يحمل التراث القصصي العربي حكايات ونوادر وأقوالًا مأثورة، تتناول ظاهرة الشطار أو العيَّارين،  وهم فئة من الفقراء والجياع أنتجتهم سياسات الحكام وسوء تدبيرهم في عصور مختلفة؛ أعياهم الفقر والبطالة والنبذ الاجتماعي من الفئات الأعلى، فتمردوا على المجتمع وسعوا لنيل حقوقهم – الشرعية في رأيهم – بالقوة وبالحيلة، ونالوها بالفعل في كثير من الأحيان فصاروا قوة لا يستهان بها.

أشهر هؤلاء الشطار في الحكايات العربية هو علي الزيبق، الذي روت الأجيال بطولته، حتى إن الناس صاروا لا يعرفون إن كان الرجل حقيقيًّا أم بطلًا من صنع الخيال، فمن هو علي الزيبق، ومن هم الشطار الذين قادهم إلى قصر الخليفة العباسي لحمايته؟

الحثالة والغوغاء في تاريخنا

كانت بداية ظهور الشطار والعيارين في بغداد في أواخر القرن الثاني الهجري، حين ارتفعت الأسعار، واضطرب نظام الحياة، وانتشر الجوع، بينما كانت مخازن الحكام مليئة بالسلع والغذاء، فاتجه بعض العامة والسوقة للحصول على أقواتهم بمختلف الطرق وشتى الوسائل، وما لبثوا أن انتظموا في جماعات كبيرة صار لها شأن في المجتمع العباسي.

لغويًّا، تقال كلمة الشاطر لمن نزح عن أهله وأعياهم خبثًا ولؤمًا، والشطارة هي الانفصال والابتعاد، والعيَّار هو كثير التجوال والطواف الذي يتردد بلا عمل. وكان الشطار والعيارون يجوبون الأسواق ويفرضون سطوتهم أحيانًا فيستولون على بضائع أحد التجار بالسلب أو النهب، فكانوا من وجهة نظر الحكام جماعات مشاغبة تتحدى القانون والسلطة.

لكنهم على الجانب الآخر حظوا بإعجاب العامة، فتعاطفوا معهم أحيانًا وأشادوا بهم وتستَّروا عليهم أحيانًا أخرى، وإن لحق بعض العامة الأذى منهم في أوقات؛ إذ تضررت الأسواق، واختفت أموال الأغنياء بسبب تخوفهم من العيارين، مما زاد من الأسعار وألحق الضرر بالفقراء ومتوسطي الحال.

تلتقي ظاهرة الصعلكة في الجاهلية التي استوعبتها الذاكرة الشعبية، وبقيت حية ترويها الأجيال مع ظاهرة الشطارة والعيارة في المجتمع الإسلامي، كان الصعاليك هم شطَّار العرب في الجاهلية، فهم أيضًا انقسموا عن المجتمع وانفصلوا عنه، وتفرغوا للصوصية والإغارة على القبائل.

صورة من «مقامات الحريري» لبغداد في أواخر العصر العباسي (القرن الثامن ميلاديًّا).

رسم من «مقامات الحريري» يصور بغداد في أواخر العصر العباسي (القرن الثامن ميلاديًّا).

كان لكل صعلوك بواعثه بالطبع  – مثل الشطار والعيارين أيضًا – لكن فريقًا كبيرًا منهم كان هدفه رفع الظلم عن المظلومين وحماية المستضعفين، وهؤلاء هم من حظوا بإعجاب العامة، فرددوا حكاياتهم وبطولاتهم فتناقلتها الأجيال، وخضعت لما تخضع له الروايات الشفوية من تضخيم ومبالغة، وتداخل الواقع مع الخيال.

اقترن ظهور هذه الطبقات على مسرح الأحداث تاريخيًّا بالقلاقل السياسية، والانقلابات العسكرية، والفتن الداخلية، والأزمات الاقتصادية، وضعف الحكام، وكما يخبرنا الدكتور محمد رجب النجار في كتابه «حكايات الشطار والعيارين في التراث العربي»، فإن المصادر التاريخية تشير لهؤلاء المتمردين بلغة «متعالية» فتسميهم بالحثالة والسفلة والغوغاء والأوباش.

وإن أشار بعض المؤرخين في تعاطف معهم إلى أن ثوراتهم كانت لرفع الظلم وتحقيق العدل، وفرق بعضهم – مثل ابن الأثير – بين العيارين واللصوص.

كان العيارون و الشطار يتميزون عن باقي العامة بخوذ من خوص تغطي رؤوسهم الحليقة، وكانوا عراة لا يرتدون سوى مئزر في أوساطهم. وكانوا يضعون في أعناقهم الجلاجل والصدف الأحمر والأصفر، يمسكون الشادوفة، وتصحبهم الكلاب، وكان لمن ينضم إليهم مراسيم استقبال خاصة، يلبس فيها السراويل التي اختصوا بلبسها، وكانت تسمى سراويل الفتوة.

القصص الشعبية عن علي الزيبق

حفظ أدب الشطار العربي قصصًا لشخصيات بدت خيالية مثل ما ورد في «ألف ليلة وليلة»، و«سيرة علي الزيبق وأحمد الدنف وحكايات دليلة المحتالة»، لكنها جميعًا شخصيات حقيقية تمتلك واقعًا لا يختلف كثيرًا عن الحكايات.

تظهر شخصية علي الزيبق في التراث الشعبي في «ألف ليلة وليلة»، في الحكايات التي جُمعت باسم «حكايات علي الزيبق وأبوه حسن راس الغول وما جرى لهما مع دليلة المحتالة وابنتها زينب النصابة».

تاريخ

منذ 3 شهور
ابن مقلة.. إمام الخط العربي الذي فقد يده ولسانه بسبب السياسة

لاحقًا، تحوَّرت سيرة علي الزيبق لتظهر منفصلة ضمن مجموعة أخرى من السير الشعبية كان الناس يتسلون بسماعها تُغنِّى على الربابة في مقاهي القاهرة العتيقة، ومن أشهرها «سيرة بني هلال» و«سيرة الظاهر بيبرس»، و«سيرة عنترة بن شداد»، و«سيرة فيروز شاه» و«سيرة الأميرة ذات الهمة»، و«سيرة حمزة البهلوان»، و«سيرة الزير سالم».

تحكي تلك السيرة عن الصراع بين حسن راس الغول – والد علي الزيبق – والمقدم صلاح الكلبي على مقدمية درك مصر، الذي ينتصر فيه صلاح الكلبي بعد أن يقتل حسن بوضع السم في طعامه، وتخاف فاطمة زوجة حسن فتتخفى عند أبيها قاضي الفيوم، وهناك تضع مولودًا هو علي.

تبدأ فاطمة في إعداد علي ليكون فارسًا مثل أبيه، وترسله ليتعلم في الأزهر، لكن تستهويه أرض الرميلة  فيتعلم هناك الفروسية والضرب بالسيف، وتظهر مهاراته فيسميه الشطار الزيبق.

يلتقي علي بعد قليل برجال صلاح الكلبي الذين انتشر ظلمهم للناس في الشوارع والأسواق، وتبدأ حيل علي في رد الظلم عن الناس، ويتمكن من دخول قصر  صلاح الكلبي لينتقم منه – وهو لا يعلم أنه أيضًا قاتل والده. تحكي السيرة عن شجاعة علي وحيله في الاختباء من أعدائه وتسديد ضرباته إليهم دون أن يقع في أيديهم، فيخلِّص الناس من ظلمهم ويعود سالمًا.

الشطار في عاصمة الخلافة.. القصة الحقيقية

في الحقيقة، كان علي الزيبق ينتمي إلى جماعات العيارين في بغداد، التي عاشت في العصور الوسطى وشكَّلت نوعًا من المليشيات الشعبية، وكونت معارضة حقيقية ضد الحكام وطبقات الأثرياء.

ظلت الخلافة العباسية حتى عصر المعتضد بالله، تحكم القبضة على نشاط العيارين، وكان لهم دور في بعض المحن التي تعرضت لها الخلافة، مثل فتنة الأمين والمأمون التي امتدت لأكثر من عام، وبلغ عددهم فيها مائة ألف في المعركة الواحدة، وكان لكل عشرة منهم عريف يقودهم، ولكل عشرة عرفاء نقيب، ولكل عشرة نقباء قائد، ولكل عشرة قُواد أمير.

رسم من «مقامات الحريري» يصور بغداد في أواخر العصر العباسي (القرن الثامن ميلاديًّا).

ظهر العيارون والشطار مرة أخرى، حين استنجد الخليفة العباسي بعلي الزيبق لإخماد الفتنة التي نشبت في بغداد عام 443هـ بين السُّنة والشيعة وذكر المؤرخون ذلك؛ إذ لم يستطع الخليفة إيقاف الفتنة وكانت أول مرة يستنجد فيها رسميًّا بالعيارين، فأرسل إلى عيَّار من درب أهل ريحان، «واستُتيب عن الحرام»، وسلط على أهل الكرخ فقتل جماعة كبيرة منهم، ما أغرى العيارين باقتسام السلطة في بغداد.

ويشير ابن الأثير إلى أن الزيبق تمكن من الاستيلاء على السلطة في بغداد وجباية أسواقها عام 444هـ، وكان علي الزيبق مقدم العيارين في تلك الفترة.

وترجح المصادر التاريخية أنه انتُدب على رأس جماعته لحماية قصر الخليفة، ولعل هذا ما يفسر أن علي الزيبق كان العيار الوحيد الذي لم يصدر السلطان مرسومًا بقتله كما حدث مع كبار العيارين، وكتب ابن الأثير عن هذه الفترة أيضًا يقول: «انخرقت هيبة الخلافة وعظم انحلال أمر السلطنة بالكلية».

تاريخ

منذ 5 شهور
القصة الحقيقية وراء السيرة الهلالية.. حين حاربت الدولة الفاطمية ابن باديس

خلط للواقع بالخيال.. حين اختفت سيرة علي الزيبق من مقاهي القاهرة

اختلط الواقع بالخيال، وظلت السيرة تُروى في مقاهي القاهرة، وتُطبع بالمئات هي وغيرها من السير، التي بدت من وحي خيال كتابها، بعيدة عن القصة الحقيقية.

يذكر جاسبر دي شابول في كتاب «وصف مصر» كيف كان قرابة ألفي شخص تقريبًا يذهبون إلى المقاهي في القاهرة يوميًّا ليستمعوا إلى رواة القصص الشعبية، تُحكى أو تُغنى ويستمع إليها الناس في حماسة، إلى أن خفتت الأصوات شيئًا فشيئًا.

فسر الدكتور محمد سيد عبد التواب هذا التحول التدريجي في كتابه «سيرة علي الزيبق – المخطوطة المصرية النادرة 1880»، فقال إنه يعود لموقف الثقافة الرسمية من كتب السير الشعبية، حين رأت انتشارها الواسع.

ويذكر ما نشره محمد عبده في جريدة الوقائع المصرية عام 1881، واصفًا صورة الكتب المتداولة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، محذرًا من الأثر الفادح لكتب الأكاذيب الصِرفة، بينما أثنى على قرار الحكومة المصرية بمنع نشر كتب الفروسية العربية، وفي مقدمتها السير الشعبية مثل سيرة عنترة بن شداد، وأبي زيد الهلالي، وعلي الزيبق.

 

المصادر

تحميل المزيد