للسلطة أبطالها، وللشعب أبطاله؛ رائحة ذكرياتهم في شوارع المحروسة وبين آثارها وفي أحيائها الشعبية والراقية نفاذة، تحمل أحلامًا وأوجاعًا تستطيع النفس تمييزها بين كل الأحزان فتواسيها، حتى من لا يعرف هؤلاء الأبطال الشعبيين بالاسم، سيكتشف في تلك السلسلة، إلى أي حد يربطهم به علاقة وشيجة الصلة، وربما يعرف لماذا يتناقل أبناء المحروسة دائمًا حكاية مفادها أن أحدهم إذا ما أغلق هاتفه، في لحظة شجن وتيه، وسار بجوار النيل الذي يطوي في باطنه آلافًا من قصص الغرام والبطولة والتضحية، وأكمل نزهته بين شوارع قاهرة نجيب محفوظ وأحيائها الشعبية، الحاملة لتاريخ شاهد على تحدي الحياة وحبها، وجد وكأن أرواحًا مجهولة وحكايات تؤنسه في سيره وحيدًا، وتتفهم أسراره التي يرفض البوح بها، فيعود خفيف الروح والجسد، وكأن حكايات مصر السرية؛ حكايات أبطالها وشبابها وأحلامهم قد سكنته قبل أن يسكنها.

ستكون رحلة أسبوعية إلى قلب الحكايات السرية للمحروسة، كل خميس من كل أسبوع على موعد مع حلقة جديدة من تلك السلسلة، رحلة محفوفة بالمخاطر، لأنك قد تقابل فيها نفسك، ستجد الأبطال يتشاركون معك شوارع الحب والغرام والخذلان، يتشاركون معك الأحلام واللغة، والهتافات والغضب والأحلام الدفينة والثورة، يحملون ذكريات مشابهة تمامًا في بعض الأحيان لتلك التي عشتها، وربما متطابقة أيضًا، يتشاركون معك أشد اللحظات حميمية للروح، وأكثر لحظات الرومانسية، وتلك التي تتحول فيها الميول الانتحارية فجأة إلى أخرى استشهادية، لا ترى من معشوق في هذا العالم سوى الوطن، وحكاياته وأحلامه وخيباته؛ وطن يحمل رائحة الحب الأول والأم المعيلة الصابرة، والمدرسة والمدن القديمة والأصدقاء والمقاهي ودور العبادة، ودروب اتخذها أطفالها موطنًا للمتعة الصافية في لعب كرة القدم، والحكايات السرية وملاحم الأبطال.

كل ما ستحاول تلك السلسلة أن تفعله، هو فتح كتاب الأسرار لحكايات المصريين، وسير أبطالهم، بعيدًا عن «نسخة الوطنية» التي تروجها أجهزة الدولة، والتي ربما تنظر إليها الأجيال الجديدة بنوع من السخرية، وربما جعلت أيضًا الحديث عن الوطنية والوطن، محض حديث يُصاب الناس بالملل عند سماعه.

سنحاول في هذه السلسلة أن نقترب من أبطال الشعب، لا الأبطال الذين رسختهم السلطة في المسامع قهرًا عبر وسائل إعلامها، سنحاول ها هنا أن نقترب من السر الدفين، ومراكز هذا الوطن الروحية، التي تؤنس ساكنيه، وربما تصالحهم على أنفسهم أيضًا.

محمد بلال.. حامي جثة بطل نجيب محفوظ!

«لم يلعب أي طلاب في العالم دورًا مثل ذلك الذي لعبه الطلاب في مصر» – المؤرخ الفرنسي والتر لاكير.

بطل

صورة لمظاهرات الطلبة في عام 1935، مصدر الصورة (المصري اليوم).


لماذا يحب الناس شهيدًا بعينه ويظل خالدًا في وجدانهم من بين جميع الشهداء؟ الإجابات كثيرة، ربما كان هذا الشهيد يحمل قصة استثنائية في التضحية والبطولة، وربما يرجع هذا في بعض الأحيان إلى أن أصدقاءه استطاعوا تكريسه في الوجدان الجمعي للناس، عبر حكي قصصه ونوادره في وسائل الإعلام المختلفة، لكن في حالة «علي طه عفيفي» لا توجد إجابة. لا يعرف أحد لماذا تحديدًا علي طه عفيفي، لا أحد يعرف السر الدفين؛ فهو لا يحمل أي قصة استثنائية من أي نوع، بل إننا تقريبًا لا نعرف عنه شيئًا.

في المحروسة، هناك دعوة شهيرة تدعو بها الأمهات الله لأولادهن في الصباح، قبل أن يخرجوا للحياة؛
«ربنا يحبب فيك خلقه»، هذا هو ما تحقق مع علي طه عفيفي؛ تحقق بدون أية مقدمات كافية، فالملايين يحبونه مع أنهم لا يعرفونه، ولا يعرفون أنه واحد من الأبطال السريين للمحروسة.

كل ما تذكره المصادر، عن الشاب علي طه عفيفي، أنه كان واحدًا من الطلاب المشاركين في مظاهرات عام 1935، والمذكور قصتها في الحلقة السابقة، خرج مع زملائه في مدرسة دار العلوم بحي المنيرة في القاهرة، صبيحة يوم 16 فبراير (شباط) 1935، وقد اشتبكت قوات النظام وقوات الاحتلال مع الطلبة، فتلقى علي طه ضربة هراوة «كونستابل» إنجليزي على رأسه، وسقط مغشيًا عليه، وتم اقتياده إلى قسم شرطة السيدة زينب، ومن ثم إلى مستشفى القصر العيني، حيث فاضت روحه الشابة إلى خالقها، في اليوم التالي.

كم مرة شاهدت فيلم «القاهرة 30»؟ في الواقع شاهد ملايين المصريين الفيلم منذ صدوره في عام 1966، وحمل الكثيرون منهم حبًا كبيرًا، لبطل الفيلم، الشاب الثوري الاشتراكي علي طه الذي لا يتنازل عن مبادئه، وعن أحلامه لوطنه، وسط مدينة ترزح تحت وطأة الانتهازية والأنانية والذل، ولا تعترف إلا بالأحلام الفردية قصيرة الأجل، وربطته قصة حب ذات طابع مثالي خاص مع إحسان شحاتة، التي قررت الزواج من «قواد» يُسهل لها ممارسة الجنس مع شخصية مرموقة في الدولة «قاسم بك»، مقابل إغراقها هي وزوجها، القواد العدمي «محجوب عبد الدايم»، بالأموال والنفوذ، وفي نهاية الفيلم، يجري المناضل علي طه في شوارع المحروسة، ويحاول الهرب من رصاص الشرطة، وينثر في المدينة التي سُرق فيها حبه وأحلامه، منشورات ضد الطغمة السياسية الإقطاعية الحاكمة والمتحالفة مع الاستعمار.

بطل

صورة لمحجوب عبد الدايم، من فيلم القاهرة 30، المصدر: ( في الفن)


«لأمثال قاسم بيه وبس اتخلقت الدنيا.. مسكينة إحسان، دوخها بجماله وفلوسه وبَهويته وكلامه الحلو، وانت عايز تقاومه يا سي علي يا طه؟ تقاومه بإيه؟ بأوجست كونت وسان سيمون؟ يا أخي طز في حضرتك». *محجوب عبد الدايم مخاطبًا نفسه في فيلم القاهرة 30.

هكذا دخل علي طه إلى قلوب المصريين عبر الفيلم السينمائي، دون معرفة لحقيقة أن علي طه هو بطل حقيقي من لحم ودم، من أبطال المحروسة، تأثر بمقتله نجيب محفوظ، فجسد شخصيته في روايته «القاهرة الجديدة»، التي تحولت فيما بعد إلى فيلم القاهرة 30.

