«دكتور ساسة»، (سلسلة علمية طبية)، يُقدمها «ساسة بوست»، أسبوعيًّا، كل أربعاء. تتناول السلسلة ـ في كل مرة ـ مرضًا مُختلفًا؛ لتعرض بصورة مُبسطة ماهيّته وأسبابه وأعراضه، وطرق الوقاية والعلاج منه، والأهم من ذلك أشهر المفاهيم الخاطئة عن هذا المرض. «دكتور ساسة» لا يعدك بخدمة بديلة عن استشارة الطبيب، لكنّه يعدك بخدمة معرفية، قد تُساعدك على الوقاية من الأمراض، أو الكشف عن الإصابة بها مُبكرًا، بما يكفي لعلاجها.

«ألزهايمر»، هو أحد أبرز أمراض هذا العصر، بلا استثناء، ويعد أحد أكبر الكوابيس التي تشغل عقول الكثير من الناس، وبخاصة كبار السن. بالطبع! فمن منا يود أن يصاب بفقدان ذاكرة، ينسيه أقرب الناس إليه، وجزءًا كبيرًا من حياته؟

ما هو ألزهايمر؟

مرض ألزهايمر، هو مرض مزمن يصيب الأعصاب المخية، متسببًا في تحلل تدريجي لخلايا الدماغ العصبية. ويتميز بأنه يبدأ تدريجيًا ببطء، ثم يزداد سوءًا مع مرور الوقت. وألزهايمر هو مسئول عمّا بين 60 إلى 70% من إجمالي حالات الخرف وضعف الذاكرة التي تصيب الإنسان.

هذا المرض ـ سُمّي ـ نسبةً إلى عالم النفس والطب الشرعي الألماني «ألويس ألزهايمر»، والذي كان أول من وصف هذا المرض عام 1906. وكان هذا الطبيب قد شخص أول حالة مصابة به عام 1901، وكانت امرأة تبلغ من العمر 50 عامًا، وتدعى «أوغستي ديتر»، وقام ألزهايمر بمتابعة حالتها حتى توفيت عام 1906، حين قام بنشر أول تقرير متكامل عن المرض ووصفه.

في عام 2015، بلغ عدد المصابين بألزهايمر حول العالم، حوالي 48 مليون شخص. غالبًا ما يبدأ هذا المرض مع كبار السن فوق عمر 65 عام، وهناك نسبة من 4 إلى 5% من الحالات هي حالات تظهر بها الأعراض في عمر مبكر نسبيًا. وقد تسبب هذا المرض، مع أمراض الخرف الشبيهة، في وفاة حوالي 486 ألف شخص حول العالم عام 2010. وألزهايمر هو واحد من أكثر الأمراض تكلفةً مادية.

الأعراض المبكرة الأكثر شيوعًا لهذا المرض، تتمثل في صعوبة تذكر الأحداث الأخيرة، وهو ما يعني فقدان الذاكرة قصيرة المدى، وبالتالي فقدان السنوات الأخيرة من حياتك بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ومع تقدم المرض يمكن أن تتضمن الأعراض مشاكل مع اللغة، وحدوث ارتباك للشخص، وتقلب في المزاج، وفقدان الدافع، وعدم القدرة على رعاية الشخص لنفسه، والانسحاب التدريجي للشخص من أسرته، والمجتمع المحيط به، نحو الانعزال.

ومع زيادة تقدم المرض يبدأ الجسم تدريجيًا في فقدان قدرته على أداء وظائفه الحيوية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى الوفاة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن سرعة تدهور المرض من بدايته حتى الوفاة تتفاوت من شخص إلى آخر، لكنها في المعتاد تكون بين ثلاث إلى تسع سنوات. وهو ما يعني عدة سنوات من العذاب، ليس فقط للمريض، ولكن لكل من حوله، من أهل وأصدقاء.

حتى الآن لا يعرف ما هو السبب الحقيقي لهذا المرض، ولا تزال قدرتنا على فهمه ضعيفة. ويعتقد العلماء أن 70% من عوامل الخطورة (وهي العوامل التي تزيد من احتمالية إصابة الشخص بالمرض، والتعرض لها معناه فرصة أكبر في الإصابة به) تتمثل في عوامل جينية، تتداخل فيها عدة جينات، وليس جينًا وحيدًا. وتشمل العوامل المسببة الأخرى وجود تاريخ من إصابات الرأس، والاكتئاب، وارتفاع ضغط الدم.

النسيان هو الرعب الأساسي لكبار السن


ويرتبط تطور المرض مع ما يسمى «اللويحات والتشابك» (plaques and tangles) الموجودة في الدماغ. وتستند عملية تشخيص هذا المرض على البحث في التاريخ المرضي، والبحث المعرفي، مع الإشاعات المختلفة، واختبارات الدم؛ لاستبعاد أي أمراض محتملة أخرى. وقد يحدث في البداية بعض الالتباس في الأعراض المبكرة للمرض مع أعراض الشيخوخة الطبيعية عند كبار السن.

ومن أهم طرق الوقاية من هذا المرض، ممارسة الرياضة وممارسة العمليات الذهنية المختلفة، بالإضافة إلى تجنب السمنة. ونؤكد هنا أنه لا توجد حتى هذه اللحظة أدوية معينة أو مكملات غذائية يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بهذا المرض في المستقبل.

وحتى هذه اللحظة، فلا يوجد أي علاج يمكن أن يوقف تقدم المرض، أو يقوم بعكس أعراضه، هذا على الرغم من بعض التحسن المؤقت في الأعراض الذي يمكن أن يشعر به بعض المصابين بالمرض. وعادةً ما يمثل مرضى ألزهايمر عبئًا على المحيطين بهم؛ وذلك لحاجتهم إلى رعاية دائمة، ومستمرة؛ مما يسبب بعض الضغوط النفسية والاجتماعية والمادية.

ويؤكد العلماء على أن التمارين الرياضية باستمرار، ربما تكون عاملًا مُفيدًا في تحسين بعض نتائج المصابين بالمرض. وهناك أدوية مضادة «للذهان»، يمكن استخدامها بغرض علاج بعض الأعراض المتعلقة بالحالة النفسية أو السلوكية للمرضى، لكن هناك الكثير من المتخصصين الذين ينصحون بتجنب مثل هذه الأنواع من الأدوية؛ وذلك لأن فائدتها المرجوة ضئيلة جدًا، مع زيادة المخاطر الخاصة بالوفاة المبكرة.

أساطير خاطئة

عدد ليس بالقليل من الأساطير والمسلمات الخاطئة التي بدأ الناس في نسجها حول هذا المرض المخيف:

1- ألزهايمر لا يحدث، إلا لكبار السن

بالطبع فإن غالبية مرضى ألزهايمر هم من كبار السن، وتحديدًا فوق سن الخامسة والستين، لكن هذا الأمر لا يعني أنه قد لايأتي لمن هم أصغر سنًا. فهناك حوالي 5% من المرضى تظهر عليهم الأعراض في فترات الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من عمرهم، وهو ما يطلق عليه اسم الظهور المبكر لأعراض ألزهايمر، والذي يكون في المعتاد ناتجًا عن عوامل جينية.

الناس الذين يصابون بالمرض غالبًا يكونون قد أصيبوا بالمرض في وقت مبكر، قبل ظهور الأعراض الحادة الخاصة بالمرض؛ ذلك لأن الأطباء لا يعتبرون الأعراض الأولية البسيطة هي من ضمن أعراض المرض؛ لأنها تحدث في عمر مبكر نسبيًا؛ فلا يتخيلون أنه ألزهايمر، لذلك فهم غالبا يعتقدون أن أعراضًا مثل: فقدان الذاكرة؛ هي نتيجة للإجهاد، لا أكثر.

2- أعراض ألزهايمر هي جزء من الأعراض الطبيعية للشيخوخة

بعض من أعراض فقدان الذاكرة التي تصيب كبار السن هي بالفعل جزء طبيعي لمرحلة الشيخوخة، ولكن أعراض مرض ألزهايمر، مثل عملية النسيان التي تتداخل مع أفعال الحياة الأساسية، وحالة الارتباك التي تصيب الشخصية، هي بالتأكيد ليست جزءًا من الشيخوخة المعتادة.

من الطبيعي أن تنسى المكان الذي وضعت فيه مفاتيحك من وقت لآخر، لكن كيف يمكن أن تنسى الطريق إلى العمل، والذي خضته آلاف المرات، وكيف يمكنك نسيان الفصل المناخي الذي تعيش فيه الآن، هذا النوع من النسيان يشير إلى مشاكل أكثر خطورة. وعلى عكس فقدان الذاكرة الخفيفة التي يمكن أن تحدث مع الشيخوخة، فإن مرض ألزهايمر يتسبب في خسائر متزايدة على مستوى الدماغ. فكلما اشتد المرض تدريجيًا، فإنه يزيل قدرة شخص ما على التفكير، وتناول الطعام، والحديث، وأكثر من ذلك.

3- ألزهايمر لا يسبب الوفاة

للأسف فإن مرض ألزهايمر هو سادس سبب للوفاة، في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال. وأولئك المصابون بألزهايمر يمضون ما بين ثلاث إلى تسع سنوات، وربما 10 سنوات، قبل الوفاة المؤكدة.

المريض في فترته الأخيرة تشتد به الأعراض إلى درجة مخيفة، فنجده ينسى طريقة تناول الطعام والشراب، ولا يمكنه فهم: لماذا هذا الألم البسيط عند محاولة بلع الطعام؟ وهو ما قد يؤدي إلى نقص حاد في المواد الغذائية التي يحتاجها الجسم. ألزهايمر يمكن أن يسبب أيضًا مشاكل في التنفس، والتي يمكن أن تصل إلى حد الالتهاب الرئوي، الذي غالبًا يكون قاتلًا.

4- هناك علاج للأزهايمر

هناك أدوية يمكن أن تساعد في تقليل حدة الأعراض التي تصاحب مرض ألزهايمر، لكن لا يوجد أي علاج ـ حاليًا ـ تُوُصِّل إليه لعلاج ألزهايمر بشكل كامل. هناك تحديدًا خمسة أنواع من الأدوية التي تقلل أعراض المرض، وهي «دونيبيزيل» و«غالانتامين» و«ميمانتين» و«ريفاستيجمين» و«تاكرين».

ألزهايمر يسبب مشاكل لكل من حولك


5- من الممكن الإصابة بألزهايمر بسبب الألومنيوم والفضة وغيرهما

من الممكن أن تكون قد سمعت البعض يردد عبارات مثل «أن قلي الطعام في أوعية ألومنيوم أو تناول العصير في أوعية ألومنيوم، أو أن سكر الدايت المحتوي على الأسبارتام، أو حشو الأسنان الداخل فيه مادة الفضة، أو حقن الوقاية من مرض الإنفلونزا يمكن أن تسبب مرض ألزهايمر». جميع هذا الكلام لا يوجد عليه أي دليل علمي، حتى هذه اللحظة.

6- الإصابة بألزهايمر يعني التوقف عن الحياة

إذا تم تشخيصك أنت، أو أي شخص تعرفه، بهذا المرض، فإنه يمكنك أن تعيش بشكل طبيعي لسنوات عديدة. اتباع نظام غذائي صحي للقلب، وممارسة الرياضة بشكل منتظم، والبقاء على اتصال اجتماعيًا، وفعل الأشياء التي تتحدى عقلك أيضًا، جميعها تساعد على إبطاء تطور المرض.

وفي حين أن الأدوية قد لا تعمل بشكل جيد مع الجميع، فهي الأكثر فعالية في المراحل المبكرة من المرض. وهذا هو السبب في التشخيص المبكر مهم.

7- أمي أصابها ألزهايمر وبالتالي فسأصاب به

مرض ألزهايمر المنتقل نتيجة الوراثة، لا يمثل سوى أقل من 5% من إجمالي حالات الإصابة.

8- يمكن منع الإصابة بألزهايمر

الحقيقة أنه لا يوجد علاج واحد يمكنه أن يمنع ذلك. لكن ممارسة الأنشطة العقلية والجسمانية، واتباع نظام غذائي صحي، والحد من التوتر ،والبقاء نشطًا اجتماعيًا، قد تساعد كلها على تقليل المخاطر الخاصة بك.

علاج محتمل لاستعادة الذاكرة

طبقًا لتقرير بحثي شارك فيه باحثون من معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وباحثون من معهد «ريكين» الياباني، فقد تمكنوا بالفعل من استعادة الذكريات المفقودة في الفئران، وذلك عبر استخدام أضواء ساطعة معينة.

وبالنسبة لمرضى ألزهايمر، فإن فقدان الذاكرة؛ يكون نتيجة لحدوث ضمور في منطقة «الحصين» (hippocampus) الموجودة في الدماغ، وهي المنطقة التي تلعب دورًا رئيسًا في عملية صناعة الذاكرة والذكريات؛ لذلك استخدم الباحثون ومضات ساطعة من الضوء الأزرق؛ بغرض تحفيز الخلايا العصبية في منطقة الحصين؛ عبر تشجيع المسارات العصبية في هذه المنطقة.

وقد أشارت الأبحاث التي أجريت على فئران التجارب نتائج إيجابية جدًا وممتازة على إمكانية إعادة تنشيط الخلايات المفقودة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد