على مدار عشرات السنوات من الصراع العربي – الإسرائيلي وظّف جهاز الاستخبارات الإسرائيلية «الموساد» عمليات الاغتيال لاستهداف أعدائه من قيادات المقاومة الفلسطينية، ولكن قائدًا فلسطينيًا فذًا برز في أواخر الستينات ليقلب معادلة الخوف، ومربكًا سياسيي إسرائيل ورجال مخابراتها، هذا الرجل هو الأمير الأحمر، علي حسن سلامة.

«هذا الشبل من ذاك الأسد»

انتمى علي حسن سلامة لأسرة ذات باع طويل في مقاومة الاحتلال والاستعمار البريطاني من قبله، فقد كان أبوه الشيخ حسن سلامة أحد قادة «الثورة الكبرى» في فلسطين عام 1936 ضدَّ الانتداب البريطاني بهدفها الأساسي: وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، كما كان في طليعة «جيش الجهاد المقدس» الذي تشكل بعد قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر (تشرين الثاني) 1947، واستشهد سلامة في معركة مع عصابات يهودية مسلحة في معركة رأس العين عام 1948.

الشيخ حسن سلامة والد علي حسن سلامة. مصدر الصورة: ويكيبيديا

خلفَ الشيخ حسن من ورائه ثروة طائلة، وطفلًا في السابعة هو علي، الذي سيلقب فيما بعد بـ«الأمير الأحمر»، ولم يكن لعلي في البداية اهتمامات سياسية؛ إذ سافر إلى سويسرا لدراسة اللغات، ومنها إلى ألمانيا قبل أن يعود إلى القاهرة.

في أكتوبر 1959 أسّس خمسة فلسطينيين في الكويت «حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)»، من المؤسسين: ياسر عرفات، وصلاح خلف، المعروف بـ«أبو إياد»، لتتزعم الحركة شيئًا فشيئًا قيادة النضال الفلسطيني بإقصاء تيارات أخرى أو ابتلاعها، وبعد أربع سنوات فقط عام 1963 سينجح أبو إياد في ضم علي حسن سلامة إلى صفوف الحركة، ليُكمل نهج والده في النضال المسلّح.

انتقل سلامة إلى الكويت، وفيها انضم في البداية إلى دائرة التنظيم الشعبي التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم أصبح رئيسًا لها عام 1965، وبعد هزيمة 1967 احتضنت مصر برئاسة جمال عبد الناصر أنشطة «فتح» ودعمتها، وعقدت دورات أمنية وتدريبات عسكرية للمناضلين الفلسطينيين الذين عُرفوا آنذاك بالـ«فدائيين»، وكان من بينهم علي حسن سلامة، الذي عادَ إلى القاهرة عام 1968 لينتظم في بعض هذه الدورات، وهي خطوةٌ مفصلية في حياته أدخلته بعد ذلك إلى العمل الأمني.

قررت حركة «فتح» توسيع هيكلها التنظيمي، وأسست «جهاز الرصد» الفلسطيني ليتولى المهام الاستخباراتية للمنظمة، وأسندت مهمة تشكيل الجهاز وإدارته إلى أبو إياد، الذي اختار علي حسن سلامة نائبًا له، لينتقل مباشرة إلى العاصمة الأردنية عمّان، حيث نشطَت حركة فتح، وأشرف هناك على عمليات مكافحة التجسس وأنشأ خلايا عسكرية تابعة للجهاز في الأردن.

وفي سبتمبر (أيلول) 1970 اندلع اقتتال أهلي عنيف بين الجيش الأردني، وبين قرابة 40 ألفًا من قوات «منظمة التحرير الفلسطينية» التي أقامت معسكرات ومراكز تدريب في الأردن لتهاجم منها نحو إسرائيل، عُرفت هذه الأحداث باسم «أيلول الأسود»، كان الملك حسين يخشى تعاظم الوجود الفلسطيني المسلح في الأردن، ويرى في ذلك تهديدًا لاستقرار حكمه.

وقد أدت التوترات بين مسلحي الطرفين إلى اشتباكات واسعة النطاق راح ضحيتها مئات المقاتلين الأردنيين، وآلاف الفلسطينيين، واستمرت الاشتباكات بين الجانبين حتى 17 يوليو (تموز) 1971، وتشيرُ بعض الإحصاءات إلى مقتل 500 من الجيش الأردني، وأكثر من 3400 من منظمة التحرير الفلسطينية، وإن كانت المنظمة تؤكّدُ أن العدد الحقيقي للقتلى الفلسطينيين بالآلاف، ومع نهاية الصراع اتُفق على خروج المقاتلين الفلسطينيين وقادة «منظمة التحرير» وعلى رأسهم ياسر عرفات من الأردن، وانتقلوا بعد ذلك إلى ملاذهم الأخير في لبنان.

وكان علي حسن سلامة في تلك الأثناء مسؤولًا عن أمن ياسر عرفات وباقي القادة الفلسطينيين، وعضوًا في المجلس الثوري لحركة «فتح»، وانتقل إلى لبنان، واعتصرت قلوب الفلسطينيين آنذاك ما اعتبروه «طعنةً» لحركة المقاومة على يد الملك الأردني الحسين بن طلال في الأردن، وشعروا أن العالم تنكّر لقضيتهم وعدالتها، ولكن ما لبثت أن تحولت هذه المرارة المكتومة إلى رغبة عارمة في الانتقام، وكان علي حسن سلامة رأس الحربة في هذا.

علي حسن سلامة -

صورة لعلي حسن سلامة، الملقّب بـ«الأمير الأحمر». مصدر الصورة: يوتيوب

الموساد يتلقى الصفعات على يد علي حسن سلامة

في سبتمبر 1972، كانت إسرائيل على موعد مع مفاجئة لم تختبرها من قبل، فقد اقتحم ثمانية مقاتلين فلسطينيين مقر البعثة الرياضية الإسرائيلية المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية في مدينة ميونيخ الألمانية، واحتجزوا تسعة رهائن إسرائيليين، وطالبوا بالإفراج عن مئات المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، مقابل إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين.

رفضت الحكومة الإسرائيلية التفاوض، وضغطت رئيسة الوزراء الإسرائيليو جولدا مائير على ألمانيا وأجهزة الأمن الأوروبية لإطلاق سراح الرهائن بالقوة، ما نتج عنه مقتل جميع الرهائن الإسرائيليين ومعظم الخاطفين، ووجّهت أصابع الاتهام لمنظمة فلسطينية سرية اسمها «أيلول الأسود»، وهي ذات المنظمة التي اغتالت قبل شهورَ رئيس الوزراء الأردني وصفي التل، ولكن «عملية ميونيخ» النوعية ستُكسب «أيلول الأسود» شهرةً كبيرة على الصعيد العالمي، وبعدها تابعت عملياتها ضد أهداف إسرائيلية وصارت صداعًا يؤرق إسرائيل. أراد حسن سلامة ورفاقه في المنظمة أن يلفتوا أنظار العالم من جديد للقضية الفلسطينية، وليُرسلوا رسالةً مفادها أن المقاومة مستمرة، ولم تنكسر بسبب أحداث أيلول.

وضعت الحكومة الإسرائيلية قائمة أسماء ضمت في صدارتها علي حسن سلامة، الذي اعتبر أنه أحد القادة الأساسيين والعقل المدبر للمنظمة التي ارتبطت سرًا بـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، ونفذت عمليات نوعية للضغط على إسرائيل والمجتمع الدولي مُبعدةً الضوء عن منظمة التحرير، على الأقل رسميًا. وكان من أبرز عمليات المنظمة قتلُ ضابط الموساد باروخ كوهين، ومهاجمة شبكات الاستخبارات الإسرائيلية داخل أوروبا.

كان باروخ كوهين ضابط مخابرات إسرائيلي وصل إلى إسبانيا متنكرًا لاختراق شبكة لعملاء منظمة «أيلول الأسود»، وتعرف بطالب جامعي فلسطيني يُدعى سمير أحمد مؤيد، ظن باروخ أن بإمكانه تجنيده للحصول على معلومات بشأن العناصر الفلسطينية النشطة في أوروبا، ولكن، وللمفاجأة الكبرى، كان مؤيد نفسه أحد عناصر «أيلول الأسود»، وتمكن من استدراج بارخ إلى أحد مطاعم مدريد، ليباغته أحد عناصر المنظمة برصاصة أردته قتيلًا مسجلةً نقطة أخرى لصالح علي حسن سلامة ورجاله ضد الموساد.

«كان مشكلة كبيرة (للإسرائيليين)؛ لأنه كان مختلفًا، يتكلم اللغات الأوروبية بطلاقة، وسيمٌ يحب الحفلات، واعتاد السفر كثيرًا في أوروبا، وكان محبوبًا من قبل الكثيرين في أوروبا وليس فقط في العالم العربي»

* الكاتب الصحافي الإسرائيلي، شاي فولجمان واصفًا علي حسن سلامة

شهدَ عقد السبعينات سطوع نجم علي حسن سلامة كضابط أمن واستخبارات فلسطيني مقتدر، يستطيع توجيه الضربات إلى الأهداف الإسرائيلية بمهارة، ويدير شبكة من العملاء منتشرة في عدد من الدول العربية والأوروبية، وعلى حد تعبير رونان بيرجمان، صحافي الاستخبارات الإسرائيلي: «عرفَ سلامة كيف يجعل الناس يلحقونه، كان صاحب شخصية رائعة ويحمل جميع الصفات القيادية التقليدية».

كان سلامة قائدًا من طراز مختلف، لا يتبع الصورة النمطية التي تعود عليها العالم للمناضل الفلسطيني، يهتمُ بنفسه، ويواظب على ممارسة الرياضة، وخاصة السباحة، ويستمع إلى أغاني «نت كينج كول» و«فرانك سيناترا»، وتزوّج عام 1978 ملكة جمال العالم حينئذ، اللبنانية جورجينا رزق.

علي حسن سلامة وزوجته ملكة جمال الكون جورجينا رزق

لعب على حسن سلامة أدوارًا عدة، فأوكلت له مهمة تشكيل «القوة 17» التي نظمت فيها وحدات عسكرية وأمنية تابعة للحركة، فأصبح لصيقًا بياسر عرفات، ورافقه في خطابه في الأمم المتّحدة عام 1974، كما أسندت له مهمة التفاوض مع القيادة المارونيّة في بيروت الشّرقيّة بعد اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة.

إسرائيل تنتقم من «الأمير الأحمر»

إلى جانب الويلات التي أذاقها رجاله للموساد، إلى حد أن وصفته جولدا مائير بـ«الأمير الأحمر»، ووضعته على قائمة أعداء إسرائيل، فقد جن جنون تل أبيب عندما اكتشفت أن سلامة قد خطا خطوة لم يسبقه إليها قائد فلسطيني من قبل، إذ بنى قنوات تواصل مع «الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)»؛ ما أثارَ صدمةً كبيرة في الدوائر الأمنية والسياسية الإسرائيلية، ويشبّه عدّة إسرائيليون هذه العلاقة بأنها صادمةٌ كما لو كان لإسرائيل تواصلٌ سري مع أسامة بن لادن، دونَ أن تُشعر حليفتها الولايات المتحدة.

وتعود جذور علاقة علي حسن سلامة بالاستخبارات الأمريكية إلى بدايات الحرب الأهلية اللبنانية عامَ 1975، حين أمّنت قواته الرعايا الأمريكيين في بيروت، ومنعت الهجمات على السفارة الأمريكية، ما خلق ثقةً بين الطرفين، ووجدت «سي آي إيه» في سلامة فرصة نادرة يجب استثمارها، وقد وجه إليه دعوة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، الذي كان يشغل حينذاك منصب رئيس الاستخبارات، وينقلُ الصحافي بيرجمان روايات تقول إن وكالة «سي آي إيه» نسَّقت لعلي حسن سلامة شهر عسل مع زوجته جورجينا رزق في الولايات المتحدة.

لم تستطع إسرائيل أن تصبر أكثر على الأمير الأحمر، ودبّرت عدة محاولات فاشلة لاغتياله، أولها «عملية فردان»، أغارت فيها قوة إسرائيلية خاصةّ على العاصمة اللبنانية بيروت لتغتال قيادات فلسطينية ردًا على ما حدث في ميونيخ، ولكن أبا سلامة نجا من الاغتيال. وتعرضت تل أبيب لمشكلة ديبلوماسية حين كلفت وحدةً إسرائيلية باغتيال سلامة في مدينة ليلهامر بالنرويج، وبدلًا عن ذلك قتلت الوحدة نادلًا مغربيًا، يدعى أحمد بوشيكر، قُتل أثناء خروجه من السينما وظنّ عملاء الموساد خطأ أنه علي حسن سلامة نظرًا للشبه الكبير بين الرجلين.

وتمكن سلامة من كشف عدد من جواسيس الموساد وشبكات عملائه في بيروت، من بينهم الجاسوسة الشهيرة أمينة المفتي، التي تخفّت بغطاء عملها متطوعةً في المخيمات الفلسطينية في لبنان، واستطاعت اختراق صفوف قيادات منظمة التحرير والتقرب منهم، قبل أن ينجح علي يحسن سلامة في اكتشاف أمرها واعتقالها.

أعيا سلامة رجال الموساد، ولاغتياله جند الجهاز عميلين انتحلا شخصية مزورة، وعاشا في بيروت ودمشق، استطاعا توفير معلومات عن حسن سلامة وتحركاته، وشاركت في عملية متابعته سيدةٌ اسمها إيريكا تشامبرز، خضعت لعملية جراحية للتنكر، واستطاعت هي الأخرى التقرب من سلامة ومعرفة تفاصيل تحركاته، وفي يناير (كانون الثاني) عام 1979، انفجرت في بيروت سيارة من نوع «فولكسفاجن» في طريق مرور سيارة علي حسن، سلامة الذي صعدت روحه إلى بارئها هو وأربعة من حراسه، ليشيّع جثمانه في جنازة حضرها ياسر عرفات، مع 20 ألف فلسطيني ودعوا قائدهم الذي شغلَ الموساد لسنوات.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 8 شهور
حصار المقاطعة.. حين حرمت إسرائيل ياسر عرفات من الدواء والاستحمام

المصادر

تحميل المزيد