اكتشاف مسبار ناسا لغاز الميثان على المريخ يعد مؤشرًا لاحتمال وجود ميكروبات.

“قد تكون ملامح جغرافية عارِضة، أو حتى وجود حياة على المريخ هي تفسير وجود أعمدة الغاز المثيرة للاهتمام”.

في عام 2012، وصل مسبار كيوريوسيتي الذي أطلقته وكالة ناسا إلى المريخ، وحتى الآن اكتشف وجود بوادر حياة على سطح المريخ، قد تكون حياة ماضية أو حاضرة، علاوة على اكتشافه لنِسبٍ عالية من غاز الميثان، والتي من المرجح أن تكون أُنتِجَت بيولوجيًّا.

أفاد فريق كيوريوسيتي بسان فرانسيسكو التابع لناسا أنه فوجيء بانبعاث غاز الميثان بكميات كبيرة من فوهات على سطح المريخ؛ مما يزيد من احتمال وجود حياة ميكروبية فضائية على الكوكب الأحمر.

دلالات نسب الميثان المتغيرة

غاز الميثان أو الغاز الطبيعي الموجود على كوكب الأرض تُطلقه الميكروبات أثناء عملية هضمها الطعام. وقد أشار العلماء القائمون على مهمة المسبار إلى أنه من المستحيل الجزم بأن ارتفاع نسب الميثان على المريخ تعد دليلاً على وجود حياة بيولوجية أو جيولوجية على الكوكب.

يقول جويل ليفين – عالم كواكب بكلية وليام أند ماري بفيرجينيا- أن تلك النتائج محيرة للغاية، فإمّا أن يكون المريخ نشطًا جيولوجيًّا، وهو أمر مفاجئ تمامًا، أو يكون نشطًا بيولوجيًّا، والذي بالطبع سيكون له آثار عميقة.

على مدى العقود الماضية، استحوذت معدلات الميثان المتغيرة صعودًا ونزولاً في الغلاف الجوي المريخي على اهتمام العلماء لتعقب أي علامات لوجود حياة هناك. لذا أُذهِل العلماء عندما سجل مسبار كيوريوسيتي أول مكتشفاته بوجود ارتفاعٍ مفاجئ في معدلات الميثان يصل لعشرات الأضعاف في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013.

يصف كريستوفر وبستر – عالم كواكب وقائد فريق الدراسة– لحظة اكتشاف تلك الزيادة بأنها لحظة “ذهول”. في اجتماع الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي صرَّح وبستر لمجلة ساينس الأمريكية أن تلك الزيادة المفاجئة اختفت بعد ستة أسابيع.

وقد سجلت كيوريوسيتي إجمالي أربعة ارتفاعات حادة في تركيز نسب الميثان في الهواء المريخي خلال رحلتها. يقول سوشي آتريا – جامعة ميشيغان في آن آربور- إن تلك الزيادات استمرت لمدة أسابيعٍ قليلةٍ، ثم تباطأت معدلات الزيادة لفترات قليلة تاركة آثارًا على مساحة ما يقرب من 800 متر من مسار المسبار. مما يشير إلى أن مصدر تلك الانبعاثات هو فوهة محلية على الأرجح توجد شمال المسبار داخل غيل كريتر Gale crater.

إذا ما نحينا التفسيرات البيولوجية جانبًا، نجد أن التفاعلات بين المياه والصخور أيضًا قد تنتج الميثان، كما يمكن إنتاج الميثان جراء تفاعلات أشعة الشمس مع بقايا حطام النيازك المرتطمة بسطح الكوكب. وهو ما حذر منه فريق مسبار كيوريوسيتي كي لا يعوِّل البعض كثيرًا على وجود حياة اعتمادًا على وجود الميثان، إذ إن مصادره متعددة، ولكن يترك العلماء المجال مفتوحًا لإمكانية أن يكون مصدر الميثان هو الميكروبات.

أما بالنسبة للمصدر البيولوجي في مقابل المصدرالجيولوجي للغاز، يقول سوتشي إنه لا يمكن الجزم أيهما هو مصدر الميثانول على المريخ.
Gale Crater

“فوهة غيل المعروفة بغيل كريتر، المريخ”

أُحجية الميثان

“يعد اكتشاف الميثان في حد ذاته أمرًا محيرًا بغض النظر عن إمكانية وجود ميكروبات على المريخ”.

