يكثر الحديث مؤخرًا عن العمليات التي يقوم بها الجيش المصري في شبه جزيرة سيناء حتى أصبحت تحتل مساحة دائمة في نشرات الأخبار والإعلام المحلي والعالمي.

ما هي سيناء؟ وما هي أهميتها الاقتصادية والاسترتيجية؟ وما الذي يحدث بها؟

ما هو موقعها وجغرافيتها؟

تقع شبه جزيرة سيناء في الجزء الشمالي الشرقي من جمهورية مصر العربية. يحدها شمالًا البحر المتوسط وجنوبًا البحر الأحمر وشرقًا كل من خليج العقبة وإسرائيل وقطاع غزة وغربًا قناة السويس وخليج السويس.

تمثل 6% من إجمالي مساحة مصر الكلية.

هي الجزء البري الوحيد الواصل بين قارتي أفريقيا وآسيا.

سيناء مقسمة جغرافيًا لثلاثة أقسام. الجزء الشمالي عبارة عن سهول مستوية، والجزء الأوسط وهو عبارة عن هضبة تسمى هضبة التيه، والجزء الجنوبي وهو جزء مليء بقمم الجبال المدببة. بينما إداريًا فإن سيناء مقسمة إلى محافظتين هما شمال وجنوب سيناء.

سيناء محاطة بالمياه من جميع جوانبها عدا الجزء الشمالي الشرقي مع الحدود مع إسرائيل وقطاع غزة وهو ما يعطيها طبيعة منعزلة نسبيًا.

الولوج لشبه جزيرة سيناء من الأراضي المصرية يتم من خلال طريقين رئيسيين هما نفق الشهيد أحمد حمدي وكوبري السلام وهذا يتسبب في سهولة عزلها عن باقي الدولة.

نتيجة الطبيعة الوعرة في الجزء الأوسط والجنوبي من سيناء فقد نشأت مجموعة من الممرات الطبيعية التي تصل بين شرقها وغربها أشهر هذه الممرات ممر الجدي وممر متلا.


ما طبيعة سكانها؟

بلغ عدد سكان شبه جزيرة سيناء عام 2012م حوالي 554 ألف نسمة منهم 395 ألف نسمة في شمال سيناء و159 ألف نسمة في جنوب سيناء.

حوالي 98% من سكان سيناء هم من البدو.

أبرز القبائل البدوية الموجودة بسيناء هي قبيلة الترابين وهي القبيلة الأكبر والممتدة حتى منطقة النقب في إسرائيل يليها قبائل السواركة والتياها والعزازمة والحويطات.

جذور سكان سيناء تعود إلى فلسطين والجزيرة العربية والحجاز ونجد واليمن، وأغلب هؤلاء بدأت إقامتهم في سيناء بعد الفتح الإسلامي لمصر على يد عمرو بن العاص.

في القرن الماضي أتت بعض العائلات إلى سيناء من محافظتي الجيزة والشرقية.

ما هي أهميتها الاقتصادية؟

سيناء هي المورد الأول للثروة المعدنية في مصر. ففي جزئها الغربي تتدفق أنهار من البترول عبر الآبار الموجودة داخل وحول خليج السويس.

يصل إجمالي الاحتياطي من البترول في هذه المناطق حوالي مليون و162 ألف طن متري.

شرق سيناء مليء بعدد مميز من المعادن مثل النحاس والفوسفات والحديد والفحم والمنجنيز هذا بالإضافة لكميات من اليورانيوم.

تحتوي سيناء على أجود أنواع الفيروز الموجود بالعالم ولهذا أطلق عليها أرض الفيروز.

الزراعة في سيناء نشاط هام بالنسبة لسكانها بجانب الرعي والصيد حيث تقدر كمية الأراضي المزروعة بها حوالي 175 ألف فدان تنتج حوالي 160 ألف طن سنويًا من الفاكهة والخضار وحوالي 410 ألف إردب من الحبوب.

تقدر الثروة الحيوانية في سيناء بنحو 265 ألف رأس من الغنم والماعز والجمال وبعض الأبقار والجاموس.


ماذا عن السياحة في سيناء؟

تمثل السياحة الجانب الاقتصادي الأهم لسيناء حيث تحتوي على العديد من الخصائص الطبيعية والدينية الحضارية المميزة التي تجذب السياح.

مناطق جنوب سيناء حيث تعانق الجبال الشواطئ تعطي طبيعة مميزة ذات مشاهد خلابة. كما أن رحلات السفاري في مناطق البدو وسط الجبال تعتبر بمثابة تجربة مميزة.

سيناء تحتوي على عدد من المنتجعات السياحية المميزة مثل شرم الشيخ ودهب ورأس سدر ونويبع وطابا.

دير سانت كاترين هو أحد الأماكن السياحية الدينية المميزة وسط جبال سيناء.

تحتوي سيناء أيضًا على عدد من مراكز الاستشفاء مثل عيون موسى وشواطئ الرمال الغنية بالعناصر العلاجية للأمراض الجلدية.


ما هي أهميتها الاستراتيجية؟

سيناء بمثابة عمق أمني استراتيجي لمصر على حدودها الشرقية، ومع اعتبار أن العدو الرئيسي لمصر يقع على حدودها الشرقية فتكتسب سيناء أهمية بالغة للأمن القومي المصري.

مع حفر قناة السويس اكتسبت سيناء أهمية إضافية نتيجة لتحكمها في خط التجارة العالمية بين الشرق والغرب.

سينا أيضًا هي همزة الوصل البرية بين قارتي آسيا وأفريقيا مما كان له أبلغ الأثر في حركة التجارة بين القارتين.

كيف ترى إسرائيل سيناء؟

تعتبر القيادة الإسرائيلية قناة السويس حدًا آمنًا لإسرائيل وخط حماية هامًا وذلك لأن شبه جزيرة سيناء يمكن إعادة احتلالها من قبل إسرائيل بسهولة في أي وقت. تعتبر سيناء بأكملها منطقة عازلة بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية حيث توجد قوات محدودة غربي الحائط الغربي لسيناء، وقوات خفيفة شرقه، دون أي دفاع جوي مؤثر أو قوات جوية مقاتلة.

هذه الأمور تجعل لإسرائيل القدرة على العودة لأوضاع ما قبل عام 1973م قبل أن تنتقل القوات المصرية من غرب قناة السويس لشرقها.

في حال نشوب صراع مسلح بين القوات الإسرائيلية والقوات المصرية سيكون ذلك أساسا على أراضي شبه جزيرة سيناء، وقد تمتد إلى غرب القناة تأكيدا للغرض النهائي لحدود إسرائيل إلى نهر النيل، حيث المقصود بالنيل هو منطقة وادي العريش وليس نهر النيل نفسه. وتشير هذه الخريطة لمملكة داوود عند وفاته وهي ذات حلم إسرائيل الآن طبقًا لما جاء في سفر التكوين.

بالطبع ليس من صالح إسرائيل أن تكون العلاقة بين أهالي سيناء والحكومة المصرية جيدة لذلك سيكون عليها جلب التوترات بين الجانبين.

طبقًا لاتفاقية كامب ديفيد فقد وضعت إسرائيل عددًا من الضمانات التي تتيح لها الحفاظ على أمنها القومي مثل ألا تعوق مصر حرية الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة عبر وجودها في سيناء، وأن يضمن ذلك وجود عسكري دولي على المضايق، وألا تكون شبه جزيرة سيناء مصدرًا لأعمال مضادة لإسرائيل، ويمكن مساعدة السلطات المصرية وخاصة الشرطة على ضمان ذلك، دون تغيير جوهري في القيود المفروضة على القوات المسلحة.

ما هي الجماعات “المتطرفة” في سيناء؟

توجد في سيناء بعض الجماعات المتشددة التي تعمل ضد الحكومة المصرية وضد إسرائيل أيضًا، ولعل هذا هو السبب وراء موافقة إسرائيل على دخول بعض قوات الجيش المصرية لسيناء بالمخالفة لاتفاقية كامب ديفيد.

وطبقًا لتقارير إعلامية مصرية فإن أبرز الجماعات المتطرفة في سيناء والتي تعمل ضد الحكومة تتمثل في جماعة أنصار بيت المقدس وشورى المجاهدين واللتان توجه لهما الحكومة اتهامات بالانتماء لقطاع غزة وحركة حماس دون أدلة واضحة.

كذلك يوجد تنظيم الرايات السوداء والجهادية السلفية والتكفيريون.

وتشير التقارير إلى أن هذه الجماعات استغلت حالة الفراغ الأمني في سيناء في نشأتها وتطوير نفسها.

جماعة أنصار بيت المقدس سبق أن أعلنت مسؤوليتها عن عدد من أعمال العنف في العام الماضي داخل مصر مثل حوادث تفجير مديرية أمن القاهرة والمنصورة. ومن ناحية أخرى فالاتهامات تشير إلى التنظيم التكفيري في قيامه بتفجيري طابا وشرم الشيخ عامي 2004م و2005م.

هناك أيضًا تنظيم الرايات السوداء والذي استهدف قسم شرطة ثان العريش وقام بقتل عدد من ضباط الجيش والشرطة في شهر يوليو عام 2011م، كما ينسب لهم تفجير ضريح الشيخ زويد في ثلاث مناسبات.

لكن المثير في الأمر هو عدم وجود أدلة واضحة تقدمها الحكومة تجاه هذه التنظيمات وكل ما يظهر هو بيانات على شبكة الإنترنت غير ذات دليل قاطع.

ما هي أبرز الأحداث الإرهابية وما هو رد الحكومة عليها؟

منذ ثورة 25 يناير تزايدت أعمال العنف في سيناء من قبل الجماعات المتشددة قوبلت بردود أمنية قاسية من قبل الحكومة المصرية.

البداية كانت مع “عملية النسر” التي انطلقت في 14 أغسطس 2011م لمواجة الجماعات الإجرامية والمتشددين الذين يشتبه في مسؤوليتهم عن تفجيرات أنبوب تصدير الغاز إلى إسرائيل وعن هجوم على قسم للشرطة في مدينة العريش، وذلك بعد إعلان تنظيم يطلق على نفسه اسم “جيش تحرير الإسلام” اعتزامه تحويل سيناء الى إمارة إسلامية.

نشرت القوات المسلحة المصرية نحو 1000 جندي في سيناء لإعادة النظام إليها، وذلك بعد التشاور مع الجانب الإسرائيلي طبقا لإتفاقية السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل. وقامت القوات بشن حملات مداهمة واعتقال للعديد من سكان سيناء.

في يوم 5 أغسطس عام 2012م نصب كمين لمجموعة من الجنود في قاعدة عسكرية مصرية في شبه جزيرة سيناء، مما أسفر عن مقتل 16 جنديًا مصريًا وسرقة مدرعتين مصريتين حيث تسلل المهاجمون بهما إلى إسرائيل، واقتحموا معبر كرم أبو سالم في إسرائيل، وانخرطوا في معركة بالأسلحة النارية مع جنود من جيش الدفاع الإسرائيلي، فقتل ستة من المهاجمين خلال تبادل إطلاق النار ولم تكن هناك إصابات بين الجنود الإسرائيليين.

أدى ذلك إلى إطلاق الجيش المصري لقيادة حملة عسكرية بالتعاون مع الشرطة وسلاح الجو بهدف اجتياح سيناء والقضاء على الجماعات المتشددة. أسفرت هذه العملية عن قتل 32 مسلحًا وإلقاء القبض على 38 آخرين.

في مايو عام 2013م، تم اتخاذ عدد من ضباط الشرطة كرهائن من قبل البدو المسلحين في سيناء، حيث قام المسلحون بتصوير الضباط وهم يستنجدون ورفعوا الأشرطة على الإنترنت. جمعت الحكومة المصرية قوات الأمن في شمال سيناء في محاولة لتأمين الإفراج عن المختطفين. تم إطلاق سراح الرهائن في 22 مايو بعد محادثات بين الخاطفين والبدو.

بعد الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي تزايدت حدة عمليات العنف في سيناء حتى ربط البعض بين هذه العمليات والإخوان المسلمين وهو ما نفته جماعة الإخوان. نتيجة لذلك قامت الحكومة المصرية بإطلاق عملية عسكرية في سيناء.

وقعت 39 هجمة إرهابية في شمال سيناء في الأسبوعين التاليين للانقلاب. حيث لقي 52 شخصًا من المسلحين والمدنيين وستة من أفراد الأمن حتفهم. وشهد يوم 15 يوليو أعلى الإصابات بين المدنيين، عندما تعرضت حافلة مخصصة لنقل عمال إلى شركة أسمنت العريش  لهجوم مسلح تسبب في مقتل خمسة أشخاص وأصيب 15 آخرين.

ما هو إجمالي الخسائر البشرية في سيناء؟

منذ ثورة 25 يناير حتى اليوم قتل 149 من قوات الجيش والشرطة المصرية في سيناء، بينما تم قتل 329 من المسلحين في عمليات الجيش المصري بسيناء.

كذلك فقد قتل 13 أجنبيًا منهم 10 إسرائيليين و3 كوريين كما قتل 32 مدنيًا.


ما هي أبرز الأحداث التاريخية الهامة التي مرت بها؟

بداية الحروب في سيناء كانت مع قدوم الحملات الصليبية عندما قام أحد حكام بيت المقدس الصليبيين بالتوغل في منطقة وادي عربة من أجل السيطرة على مناطق جنوب البحر الميت ووصلت هذه الحملة إلى إحدى الجزر بخليج العقبة المطلة على سيناء لكن رهبان دير سانت كاترين رفضوا استضافة هذه الحملة خشية انتقام الفاطميين الذين كانوا يحكمون مصر آنذاك.

عام 1181م تعرضت مدينة العريش لهجوم الصليبيين وذلك في محاولة من رينالد من شاتيون حاكم حصن الكرك للسيطرة على البحر الأحمر لكن الحملة فشلت نتيجة تدخل صلاح الدين.

خلال الحملة الفرنسية على مصر تعرضت العريش لهجوم فرنسي من الجنرال رينيه من أجل الاستيلاء عليها تمهيدًا لغزو الشام وهو ما تم بالفعل عام 1799م.

شهدت شبه جزيرة سيناء عددًا من الأحداث العسكرية الهامة في القرن الماضي مثل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م. حيث شنت كل من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل حربًا في منطقة قناة السويس من أجل استعادة السيطرة على القناة التي قام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتأميمها. خلال هذه الحرب اجتاحت القوات الإسرائيلية سيناء بريًا بينما قامت فرنسا وإنجلترا بعمليات إنزال جوي على مدن القناة الثلاثة السويس والإسماعيلية وبورسعيد.

حرب أخرى شهدتها سيناء كانت نكسة عام 1967م عندما تمكنت إسرائيل من احتلال شبه جزيرة سيناء بالكامل ووقف العمل بقناة السويس وإقامة تأمينات دفاعية قوية أبرزها خط بارليف المقام على الضفة الشرقية للقناة. استمر الاحتلال لمدة 6 سنوات كاملة.

عام 1973م شهدت سيناء حرب أكتوبر المجيدة التي تمكن فيها الجيش المصري من عبور قناة السويس باتجاه سيناء والاستيلاء على الجانب الغربي منها ثم الدخول في مفاوضات من أجل انسحاب إسرائيلي كامل منها.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد