«إنه لا يلتفت إلى الوراء، كمن يخشى كارثة تلاحقه! ولا يلتفت يمينًا أو يسارًا كالذي يحذر مفاجأة تباغته، وليس في ملامحه ما يدل على فزعه، هو مطمئن أو كأنه مطمئن، يستحث جواده في طليعة نفر قليل من الفرسان، واحد منهم يسير متأخرًا عنه خطوة، والبقية من ورائهما تعدو خيولهم على خطوات»

هكذا كان يحكي المؤلف أحمد خيري سعيد عن علي بك الكبير في كتابه «الدسائس والدماء، علي بك الكبير حياته وعصره» فقبل محمد علي باشا حاول أحد المماليك الاستقلال بحكم مصر وامتد طموحه ليضم بلادًا عربية أخرى، فمن هو علي بك الكبير؟ وكيف بدأت قصته مع الاستقلال بمصر؟ وكيف انتهت؟

قبل البداية: طفولة علي بك الكبير وانتقاله إلى المحروسة

في كتابه «ثورة علي بك الكبير» يذكر المؤلف أنور زقلمة أن المؤرخين لم يتمكنوا من تتبع تاريخ علي بك الكبير حين كان صغيرًا، ولكن الرواية الأقرب للصواب تذكر أنه كان طفلًا مسيحيًا يُدعى يوسف داود، وكان والده من رعاة الكنيسة الأرثوذكسية في مدينة أماسا جنوب البحر الأسود، والتي كانت تتبع حينها منطقة القوقاز، وقد حلم أبوه دائمًا بأن يصبح رضيعه رجل دين، ولكن تلك الأمنية لم تتحقق أبدًا إذ تعرض الصغير للخطف وبيع في سوق الرقيق قبل أن ينتهي به المطاف في مدينة القاهرة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
أحمد باشا الجزار.. الثعلب العجوز الذي قهر نابليون بونابرت

وفي المحروسة استقر المقام بالطفل ذي الثلاثة عشر عامًا عند إبراهيم كخيا الذي أطلق على الطفل اسم علي وعلمه القراءة والكتابة؛ وقتذاك كان المماليك من أمثال إبراهيم بك قد تعودوا منذ قديم الزمان على جلب أطفال مماليك وتدريبهم حتى يكونوا لهم حاشية وأنصارًا، وبسبب قوتهم المتزايدة وقدمهم الراسخة في البلاد لم يكتف المماليك بعزل من أرادوا من الولاة، بل أخذوا يطمحون إلى التخلص من السيادة العثمانية بشكل كامل، وخاصة حين دخلت الإمبراطورية في طور التقهقر وانشغلت بحروبها مع النمسا وروسيا.

موازين القوى السياسية في مصر خلال هذه الفترة

خلال القرن الثامن عشر تغيرت موازين القوى السياسية في مصر واختلف نظام توزيع السلطات؛ فبينما كان الوالي يعد صاحب الكلمة العليا في البلاد؛ لأنه يمثل الخليفة ويرمز وجوده إلى العلاقة القائمة بين مصر والدولة العثمانية، إذا به يفقد سلطته بالتدريج ويتضاءل نفوذه السياسي حتى لم تعد اختصاصاته تتجاوز الإشراف على جمع الضرائب وإرسالها إلى الأستانة، أما السلطة الفعلية حينها فقد تركزت في يد المماليك الذين اشتدت شوكتهم ونمت شخصية الزعيم الذي يختارونه حتى طغت على قوة الوالي.

وخلال عام 1745 عينت الدولة العثمانية محمد راغب باشا واليًا على مصر، الذي كان قبل ذلك رئيسًا للكتاب واشترك في المفاوضات التي أدت إلى توقيع معاهدة بلغراد الشهيرة، وقد أتى هذا الوالي إلى مصر بمخطط خطير وهو إعداد مذبحة للمماليك يقضي فيها على قوتهم الطاغية وبذلك تستعيد الدولة هيبتها، وبعد أن نجح بالفعل في قتل عدد كبير منهم أدرك إبراهيم كخيا ومراد بك وهما من كبار المماليك مخطط راغب باشا فأسرعوا إلى احتلال القلعة والتحق بهم الجند وأجبروا بعدها راغب بك على الخضوع بعد أن سجنوه وسمحوا له بمغادرة البلاد عام 1748.

مصدر الصورة: goodreads

ومنذ ذلك الحين تراجعت سلطة الولاة لصالح الحكام الحقيقيين وهم المماليك وأصبح زعيمهم يُلقب بشيخ البلد؛ وقتذاك خلصت رياسة مصر وإماراتها إلى إبراهيم بك وهو مولى علي بك الكبير الذي مهد له الطريق وأقام أمامه النموذج ليحتذيه: إذ كان إبراهيم بك يحب علي كثيرًا ويجل مواهبه، ومما زاد تعلقه به أنه اصطحبه مرة في قافلة إلى بلاد الحرمين وفي الطريق لاقتهم عصابة من اللصوص فدافع عنه علي وأنقذ حياته.

علي بك الكبير يصل لمنصب شيخ البلد

كان حب إبراهيم كخيا لعلي واضحًا للمماليك الآخرين، وهو الأمر الذي أثار غيرتهم وحين رفع إبراهيم رتبة علي إلى بك غضب أحد البكوات واسمه إبراهيم بك الشركسي كثيرًا وقتل إبراهيم كخيا، ولما كان علي بك كثير الإخلاص لإبراهيم كخيا فقد قرر الانتقام له، ولهذا مكث ثماني سنوات اشتغل في أثنائها بجمع القوة فابتاع عددًا كبيرًا من المماليك ووطد علاقته مع البكوات الآخرين واكتسب ثقتهم، ولكن خليل بك شيخ البلد تنبه إلى أفعاله ورأى أن يقضي عليه قبل أن يستفحل أمره فهجم عليه بقواته ولما لم يقو عليه علي بك فر إلى الصعيد وعاش في كنف دولة شيخ العرب همام، وهناك التقى بمجموعة من الساخطين على خليل بك فزود عدد أتباعه وعاد إلى القاهرة ليتمكن في نهاية الأمر من استلام مشيخة البلد في القاهرة عام1763 ويأمر فورًا بقتل إبراهيم الشركسي.

وبسبب هذا القرار وشى أعيان البكوات بعلي بك إلى الباب العالي مما اضطره إلى الفرار لبيت المقدس ثم إلى عكا فاليمن حتى عاد إلى القاهرة وتسلم زمام الأمور مرة أخرى، وعلى الفور بدأ علي بك بإصلاح البلاد وقرر أن يكثر من أتباعه المماليك فرقى منهم 18 إلى رتبة البكوية حتى يكونوا عونًا له في المستقبل، بعد ذلك طمحت نفسه إلى الاستقلال بمصر فانكب على حلمه وأعد العدة لتحقيقه؛ وقتذاك كان علي بك على دراية كبيرة بأن دولة شيخ العرب همام في الصعيد تهدد طموحه التوسعي، ولذلك قرر محاربتها حتى يستولي على جميع الأراضي المصرية.

مصدر الصورة: https://cutt.us/jmiXX

منذ صغره تعلم علي بك درسًا هامًا على يد مولاه إبراهيم كيخا؛ إذا أراد الانتصار عليه أن يفرق الجماعة ويستفرد بخصمه وحيدًا وهذا تحديدًا ما فعله علي بك مع شيخ العرب همام: ففي البداية قتل حليفه صالح بك القاسمي حاكم جرجا بسويقة عصفور بالقاهرة، وبعدها أرسل قائده محمد أبو الدهب لمحاربة شيخ العرب همام في فرشوط، ولكن كالعادة لم يحارب قائد علي بك بشرف إذ أغرى ابن عم همام الشيخ إسماعيل أبو عبد الله بالخيانة ووعده بولاية الصعيد مقابل نشر فكرة التخاذل بين صفوف همام والانسحاب من جيشه وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى هزيمة شيخ العرب همام الذي مات من شدة الحزن، وبذلك تمكن علي بك من السيطرة على الداخل المصري شمالًا وجنوبًا.

بداية تحقيق حلمه بالاستقلال بمصر عن الدولة العثمانية

حين نشبت الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا خلال عام 1768 طلب الباب العالي من مصر أن تمده بـ 12 ألف مقاتل فأذعن علي بك لمطالب الدولة وبدأ بجمع الجنود، وهنا اغتنم أعداؤه تلك الفرصة ووشوا إلى الباب العالي بأن علي بك يجمع الجيوش للوقوف مع روسيا في حربها ضد الدولة مقابل أن تساعده على الاستقلال بمصر، وهنا أصدر الباب العالي أمرًا مشددًا بقتل علي بك وإرسال رأسه إلى الأستانة.

كان لعلي بك عيون في الأستانة فبادروا بتبلغيه الخبر قبل أن يصل الكتاب إلى مصر، وهنا أرسل علي بك 10 من أتباعه المماليك فمكثوا على مسافة قريبة من القاهرة متنكرين بزي البدو ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع وصل فرمان الباب العالي مع رجاله الذين قتلهم المماليك وطمروهم بالرمال وأخذوا ملابسهم والفرمان إلى علي بك الذي أعلن للمماليك أن فرمان الباب العالي كان أمرًا بذبح جميع المماليك.

ولما كان علي بك خطيبًا مفوهًا فقد خاطب المماليك قائلًا: «دافعوا عن حياتهم وحقوقهم واعلموا أن مصر ما برحت منذ القدم يحطمها دول من المماليك كانوا سلاطين أشداء تفاخر بهم الأرض والسماء، فأعيدوها إليهم وهذه فرصة لا تضيعوها فإنكم لن تعثروا عمركم على فرصة مثلها، هلم إذن نسعى إلى الاستقلال فإن فيه حياتنا وحريتنا».

تأثر المماليك بفصاحة علي بك وعاهدوه على الدفاع عنه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وفي عام 1769 أعلن علي بك استقلال مصر وامتنع عن إرسال الضرائب للباب علي، وكتب بعدها إلى الشيخ ظاهر العمر أمير عكا يخبره رسميًّا باستقلال مصر ويدعوه لمد يد العون، فأجابه الشيخ ظاهر مسرورًا وجمع إليه رجاله ورجال بنيه السبعة وصهره وانضم الجميع إلى جنود علي بك.

علي بك الكبير وطموحاته التوسعية الكبرى

حينما علمت الأستانة بالخبر أرسل الباب العالي أمرًا إلى والي دمشق بمنع جنود عكا من مساعدة علي بك ولما حاول الوالي محاربة رجال عكا خرج إليه الظاهر بصحبة 6 آلاف جندي وأجبره على التقهقر، وكانت هذه هي آخر محاولات الباب العالي للتدخل إذ كانت الدولة منشغلة بحربها مع روسيا.

اغتنم علي بك فرصة انشغال الدولة العثمانية بحربها مع روسيا، واهتم بتنظيم مملكته الجديدة من الداخل؛ إذ عمد إلى خفض الضرائب ونظم التجارة الخارجية والمواصلات وأبعد العرب إلى الصحراء، ولما توطد ملكه بمصر أرسل جيشًا لفتح بلاد العرب؛ فاستولى على جدة لتكون مركزًا للتجارة الهندية ولم تمض ستة أشهر حتى كانت الجزيرة العربية تحت سلطته بما فيها مكة المكرمة والمدينة، وبعدها أمر علي بك أن يُخطب باسمه في الصلوات العمومية وأن تُصك النقود باسمه أيضًا.

بعد أن امتدت دولته إلى الحرمين الشريفين سعى علي بك الكبير لضم الشام، ولكنه لم يكن يعلم حينها أنه يسعى لحتفه؛ إذ عهد مرة أخرى إلى محمد أبو الدهب أن يقود 30 ألف جندي لإخضاع الشام وتمكن بالفعل من ضمها، وكان النصر حليفه، ولكنه حين رأي ما جنت يداه من فتوحات عظيمة حسد علي بك على دولته، ولهذا خطب ود الباب العالي وقرر أن يتفق مع الدولة ضد علي بك مقابل أن ينزع منه الملك ويتربع هو على عرش مصر.

مصدر الصورة: https://cutt.us/LPM5G

نفذ محمد أبو الدهب خطته وعاد إلى مصر بالجيش الذي استولى به على الشام وسيطر على أراضيها ونصب نفسه شيخًا للبلد، ثم أرسل للباب العالي من أجل إعادة مصر للدولة العثمانية، أما علي بك فقد هرب إلى عكا محتميًا بحاكمها، وهناك وجد أسطولًا روسيًا فطلب منهم المساعدة وتحالفوا معًا بعد أن أمدوه بالسلاح والرجال، وتمكن علي بك من استرجاع المدن السورية التي فتحها أبو الدهب، ثم ذهب إلى مصر وانتصر على جيش أبو الدهب الذي نجح في بث الفتنة بين رجال علي بك فانقلبوا عليه وخذوله وانهزمت قواته وأُخذ أسيرًا إلى القاهرة، ولكنه مات بعد بضعة أيام تأثرًا بجراحه البالغة في معركته لاسترداد مملكته المصرية، وبعد مرور ثلاثة عقود وفي أعقاب الحملة الفرنسية على مصر ظهر قائد جديد ليكرر تجربة الاستقلال بمصر وهو الألباني محمد علي باشا.

المصادر

تحميل المزيد