اللغز الأول يتمثل في الاختلاف بين التقديرات السابقة وما اكتشفه كيوريوسيتي مؤخرًا، إذ تشير تقديرات سابقة إلى أن الميثان وصل المريخ من قِبَل النيازك المرتطمة بسطحه، وعليه فالمفترض أن يستقر الغاز في الغلاف المريخي قرابة الـ300 عام؛ بينما اكتشفت كيوريوسيتي أن الغاز اختفى من الغلاف الجوي المريخي في غضون أسابيع.

اللغز الآخر يتمثل في أن كمية غاز الميثان المتواجدة في طبقة الغلاف الرقيقة من هواء المريخ تبلغ حوالي نصف المستوى المتوقع استنادًا إلى قياسات سابقة أُجرِيَت بالتليسكوب ومركبات فضائية أُخرى.

وعلى الرغم من تخوفات الباحثين العاملين بالمهمة، أعرب خبراء من خارج الفريق عن تفاؤلهم باحتمال اكتشاف وجود ميكروبات على المريخ مستقبلاً. فيقول فلاديمير – عالم جيوفيزيائي بالجامعة الكاثوليكية الأمريكية بواشنطن- أن كوكب المريخ كان خاملاً بركانيًّا على الأقل خلال بضعة ملايين من السنيين الماضية؛ مما يدحض المزاعم القائلة إن ارتفاع نسب الميثان المُفاجِئة أصلها جيولوجي.

بينما يرى كراسنوبولسكي أن البكتيريا المنتجة للميثان تعد المصدر الأكثر عقلانية كتفسير لوجود الميثان على المريخ.

ويتفق معه في ذلك ليفين فيراهن – لكن بحذر- على أن مصدر تلك الزيادات المفاجئة في نسب الميثان على المريخ هو ميكروبات مريخية.

لكن يقول آترياي حتى لو كانت الميكروبات هي مصدر الميثان، فهذا لا يعني بالضرورة وجود أي حياة على المريخ. فربما أُنتِج ذلك الميثان منذ سنوات عدة من قبل الميكروبات، أو حتى من قِبَل الصخور التي حُفِظت تحت سطح المريخ منذ بلايين السنين في بلورات غاز مجمدة، وربما استطاعت تلك البلورات الصعود ببطء إلى السطح وإطلاق الغاز، بينما يمر الكوكب بعوامل تعرية بسبب العواصف الترابية.

Mars Science Laboratory landing ellipse reduced.jpg
Mars Science Laboratory landing ellipse reduced” by NASA/JPL-Caltech/ASU/UA – [1], [2]. Licensed under Public Domain via Wikimedia Commons.

“الحائط الشمالي لغيل كريتر(Aeolis Palu) وفي الوسط جبل شارب (Aeolis Mons)”

ما زال الطريق طويلاً

فهل شَهِد التاريخ الكيميائي للكوكب المهجور حياة فيما مضى أم لا؟ وهل بإمكانه دعم حياة على سطحه الآن؟ هي أسئلة يأمل العلماء أن يجيبهم عليها مكتشفات مسبار كيوريوسيتي المُتَجوِّل الذي نجح في الهبوط على سطح المريخ في 2012 داخل نطاق غيل كريتر هبوطًا “مثيرًا” و”مرعبًا” حسب وصف علماء المهمة.

صاحب اكتشاف النسب المرتفعة للميثان اكتشافات أُخرى، فقد أفاد علماء المهمة ببوادر علامات لوجود كيمياء عضوية، إذ اكتشفوا لبِنَاتٍ بسيطة لجزيئات بيولوجية معقدة في عينة من الصخور الطينية التي أخذها المسبار.

يقول فريق كيوريوسيتي إن المسبار المُتَجوِّل حالته جيدة، وسوف يستمر في صعود جبل شارب Mount Sharp، وهو جبل ارتفاعه خمسة كيلومترات ناشئ من وسط حفرة جيل كريتر، وفي خلال سنة إلى ثلاث سنوات سيقوم بالبحث عن علامات لوجود كيمياء عضوية في طبقات الصخور.

إذا حالف المسبار الحظ، فقد تنطلق سحابة كبيرة بما يكفي من غاز الميثان تسمح للمسبار تمييز ما إذا كانت ذرات الكربون تحمل بصمة كيميائية تتماثل مع الحياة على الأرض أم لا.

لكن حذر جون جروتزينجر – رئيس الفريق العلمي القائم على المسبار من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا- من أن بحث المركبة كيوريوسيتي عن حياة على المريخ من المرجح دائمًا أن يأتي بنتائج غامضة غير مفَسِرة نظرًا لصعوبة إجراء قياسات علمية على الكوكب الأحمر.

ويضيف “علينا فقط احترام احتمالية وجود حياة هناك، وأن نستمر باستكشاف المريخ”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد