2,037

في 2004 وجدَ علي الظفيري نفسه على بوابة قناة الجزيرة الفضائية، في العاصمة القطرية الدوحة، «علبة الكبريت الأزرق»، هكذا وصفها الرئيس المصري المخلوع حسني مُبارك، وكانت بالفعل كبريتًا أزرق ساهم في إشعال الأحداث حوله لاحقًا. دخل الجزيرة شابًا في أوّل عمره، 29 عامًا، ولم تخرجه منها حروب مع الاحتلال الإسرائيلي ولا ثورات الربيع العربي، وأخرجته أزمة قطر الأخيرة مُودعًا زملاءه فيها.

صورُ الخليج في رجل واحد

وُلد الظفيري عام 1975 في الكويت، طفلًا سعوديًا في بيئة كويتية، شاهدًا في طفولته على غزو الكويت ومشاهده التي هزّت وجدانه ونقلته في سن الـ15 إلى عالم السياسة والواقع بعد أن كان شغوفًا بالأندية الرياضية وبجمع قصاصات الجرائد.

انتهت طفولة الظفيري ودخل الجامعة، وبدأت فيها رحلة أربع سنين من العزلة والابتعاد عن مُحيط لم تُعجبه اهتمامات الظفيري المعرفية والقرائية، وانغمس هو فيها، ثم أنهى دراسته للبكالوريوس بشهادة في علم النفس. وبدأت رحلة البحث عن عمل دون جدوى، ولم يجد في الكويت حينها فرصة أو عملًا لأستاذ في علم النفس، شدَّ أمتعته وعاد إلى وطنه الأول؛ السعودية.

بعد حصوله على فرصة عمل مع الإذاعة السعوديّة استقرَ في الدمام وأقام فيها، وبدأت حينها الإذاعة بتدريبه هو ومجموعة من الإعلاميين، ولكن، سرعان ما برز بين زملائه فاستُقطب للعاصمة وانتقل للعمل فيها.

من الكويت إلى السعوديّة، ومن السعوديّة مُنزعجًا إلى أفق أرحب في الدوحة، وتحديدًا في الجزيرة، ليكون أول سعوديٍ يعملُ فيها حاملًا معه علاقة أصيلة بدولٍ خليجية ثلاثة، كلّها في رجل واحد.

صحافيٌّ حالم في أرض ضيقة

على الرغم من أن السعودية أكبر دولة في الخليج العربي، إلا أنها ضاقت على الظفيري وعلى أحلامه الصحافية الواسعة. رأى الظفيري الصحافة والإعلام مهنة للأحرار، ولمن يؤمنون بالحقيقة وبالرأي المُغيّب، لا بـ«صحافة الأنظمة» ولا بـ«صحافة الأمن».

بعد قرار إعادة هيكلة الإعلام السعودي الرسمي وضخّ دماء جديدة فيه، وُضعت نهاية القرار في يد نايف بن عبد العزيز آل سعود، الذي كان حينها وزير الداخلية وظلَّ كذلك حتى وفاته عام 2012. وعندما يكون القرار الإعلامي في يد عقليّة أمنية، يصيرُ المذيع على الأرجح في المؤسسة الرسمية «أشبه بعارض أزياء، يرتدي ما يختاره المصممون، مطلوب أن يظهر في أبهى حلة دون أن يفكر هو أو غيره بما في داخله»، كما عبر بعد ذلك الظفيري نفسه.

مع بدء الغزو الأمريكي للعراق، شعرَ الظفيري -ذو النجم الصاعد في الرياض- أنّ عليه التحوّل من الإعلام «دون هدف واضح»، إلى إعلام ينقل ما يُمليه الضمير «القومي والعروبي»، الذي يحمله الظفيري في داخله. وبدأ برنامجًا على القناة السعودية الأولى لأول مرة بطابع سياسي، مُستمدًا خط البرنامج من تصريح لوزير الخارجية السعودي رفض فيه الغزو الأمريكي، وانطلق الظفيري بعاطفة جياشة وعبارات كـ«جسد بغداد»، جعلت زميله في القناة يقول له أنه شعر بروح قناة الجزيرة في المكان!، بحسب رواية الظفيري.

أزعجت الحلقة مسؤولين في وزارة الإعلام، مثل وكيل الوزارة حينها، الذي بدأ بمضايقة الظفيري –وفقًا لروايته- ومع صعود نجم الظفيري اتجهت العيون نحوه ولكن هذه المرة بطريقة سلبيّة، على الرغم من ذلك، تقرر أن يكون ذا قدم في «الإخبارية» السعوديّة، التي انطلقت دعاوى حينها أنها ستكون بحجم الجزيرة والعربيّة مُتسيّدات الإعلام العربي آنذاك، وبعد مشاكل مُختلفة، من أهمها ما رآه في الإخبارية فوصفها بـ«قناة الإخبارية.. خارج الزمن الإعلامي»، وجدَ الظفيري نفسه وحيدًا في منزله في الرياض، دون عمل أو وظيفة.

سعوديٌّ في الجزيرة

كان الظفيري يُشاهد قناة الجزيرة ولا يتخيّل أن يصل إليها يومًا ما لما كان يراه من احترافية وموضوعية لدى مُذيعيها بحسبه، وفي صدفة مُفاجئة وجد نفسه عام 2004 في قلب الجزيرة، ووجدَ فيها ما كان يُؤمّله من مساحة تسمح له بالتحدث بحرية وطلاقة، وبدأ في عمله مذيعًا إخباريًّا، ثم انتقل لاحقًا للبرامج المُعدّة، ومن أشهرها برنامجه «في العمق»، الذي يقول إنه نجح كأول برنامج على مستوى العالم العربي، وكانت بدايته مع الذكرى الـ13 لانطلاق الجزيرة. عمل الظفيري في البرنامج على استضافة مفكرين وناشطين سياسيين عرب ليتحدثوا عن شؤون الدولة والإصلاح وقضاياهما وقضايا السياسة في العالم العربي.

يرى الظفيري أنّ الجزيرة وسيلة إعلام مهنيّة، لا مُحايدة، و«منحازة للمواطن والإنسان»، وتقف «في وجه السلطة حتى ولو كانت ديمقراطية أو منتخبة»، ثمَّ تعالى صوت الجزيرة مع صعود شرارة الغضب والثورة في تونس، وكان للظفيري كلمةٌ يرى أنه كان «منحازًا» فيها، ولكن، للثورة.

مُقدمة علي الظفيري لبرنامج «في العمق» بعد حادثة البوعزيزي.

كان الظفيري مُبتهجًا وفرحًا بالربيع العربي، ووجدَ -حسبما يقول- في الجزيرة منبرًا يُظهر الرواية الأخرى، ويتحدى الرواية الرسمية والأمنيّة بالرواية الشعبية الحقيقية، ورأى في عملها تحديًا للولايات المُتحدة وروايتها العالمية حول ما يجري في العراق ودول العالم الإسلامي الأخرى من تدخلٍ عسكري فاضح، فأشبعت الجزيرة فيه حسه القومي والعروبي، مُظهرةً «الإنسان العربي»، وفقًا لمصطلح الظفيري، لا كما يُريد أمنيّو الأنظمة العربية ولا عسكريّو أمريكا، «الإنسان العربي» الذي لم تُعبر عنه الجامعة العربية التي يصفها بـ«الجامعة المعاقة»، بحسب تعبيره.

ومع بداية كلّ ثورة، كان يستضيف في برنامجه من يُعبّر عن الثوار، ويتيح لهؤلاء مساحة واسعة وهامش حرية في الحديث يُحرّك الثوار فيما يشبه التحفيز والتشجيع، ويقول عن تلك الأيام أنه كان لا بد من القيام بهذا الأمر، فعندما تأتي الثورة علينا أن ننحاز لها وأن ننحاز للشعب.

عندما اشتعلت الأمور أيام الثورات التونسيّة والمصرية، تم إلغاء عدد كبير من البرامج في الجزيرة وحُوِّلت إلى نشرات إخبارية موسعة على مدار الساعة، فقرر الظفيري حينها أن يعود إلى مهنته الأولى مذيعًا يُغطي أخبار الثورة التي شُغف بها، وفي أحد الأيام جاء وضاح خنفر، مُدير شبكة الجزيرة آنذاك، وطلب من الظفيري أن ينزل للميدان في مصر، ما أثار لهفة ورغبة الظفيري ليشهد الثورة، فأجاب بالموافقة وأضاف «لو تريد أخرج على الجزيرة للأطفال!»، وذهب في مهمته.

ثوريّ في كل مكان.. حتى في قطر

حملَ الظفيري مِعْوَل النقد معه في كل مكان، حتى في عمله ومصدر رزقه في الجزيرة، إذ كان ينتقد في غرفة الأخبار ما يعتقد أنه تقصيرٌ أو تجاهلٌ، ويُعلن ما يراه أولوية في التغطية للثورة ويدفع باتجاهه.

وفي عدّة لقاءات إعلامية له، عبَّر بوضوح تام عن رأيه في تقصير الجزيرة في تغطية بعض الشؤون في الداخل القطري، ولو أن القضايا داخل قطر ليست بذلك المستوى الذي يستحق، وفقًا للظفيري. ومن القضايا التي يرى الظفيري أن الجزيرة قصّرت في تغطيتها وإعطائها حقها، قضية الشاعر القطري محمد بن الذيب، الذي حُكم عليه بـ15 عامًا بتهمة «التحريض على قلب نظام الحكم» في قصيدة ألقاها بعنوان «الياسمين»، ثم خرج بعفو أميري بعد قضائه خمسة أعوام من الحكم في السجن.

وفي كتابه «بين الجزيرة والثورة» انتقد قطر لفتحها لعلاقات قطرية إسرائيلية وانسياقها في التسعينيات خلف الاتجاه العربي العام نحو عملية السلام، مُعتبرًا ذلك انتكاسًا عن العروبة ومشروعها، وفي ذات السياق يستنكر وجود القاعدة الأمريكية في قطر. كذلك، أيّد بوضوح تام المطالب التي دعت لها «انتفاضة الشعب» البحريني، ولكنه أعرب عن تخوفه من وجود نزعة طائفية فيها. أمّا الثورة اليمنية، فهو يراها ثورةً امتزجت به، إنها ثورته الخاصة، بحسبه.

مشوار طويل

في العام الماضي أطلق الظفيري برنامج «المقابلة»، الذي وصفه بأنه «أعمق من في العمق»، إذ يغوص في قلب التجربة الشخصية لسياسيين ومفكرين ومؤثرين عاشوا الأحداث أحيانًا وصنعوها أحيانًا أخرى.

واستطاع الظفيري في المقابلة أن يُغطي أطيافًا وقطاعات مختلفة، من السياسة إلى الفكر فالدين والفن والمجتمع، وحتى السينما وكيف يرانا الآخرون باعتبارنا شرق أوسطيين  وباعتبارنا عربًا ومسلمين.

شهد الظفيري في الجزيرة أحداثًا جسيمة مرّ بها الشرق الأوسط: حروب غزة، وثورات الربيع العربي، وأزمات الخليج المُختلفة، وفي كلّ حالة يُعبّر عما تقوله الشعوب وما تُحاول الأنظمة أن تطمسه.

مع أزمة قطر الأخيرة، أعلن الظفيري بنبرة حزينة استقالته، «طاعةً لله وولاة الأمر»، مودّعًا فريق الجزيرة الذي وصف أعضاءه بـ«أهلي وزملائي».

رجّح الكثيرون أن الظفيري تعرّض لضغط سعوديّ قدّم على إثره استقالته، وكتب عن ذلك المُعارض المصري سليم عزوز، قائلًا أنها استقالة إكراه وضغوط. بعد الاستقالة بأيام خرج الظفيري إلى البلد الذي وُلد فيه، الكويت، ونشر أحد أقربائه صورًا له مُعبرًا عن فرحه بوصوله سالمًا إلى الكويت.

وفي تغريدات سابقة للاستقالة، قال إن الخلاف بين دول الخليج حفّز مرتزقة الأزمات من إعلاميين وسياسيين.

آثر الظفيري الانسحاب مُحافظًا على مسافة بينه وبين الجميع، في مجموعة من التغريدات التي يُعبّر فيها عن المكانة العزيزة لكافة الدول الخليجية في قلبه، ولكن يبقى السؤال، إلى متى يظلّ الإعلاميّون العرب مُلزمين باتبّاع سياسات بلادهم وتوجهاتها، بدلًا من ما يؤمنون به من حقوق الإنسان وحريّة الرأي والقول.