«هاكم بطاقتي الشخصية وهي تغني عن كل تعريف: فقير واشتراكي وعاشق عذري»، هكذا كان علي طه يُعرف نفسه في رواية نجيب محفوظ «القاهرة الجديدة»، والواقع أن الشاب الذي تلقى ضربة أزهقت روحه في مقتبل عمره، لمجرد أنه خرج منددًا بالاستعمار البريطاني لبلاده، لم يُسكِنه نجيب محفوظ في وجدان قرائه المصريين فحسب، فقد تُرجمت رواية القاهرة الجديدة إلى الفرنسية في عام 2000، كما تُرجمت إلى الانجليزية على يد ويليام هاتشينز في عام 2003، بالإضافة إلى لغات عالمية أخرى، ومع كل قارئ جديد، كان علي طه يسكن ذاكرة شخص جديد، لا يعرف على الأغلب، أن علي كان شخصًا حقيقيًا يسير في شوارع القاهرة، حاملًا أحلام يقظته على ظهره؛ تلك الأحلام التي قطعتها ضربة «الشومة» الإنجليزية في فبراير (شباط) 1935.

«وتدور الأيام المتوالية المجنونة.. في قلوب خضرا ونضرة ورقيقة ومعجونة.. بالعشق اللي ملهلب ولا صهدك يا بؤنة.. والحلم اللى مخضر أحلام العاشقين.. سريحة وبييعة وتلامذة في مدارس وصبايا أحلامها في العشق وفي الفارس.. وتلاقي من الشعب المتواري عالهامش، أبطال صيتهم يملى أسماع العالمين» *ألحان وغناء: عمار الشريعي.

إذًا من هو محمد بلال؟

تسببت ضربة العصا التي هوت على رأس علي طه عفيفي، في كسر بقاع الجمجمة، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة في مستشفى القصر العيني، بتاريخ الأحد 17 فبراير (شباط) 1935، وكانت الشرطة آنذاك تسرق جثث شهداء الانتفاضة، وتدفنها سرًا، حتى لا يتم تشييعها في جنازات شعبية، كما بينّا في الحلقة السابقة.

حدث ذلك مع الطالب محمد عبد المجيد مرسي، الذي سرقت الشرطة جثته ودفنتها في الإسكندرية سرًا، وكادت أن تفعل نفس الأمر بعد ذلك مع العامل إسماعيل الخانع الذي أطلقت عليه الشرطة الرصاص، وهو يجمع أدواته بعد انتهاء سرادق الاحتفال بشهداء مظاهرات 1935، وكادت الشرطة أن تدفن جثته في مقابر الصدقة، لولا أن أخيه كان مصاحبًا لجثته منذ لفظه لأنفاسه الأخيرة.

في حالة علي طه عفيفي، كان هناك شاب ثوري، في وسط فوضى الأحلام الكبرى، واشتعال الانتفاضة، والتخطيط للخطوات القادمة، قرر أن يحمي هو حلمًا صغيرًا جدًا؛ حلم مفاده أن تخرج جثة علي طه عفيفي، الذي لا تربطه به صلة قرابة أو صداقة، في جنازة شعبية تليق بجثمان شهيد.

محمد بلال، الطالب الوفدي بكلية طب القصر العيني، رياضي قوي البنية، مشهور بإجادته للسباحة والتجديف، كما أنه معروف بلقب «زعيم الشباب» في الحركة الطلابية آنذاك. حين علم بلال بأن شهيدًا جديدًا قد سقط في المظاهرات، يُدعى علي طه عفيفي، قرر أن يتحمل مسؤولية حماية الجثمان، حتى يتسلمه الشعب في جنازة مهيبة، ويزفه إلى عالم الأبدية، في موكب يليق به.

استطاع محمد بلال أن يسرق الجثة من مستشفى القصر العيني، بمساعدة اثنين من أصدقائه، وقام بإخفاء الجثمان بمدرج المحاضرات في كليته، وقد اهتزت وزارة الداخلية من حادثة سرقة الجثمان، الذي كانت تود سرقته ودفنه في الخفاء، حتى لا يخرج في جنازة شعبية، وبعد التحريات علمت الشرطة أن بلالًا قد يكون له علاقة بما حدث، فقامت بتفتيش منزله، ووجدوا ملابس عليها آثار دماء، لكنهم لم يجدوا جثمان علي طه عفيفي.

بطل

صورة لمحمد بلال، مصدر الصورة (اليوم السابع).


رفض محمد بلال أن يفصح عن مكان الجثة، وأكد أن الجثة لن تخرج إلا بعد أخذ التصريح بتشييعها في جنازة شعبية تليق بها، ولم تجد قيادات الداخلية مفرًا من ذلك، وأعطت تأكيدها لمصطفى باشا النحاس، على أن الجثمان سيُسمح بتشييعه في جنازة شعبية، وأخذ محمد بلال التأكيد من النحاس باشا، وأخبره بمكان الجثة.

خرج جثمان علي طه عفيفي في جنازة شعبية مهيبة، من شارع القصر العيني بالقاهرة، وقد شارك في الجنازة آلاف الطلبة والأهالي، من مختلف الطبقات الاجتماعية، وهم يبكون ويهتفون بالاستقلال.

في صبيحة اليوم التالي، أزاح طلبة كلية دار العلوم بالقاهرة الستار عن اللوحة التذكارية التي تحمل اسم شهيدهم علي طه، على بوابة مكتبة الجامعة، وتجمعوا في فناء الجامعة ليهتفوا ويغنوا بحماس بالغ، في حب الوطن، وحب علي.

في الواقع، منذ اللحظة التي لفظ فيها علي أنفاسه الأخيرة، تحول إلى بطل شعبي، في وجدان الشعب المصري؛ وكأن في اسمه سر دفين، ما إن يسمعه أحد حتى يرتبط بروحه مباشرة، ولك أن تتصور كون خبر قد نُشر في جريدة الجهاد، بتاريخ 4 ديسمبر (كانون الأول) 1935، يحمل عنوان: «عاطفة شريفة نحو أسرة الشهيد علي طه عفيفي»، يحكي قصة تدل على الأثر الذي تركه علي طه عفيفي في وجدان المصريين، فبعد شهر من وفاته، حضر مجموعة من طلاب مدرسة النيل الثانوية، إلى دار الجهاد، حيث ادخر طلاب المدرسة من مصروفهم ثمانية جنيهات، ليقدموها كهدية لأسرة الشهيد علي طه عفيفي.

البطل أحمد عبد العزيز.. ربيع النكبة

شارع في باب اللوق، وآخر من أشهر شوارع القاهرة في منطقة المهندسين، وثالث في الخانكة، ورابع في بنها، فضلًا عن مدارس في روض الفرج وعين الصيرة، ومنشية ناصر، وشارع فيصل ببولاق الدكرور، وأطفيح، وكفر شكر، ومحافظة الغربية، ودمنهور، والعريش، وفي غيط العنب بالإسكندرية، وفي المنوفية، وفي شبراخيت، وحتى في مدرسة بفلسطين في خان يونس. كل هؤلاء يحملون اسم «البطل أحمد عبد العزيز».

البطل أحمد عبد العزيز، هكذا يُقال الاسم في المحروسة، وكأنه اسمه الثلاثي، حيث صار لقب البطل جزءًا من اسمه، ولا أحد يحمل هذا الاسم الثلاثي في مصر سوى رجل واحد هو البطل أحمد عبد العزيز، الذي دافع عن الأراضي الفلسطينية حتى الرمق الأخير من عمره.

لكن الجديد هنا في قصة هذا البطل، أنه بخلاف دراويش المحروسة الذين ذكرناهم سابقًا، كان يرتبط بعلاقات قوية مع حركة الإخوان المسلمين، حتى أن بعض المؤرخين قد عدوه فردًا في الجماعة، فهو من قاد شبابهم المتطوعين في حرب فلسطين عام 1948.

«حينها كانت أمنيتي الوحيدة، أن أرى جسد امرأة عارية؛ كونت أرشيفًا ضخمًا من الصور، اشتريت عشرات وعشرات المجلات، لعلي أجد صورة واحدة لامرأة عارية بالكامل، لكن أيًا من هذه الصور لم تصل في الكشف إلى ما بين أسفل الصدر وأعلى الركبتين، وهو الحلم الذي تحقق لي بعد فترة بفضل مناحم بيجن!. في أحد الأيام اشتريت مجلة أجنبية مصورة، وبينما كنت أقلب في الصفحات، وجدتني أمام موضوع به صورة تتصدرها عشرات النساء العاريات.. كانت نساء فلسطينيات من أهالي قرية تدعى دير ياسين، قامت العصابات الصهيونية بتجريدهن من ثيابهن، ووضعهن على ظهر شاحنة عسكرية طافت بهن أنحاء القرية قبل أن يتم اغتصابهن ثم ذبحهن».

بهذه الكلمات البسيطة الخالية من الصراخ، وصف الروائي المصري صنع الله إبراهيم، على لسان بطل روايته أمريكانلي، الجرح الفلسطيني العربي. هذا الجرح الذي دفع البطل الشاب أحمد عبد العزيز لكل تلك التضحيات.

بطل

صورة للبطل أحمد عبد العزيز


«لما نشرتله أول صورة يشوفها الناس ليه، في صحيفة أخبار اليوم بالصفحة الأولى؛ الشعب المصري وقع في غرامه» هكذا حكى الصحافي المصري محمد حسنين هيكل، وهو يؤرخ لقصة تشكُل أحمد عبد العزيز كبطل من الأبطال الشعبيين، في قلوب أبناء المحروسة.

حين كان طفلًا لم يتعدَّ عمره الـ12 عامًا، سمح له والده، الضابط بالجيش المصري، وصاحب المواقف الشرسة تجاه الاحتلال البريطاني، بالخروج هو وأخيه الذي يكبره بعامين في مظاهرات 1919، وفي مظاهرة المراهقين الصغار، كان الطلبة يحملون أعلام وطنهم، وقد واجهتهم قوات الاحتلال، وأثناء المواجهة بين الطلبة وقوات الإمبراطورية العظمى، انتزع ضابط إنجليزي العلم من أحد الطلاب، وداس العلم بحذائه، فهجم «عمر» شقيق أحمد عبد العزيز على الضابط لينقذ العلم، فصرعه الضابط بضربة عنيفة على رأسه بمؤخرة البندقية، مات عمر على إثرها.

بطل

صورة للشهيد الطفل عمر عبد العزيز

كان أحمد عبد العزيز الأول على دفعته الحربية في كل سنوات الدراسة. كان قاسيًا جدًا على نفسه وعلى من حوله فيما يتعلق بالتدريبات البدنية، وشغوفًا بالقراءة والاطلاع فيما يتعلق بالجانب الفكري، معروفًا بالإيمان العميق بالإسلام والعروبة والوطن، فارسًا وسيمًا أشبه بأبطال السينما في زمانه، لم تفارقه أبدًا ذكرى أخيه، الذي قُتل طفلًا لمجرد أنه رفض إهانة علم وطنه. سيبحث عبد العزيز في كل حياته القادمة عن الانتقام ممن ينتهكون وطنه، ويكرهون إلى هذا الحد أن يُرفع علمه. أخو شهيد كعمر لا يمكنه أن يبحث في تلك الحياة عن شيء أقل من الموت شهيدًا وبطلًا.

بالنسبة لأحمد عبد العزيز، كان الجرح الفلسطيني هو الجرح المصري، والاستشهاد في القدس أو بيت لحم أو الخليل، تمامًا كالاستشهاد على أراضي المحروسة، فالأرض والجرح والعدو والسردية في الحالتين يخرجون من مشكاة واحدة، بالنسبة له. عاطفة جياشة كانت تتملكه تجاه القضية الفلسطينية، والمذابح التي تقوم بها «العصابات الصهيونية» تجاه الشعب العربي الأعزل هناك، فأحمد بطل شعبي لشعبين في الحقيقة، وقد سُميت الشوارع والمدارس باسمه في فلسطين كما في مصر.

في عام 1948، أرسل البكباشي أحمد عبد العزيز لوزير الدفاع المصري رسالة قال فيها: «يشعر الشرق كله والمصريون عامة، وضباط الجيش خاصة، بالعطف على قضية فلسطين، وعلى كفاح العروبة نحوها. إن الخطر الصهيوني يهدد منطقتنا، وإذا استفحل أمره، وقويت شكيمته فإنه سيهدد مصر من بين سائر الأمم، وسيكون من الصعب القضاء عليه حينها، ولذلك فإني أحس بالواجب الوطني يفرض علي أن أتطوع فورًا لخدمة فلسطين».

أمام إلحاحه، وباعتباره أول من أعلن التطوع في المحروسة للدفاع عن فلسطين، كلفت السلطة المصرية البطل أحمد عبد العزيز بقيادة المصريين الراغبين في التطوع للقتال دفاعًا عن الأراضي الفلسطينية. كان هذا بعد عامين من اشتعال انتفاضة الطلبة والعمال في مصر عام 1946، ويظهر من وثائق الخارجية المصرية في تلك الفترة، ومراسلاتها مع الحكومة البريطانية، أن السلطة وجدت في العاطفة الجياشة للشباب المصري تجاه القضية الفلسطينية، فرصة ذهبية للتخلص من الثوريين منهم، وتفريغ طاقة أحلامهم خارج حدود القطر المصري.

وضع القائد الشاب معايير بدنية قاسية للغاية، لقبول المتطوعين في جيشه، أصعب من معايير القبول في الحربية النظامية ذاتها. في إحدى الاختبارات أُعلنت النتائج، وكان الشاب أبو الفتوح عفيفي واحدًا ممن رُفضوا، وفشلوا في اجتياز الاختبارات البدنية. صُعق عفيفي وأخذ يبكي ويصرخ، بسبب الرفض وسقط على الأرض متوسلًا، وتم قبوله في النهاية نتيجة بكائه وصراخه، وقد سطر أبو الفتوح بعد ذلك ملاحم نادرة في قتال العدو، حيث كان في مقدمة الصفوف دائمًا يحدق في الموت دون خوف، وكبد العدو خسائر فادحة.

في الواقع، أكد ذلك أن روح المقاتل وصفاته الأخلاقية، أهم بكثير للجيش في ميدان المعركة من أي شيء آخر، ويذكرنا هذا بالقصة التي ذكرناها في الحلقة الأولى، فمحمد عبيد ويوسف خنفس كانا متقاربين للغاية، فيما يتعلق بالقدرات البدنية، لكن الضابط خنفس تعاون مع قوات الاحتلال للفتك بجيش بلاده في النهاية، بينما انصهر محمد عبيد على مدفعه، وتحول إلى بطل شعبي.

تحرك جيش أحمد عبد العزيز، الذي شكل المنتمين لحركة الإخوان المسلمين نسبة كبيرة منه، إلى فلسطين، وهناك سطر الجيش الضئيل بأسلحته التي لا تكافئ بأي حال أسلحة الأعداء، بطولات وملاحم وانتصارات متتالية، كانت أخبارها تتوافد على المحروسة، ليسكن البطل أحمد عبد العزيز في قلوب شعبها بحكاياته الملحمية، كبطل جديد من أبطاله، وحين نشر الصحافي المصري محمد حسنين هيكل صورة عبد العزيز بعد أن قابله، كانت تلك هي المرة الأولى التي يرون فيها وجه بطلهم، الذي كان حديث الساعة في البلاد.

لم يكن عبد العزيز، قائدًا عسكريًا شابًا لجيشه فقط، بل كان أبًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بحسب شهادات جنوده، ممن استكملوا الحياة بعد ذلك. كان يعرف كل جندي من جنوده، وكان مربيًا قبل أن يكون مقاتلًا، يستمع لهم ويقدم لهم النصائح في الحياة، ويحاول دائمًا أن يُخرج منهم ما هو أفضل بكثير مما يعتقدونه عن أنفسهم. كان يدون إعجابه بصفاء قلوبهم بينه وبين نفسه.

في إحدى تلك التدوينات، كتب عن شاب ضخم الجثة طيب القلب من جنوده، يُطلَق عليه «هيبة»، كتب عبد العزيز عنه: «هيبة.. هيبة يستطيع أن يفعل كل شيء يخطر على بال مخلوق، قدم للضباط في صباح أمس أكلة فول مدمس، لا أحد يدري كيف أعدها، في الظهر كان بين المهاجمين لمستعمرة رمات راحيل، وفي الليل كان مع فرقة من الفدائيين تسللت بديناميت لتنسف أحد أوكار اليهود».

بطل

صورة للجندي المصري المتطوع في حرب 1948 هيبة.


في كتابه «الإخوان المسلمون في حرب فلسطين»، يصف كامل الشريف البطل أحمد عبد العزيز بالآتي: «كان يتسم بجرأة خارقة وولع بالمخاطر، واعتداد بنفسه وشخصيته»، في الواقع كان البطل أحمد عبد العزيز يُعرض نفسه دائمًا للمخاطر بدلًا من جنوده، وقد أشفق عليه ضباطه من ذلك ونصحوه أكثر من مرة، أن يبتعد عن الإلقاء بنفسه في مواجهة الموت، لكنه كان يجيبهم دائمًا: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا».

ما سيتحدث عنه العديد من المؤرخين فيما بعد، أن الطبقات الحاكمة في العالم العربي آنذاك، قد تدخلت تدخلات سياسية مشبوهة في المعركة، وأن القيادات العسكرية العليا قد أعطت أوامر غريبة لجيوشها، ساهمت في إخراج حرب 1948 على هيئة الهزيمة العربية الفادحة التي خرجت عليها، وتحدث بعض المؤرخين فيما بعد، عن أن القاهرة كانت تحرك المعركة في فلسطين بتوجيه من بريطانيا، ويبدو أن عبد العزيز قبل أيام قليلة من استشهاده، كان يحمل رأيًا مشابهًا، فقد قال لصديقه على الجبهة، كمال الدين حسين: «إن ميدان الجهاد الحقيقي ليس هنا، وإنما في أرض الوطن، في مصر؛ فهناك ميدان الجهاد الأكبر».

استشهد البطل أحمد العزيز، قبل أن تبدأ القوات العربية بتكبد الخسائر الفادحة في حرب 1948، التي انتهت بالهزيمة التامة، حيث كان في طريقه إلى غزة، وكانت منطقة عراق المنشية مستهدفة من جانب القوات الإسرائيلية، وكانت الأوامر الصادرة للكتيبة العسكرية المصرية النظامية القائمة هناك، أن تطلق الرصاص، على أية عربة تمر في الليل، فأطلق أحد الجنود الرصاص على البطل أحمد عبد العزيز بالخطأ، ولفظ أنفاسه الأخيرة في الحال، لذلك يعتبر المؤرخ المصري صلاح عيسى، أن دم أحمد عبد العزيز يقع في رقبة الفوضى التي خلقتها الأنظمة العربية، حين أوجدت شكلين من أشكال النضال على الأراضي الفلسطينية، أحدهما نظامي والآخر تطوعي، ولم يوجد بينهما أي تنسيق كافٍ.

بطل

صورة للبطل أحمد عبد العزيز مع زوجته وابنه.


لقراءة الحلقة الأولى من السلسلة:

 

«دراويش المحروسة»: الشباب والأحلام في مواجهة الإمبراطورية العظمى


عرض التعليقات
تحميل المزيد