وبالرغم من هذا التكرار والتناول الإعلامي لهذه الأزمة دائمًا، ما زال النقص مستمرًا والحلول غائبة، فلماذا لا تنتهي هذه الأزمة؟

في الواقع هناك العديد من علامات الاستفهام والتناقضات حول سوق الدواء في الجزائر، فالأزمة تجاوزت مرحلة النقص في الصيدليات إلى عجز في المستشفيات التي تعتمد على عمليات الاستيراد الحكومية، وسط اتهام المستوردين باحتكار سوق الدواء، لكن على النقض تمامًا تعيش صناعة الأدوية في البلاد حالة جيدة للغاية.

رغم أزمة النقص.. قطاع الدواء مزدهر بالجزائر

تعد صناعة الأدوية واحدة من أكثر الصناعات التحويلية ديناميكية في الجزائر، كما أن مجموعة «صيدال» المملوكة للدولة هي المنتج الرئيسي، بالإضافة إلى حوالي 80 مصنعًا محليًا وأجنبيًا يعملون في هذا القطاع في عام 2018، وفق تقديرات «أكسفورد بزنس».

وبحسب الموقع الرسمي للمجموعة فإن «صيدال» تمتلك ستة مصانع تقع في الجزائر، في كلا من: المدية، وقسنطينة وعنابة، بقدرة إنتاج إجمالية قدرها 140 مليون وحدة بيع سنويًا، وذلك بالإضافة إلى مساهمة المجموعة في شركات أخرى، بعضها لا تعمل في قطاع الدواء مثل «الجيري كليرينج (شركة مالية)» بواقع 6.67%، و«نوفر (مؤسسة إنتاج الزجاج)» بنحو 4.46%، ثم «اكديما (الشركة العربية للصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية)» بنسبة 0.38%.

وتشير التقديرات إلى أن قيود الحكومة على استيراد السلع التي يمكن إنتاجها محليًا، ساهمت في نمو الإنتاج الوطني بسرعة، مما أدى إلى ارتفاع مستويات الاكتفاء الذاتي، خاصة أن سوق الدواء الجزائري حاليًا هو أكبر سوق في أفريقيا، بقيمة وصلت إلى نحو 3.7 مليار دولار، وتساهم بعض العوامل مثل التوسع بالطبقة المتوسطة وتزايد عدد السكان، في زيادة الطلب على المستحضرات الصيدلانية وتوفر فرص استثمار طويلة الأجل.

وفي عام 2018 نجح الإنتاج المحلي في توفير حوالي 47% من الطلب المحلي على الأدوية في الجزائر مقابل 25% في عام 2008، وتهدف الحكومة إلى زيادة هذه النسبة إلى 70% بحلول عام 2021، وذلك في ظل استقطاب القطاع للمزيد من المستثمرين المحليين والأجانب.

ووفقًا للأرقام الرسمية فإن هناك أكثر من 110 مشروعات لبناء أو توسيع منشآت صناعة الدواء في عام 2018، من بينها مصنع لصناعة أدوية لعلاج الأورام بقيمة 20 مليون يورو في القطب الصناعي لسيدي عبد الله. إذ تم الإعلان عن المشروع في أوائل سبتمبر (أيلول) 2018، والذي تم تنفيذه من قبل شركة «ايبسن» الفرنسية وشريكها المالي في هذا المشروع، «إيسل هولدينج» وهي شركة قابضة جزائرية متخصصة في الشراكات  الصناعية.

ومن المفترض استكمال المشروع في عام 2021، وسيقوم المصنع بتصنيع الأدوية للسوق المحلية في مرحلته الأولى والتصدير في مرحلته الثانية، وبالإضافة إلى هذا المشروع أصبحت البلاد أيضًا موطنًا لأكبر منشأة لإنتاج وتوزيع الدواء في القارة، مع افتتاح شركة «سانوفي» الجزائر في منطقة سيدي عبد الله أيضًا.

ويتوقع أن ينتج المصنع حوالي 100 مليون وحدة سنويًا، وأن يغطي حوالي 100 نوع من المنتجات الصناعية في تخصّصات علاجية مختلفة منها السكّري، وأمراض القلب، والأعصاب وعلاج الألم. وستقوم شركة «سانوفي» الرائدة في سوق الدواء في الجزائر، بزيادة إنتاجها المحلي تدريجيًّا بنسبة 80% مقابل الـ65% الحالية.

لم تنته قائمة مشاريع الدواء الجديدة بعد، فمن بين المشاريع البارزة الأخرى الشراكة بين «بيو فارم (Biopharm)» و«أسترا زينيكا (AstraZeneca)» متعددة الجنسيات من المملكة المتحدة والسويد، والتي تم إنشاؤها في منتصف عام 2018، من أجل مصنع بقيمة 125 مليون دولار لإنتاج أدوية القلب والأوعية الدموية والعصبية وعلاج الأورام.

صاحبة أكبر احتياطي للمياه الجوفية في العالم.. هل تعاني الجزائر من أزمة عطش؟

 

مع انتعاش صناعة الدواء.. أين تكمن المشكلة إذًا؟

على الرغم من الاستثمارات الكبيرة، لا يزال عرض الأدوية المنتجة محليًا لا يغطي الطلب المحلي بالكامل، فقد سجلت فاتورة استيراد الأدوية الخاصة ببيع التجزئة -المصنفة في مجموعة المواد الاستهلاكية غير الغذائية- في النصف الأول من 2019 نحو 521.42 مليون دولار، بينما كان مجموع واردات الأدوية في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2018 نحو 922 مليون دولار.

وبالرغم من أن هذه الأرقام أقل بكثير من 2.02 مليار دولار المسجلة في عام 2016، لكن الأوضاع في الجزائر اختلفت كثيرًا أيضًا، خاصة مع استمرار تراجع أسعار النفط، إذ تعتمد الحكومة الجزائرية بنسبة تقترب من 90% من إيراداتها المالية، على مبيعات النفط الخام للأسواق العالمية، وبعد أن شهد النفط تراجعًا في أسعاره، من 120 دولارًا للبرميل منتصف 2014، إلى قرب 50 دولارًا في الوقت الحالي، تراجعت الإيرادات بشدة، مما دفع الحكومة لفرض ضرائب ورسوم جمركية جديدة، وإجراءات تقشفية.

وتضررت واردات الأدوية كغيرها من الواردات بسبب القيود الحكومية، ويعد هذا السبب الأساسي لتكرار الأزمة، بالإضافة إلى الأوضاع السياسية غير المستقرة، لكن في النهاية تعد تلك الأسباب أسبابًا عامة، تضررت منها كل القطاعات الاقتصادية، بيد أن هناك أسبابًا تخص سوق الأدوية في الجزائر بشكل خاص تتسبب في نقص الدواء المتكرر وأبرزها:

تراجع الاستثمار في البحث وتطوير الدواء

تشير تقارير صحفية جزائرية إلى أن الشركات التي تعمل في السوق الجزائري تميل إلى إنتاج النوع نفسه من المنتجات، مع التركيز بشكل رئيسي على الشراب أو المضادات الحيوية، بينما يقل الاستثمار في البحث وتطوير العقاقير لعلاج الأمراض الأخرى غير المعدية، مثل أمراض القلب والسكري، وهو ما يجعل السوق دائمًا في حاجة إلى الدواء المستورد.

وتعتمد صناعة الأدوية العالمية التي من المتوقع أن تصل قيمتها إلى 1.43 تريليون دولار عام 2020، بشكل رئيسي على البحث والتطوير، فبحسب ما كشف تقرير حديث صادر عن  شركة «بروكلينيكال»، فإن إنفاق شركات الأدوية العالمية على مشروعات البحث والتطوير نحو 150 مليار دولار سنويًا، وهو السبب الأساسي الذي يدعم الهيمنة الأمريكية على هذا القطاع، إذ تنفق الشركات الأمريكية فقط نحو 90 مليار دولار على البحث والتطوير.

وتواجه الأدوية الموجهة لمرضى السرطان، المشكلة نفسها وفق «أكسفورد بزنس»، فالمشاريع التي تختص بهذا المرض لم تنتج أدوية بعد، كما أن الاستثمار في تطوير الأدوية للأمراض المستعصية كالسرطان والأمراض المزمنة كالسكري أصبح واقعًا يفرض نفسه على الجزائر، والتي تعرف على غرار البلدان الأخرى تطورًا سريعًا وارتفاعًا في انتشار الأمراض غير المتنقلة.

فبحسب إحصائيات «المركز الوطني» لسجلات مرض السرطان أن نحو 45 ألف حالة إصابة جديدة بالسرطان تسجل كل سنة في الجزائر، وهي أرقام من شانها أن ترتفع لتصل 61 ألف في غضون 2025، بينما معدل التكلفة المالية لعلاج كل حالة سرطان تقدر بـ5 مليون دينار، إذ تمثل تكلفة أدوية السرطان حاليًا نحو 60% من ميزانية الصيدليات العمومية.

خفض الكميات المتوفرة.. وسيلة المحتكرين لرفع الأسعار

من ناحية أخرى يقول نائب رئيس الجمعية الجزائرية للصيادلة، كريم مرغمي، خلال تصريحات صحفية له، نقلتها صحيفة «العربي الجديد»، إن النقص في الدواء يرجع إلى الممارسات غير الأخلاقية وغير القانونية لبعض المستوردين والموزعين الذين قاموا باحتكار الكميات المستوردة وعدم طرحها في السوق، بالإضافة إلى ابتزاز الصيادلة، من خلال فرض أدوية أخرى بكميات كبيرة وغير مطلوبة وبرقم أعمال كبير، مقابل الحصول على كميات قليلة من بعض الأدوية المفقودة.

وهو بالتالي ما يجعل أسعار عشرات الأدوية ترتفع بشكل ملحوظ، إلا أن رئيس الاتحاد الجزائري للمتعاملين في الصيدلة، عبد الواحد كرار، يرى أن تأخر الحكومة في الإفراج عن برامج الاستيراد للنصف الثاني من السنة الحالية، أدى إلى تسويق «مخزون الأمان» لدى الكثير من المنتجين والمستوردين، وهو ما أشعل الأزمة.

ويرى عضو لجنة اليقظة لمتابعة سوق الأدوية بوزارة الصحة، كريم مرغني، أن أسباب أزمة الأدوية في الجزائر ترجع إلى النقص في المواد الأولية بالسوق الدولية، والخلل التقني على مستوى بعض المختبرات، وتأخر في إمضاء برامج الاستيراد بوزارة الصحة، بالإضافة إلى أن بعض المستوردين والمصنعين فضلوا المصلحة التجارية والربحية على مصلحة المريض.

ضعف التنسيق بين السلطات الصحية

نقلت صحيفة «البلاد» الجزائرية، عن مصدر في مجلس أخلاقيات الطب، عن أن ضعف التنسيق بين السلطات الصحية يعقد الأزمة أكثر، إذ أن العديد من الأطباء يصفون أدوية مفقودة لمرضاهم جهلًا منهم بأنها غير متوفرة، بالإضافة إلى إفراط المستوردين في استيراد أصناف من الأدوية على حساب أخرى أثبتت فعاليتها.

وبسبب أن أزمة الندرة مستمرة في الجزائر منذ 2015، باتت قائمة الأدوية المفقودة تتغير كل عام، وهو ما يجعل حتى الأطباء المتابعين لا يعرفون الأدوية المتوفرة من غيرها، لذا يجب على السلطات المختصة والمتمثلة في مديريات الصحة والوزارة أن تعمل على تنسيق دائم لعلاج هذه الأزمة.

كيف يفسر الاقتصاد صعود عملة الجزائر رغم التوترات السياسية؟

المصادر

تحميل المزيد