منذ خطف المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة في مدينة الخليل جنوب الضفة المحتلة في حزيران/يونيو من العام الجاري، على يد مجموعة فلسطينية لم تعرف هويتها بعد، أخذت قوات الاحتلال الإسرائيلي تشدد من قبضتها حول المدينة ومدن الضفة المحتلة، بما فيها القدس الشريف، تحسبًا لعمليات مماثلة.

خطف المستوطنين، شكل ضربة قاسية داخل الأوساط الإسرائيلية آنذاك، والتي لم تكن تتوقع حدوث ذلك، مما جعلها تحكم السيطرة على كل مداخل الضفة المحتلة، وأراضي الـ48، فضلًا عن حملات الاعتقال الواسعة في صفوف الفلسطينيين، وخلايا “الإرهاب”، وكل من له علاقة بالعملية.

امتص الإسرائيليون الغضب لبرهة من الوقت، لكن سرعان ما جاء الرد من قبل “قطعان” من المستوطنين، عقب حرقهم للفتى محمد أبو خضير أواخر الشهر نفسه، وهو خارج لصلاة الفجر، الأمر الذي جعل المدينة وجل فئاتها ينتفضون مطالبين بالثأر لأبي خضير.

هدأ الغضب في القدس المحتلة لأيام معدودة، بعدما شنت إسرائيل حربًا ضروسًا على قطاع غزة في السابع من تموز/يوليو الماضي، حتى السادس والعشرين من آب/أغسطس، حينها خفت التضامن الشعبي محليًا ورسميًا مع أحداث الضفة، وأخذت العيون ترنو نحو غزة.

وخلال الشهرين الماضيين، اقتصرت أحداث القدس، على فعاليات هنا وهناك، وسط اتساع رقعة الانتهاكات الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى، والمخططات التهويدية، دون حسيب أو رقيب، أو حتى عتاب على ما يجري بحق سكانها.

لكن، خلال الأيام القليلة الماضية، وتحديدًا أثناء قيام مستوطن إسرائيلي بدهس فتاتين فلسطينيتين أدى إلى استشهاد إحداهما وهي إيناس خليل، اشتعلت كل مدن الضفة المحتلة، احتجاجًا على “العنجهية” الإسرائيلية بحق الأطفال.

عملية الدهس

 لكن، الانتقام والثأر لما يجري بحق الطفلة، جاء سريعًا على يد الشهيد العشريني عبد الرحمن الشلودي الذي نفذ عملية دهس مجموعة من المستوطنين، أدت إلى مقتل مستوطنة وإصابة عدد آخر، فيما تواصلت حملات الاعتقال في صفوف المواطنين بالضفة.

وحتى الآن ما تزال الاحتجاجات الفلسطينية المستمرة أقرب إلى “مقاومة شعبية بالوسائل السلمية” تشبه الاحتجاج على بناء الجدار الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية، أي أنها حركة احتجاج شعبية محدودة العنف، إلا أن ما يزيد في رفع درجة التوتر ويفاقم فيه تعدد حوادث اعتداء المستوطنين اليهود على السكان العرب، ومحاولاتهم تخريب أراضيهم وحقولهم.

في المقابل، فإن محللين سياسيين رأوا، أن الاضطهاد الذي يواجهه أهالي القدس سيؤدي لا محالة إلى ثورتهم، والقيام بشكل دائم بتنفيذ عمليات مشابهة لما قام به عبد الرحمن، حسب قولهم.

غير آمنة

 وحتى المسؤولين الإسرائيليين حملوا في الوقت نفسه المسؤولية عن هذه العملية للطرف الفلسطيني، حيث قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعالون: “إن العملية جاءت نتيجة للدعوات المتتالية التي يطلقها الفلسطينيون للرباط في المسجد الأقصى”.

واعتبر يعالون أن القدس غير آمنة، وهي مشتعلة وقابلة للمزيد من الاشتعال، وتنتظر المزيد من العمليات الفردية والمواجهات القوية مع قوات الاحتلال واتساع رقعتها الجغرافية.

وحذرت الصحف الإسرائيلية في مقالات تحليلية من أبعاد ما أسمته “التدهور الأمني” في القدس، والمتصاعد منذ اختطاف وقتل الفتى محمد أبو خضير، متوقعة أنه في حال إقدام الاحتلال على المس بالوضع الراهن في البلدة القديمة، خاصة في محيط الحرم القدسي، من شأنه الوصول إلى الضفة الغربية وجر انتفاضة ثالثة.

وكان وزير الأمن الداخلي يتسحاق أهرونوفيتش، قد أعلن عن تعزيز قوات الشرطة وحرس الحدود في القدس، حيث ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية أن الحادث دفع الشاباك إلى الصورة وسيبدأ بتصعيد نشاطه شرق القدس.

أمام هذه الإجراءات والحراك الشعبي المتقطع من فترة لأخرى، يزداد الحديث عن احتمال اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، لكن حتى الآن لم تعرف أداوتها وآلياتها، في ظل ضبابية المشهد الفلسطيني القائم، والمتزامن مع حالة الانشغال العربي والدولي بقضاياه الداخلية.

انتفاضة محلية

وفي السياق نفسه، ذكرت جريدة الحياة اللندنية على لسان الكاتب الفلسطيني أسعد تلحمي، أن كلمة “انتفاضة ثالثة” طغت على عناوين وسائل الإعلام العبرية وتحليلات معلقيها تعقيبًا على حادث الدهس في القدس المحتلة، ومقتل الطفلة المقدسية، وثار جدل فيما إذا كانت الانتفاضة انطلقت حقًا أم أنها على الأبواب.

وشكك معلقون بارزون في أن تنجح “الوسائل القمعية” التي تستخدمها شرطة الاحتلال في إخماد النار الملتهبة في القدس المحتلة منذ أشهر، وتحديدًا منذ خطف الشاب محمد أبو خضير وحرقه حيًا.

وأشاروا إلى حقيقة أن غالبية المشاركين الفلسطينيين في الأعمال الاحتجاجية ورشق الحجارة هم من الفتيان، وأن اعتقال المئات منهم لم يردع باقي الفتية عن مواصلة الأعمال الاحتجاجية. وحذروا من أن عدم احتواء الأوضاع بسرعة سيشعل الضفة كلها.

إلى ذلك، نبّه معلقون من أن استمرار استفزازات اليهود المتطرفين في المسجد الأقصى وتكثيف الاستيطان في قلب الأحياء الفلسطينية سيشعلان القدس كلها ويعلنان رسميًا اندلاع الانتفاضة.

وتحت عنوان “افتحوا أعينكم: انتفاضة”، اعتبر نداف شرغاي في صحيفة إسرائيل اليوم ما يحدث في القدس انتفاضة آخذة في التحول التدريجي من انتفاضة شعبية بالسلاح الخفيف إلى انتفاضة بالسلاح الحي.

وفي الصحيفة ذاتها، دعا دان مرغليت إلى عدم السكوت على الوضع الأمني في القدس وفرض الأمن بالقوة حتى وإن استدعى الأمر قتل من يحاول إلقاء الحجارة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد