في الخامس من يناير (كانون الثاني) 2017، أعلن البنك المركزي المصري عن قفزة قياسية في الديون الخارجية للبلاد؛ لتصل إلى 60.152 مليار دولار، بنهاية الربع الأول من العام المالي الجاري، أي ما بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول)، بعد أن كانت 46.148 مليار دولار في نهاية الربع الأول من العام المالي السابق؛ ما يعني ارتفاع الدين الخارجي لمصر بنحو 14 مليار دولار خلال عام.

وفي نفس اليوم، أظهرت النشرة الشهرية لنوفمبر (تشرين الثاني) الصادرة عن البنك المركزي، وصول إجمالي الدين العام المحلي للبلاد، إلى 2.758 تريليون جنيه (152.3 مليار دولار) بنهاية سبتمبر (أيلول)، مقارنة بـ2.619 تريليون جنيه بنهاية يونيو (حزيران)، وذلك بارتفاع نسبته 5.3%. ويذكر أن السنة المالية في مصر تبدأ من أوّل يوليو (تموز)، وتنتهي في 30 يونيو (حزيران).

وتكشف هذه الأرقام عن أن الدين العام المصري وصل إلى 3.8 تريليونات جنيه؛ وهو ما يعني أنه قد تجاوز الناتج المحلي الذي سجل 3.2 تريليونات جنيه؛ لتكون نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي نحو 118% من الناتج المحلي، وبالرغم من ارتفاع هذه النسبة، إلا أنه من المتوقع أن تسجل قفزة أكبر في الربع الثاني من العام المالي الجاري؛ وذلك لأن الحكومة قد توسعت بالاقتراض خلال الأيام الماضية.الأرقام التي أعلن عنها البنك المركزي، لم تتضمن قرض صندوق النقد الدولي، وكذلك القروض التي طلبها الصندوق لتسهيل الحصول على القرض، بالإضافة إلى الشريحة الثانية من قرض البنك الدولي، والسندات الدولية التي طرحتها البلاد؛ وهو ما يعني أن الديون الخارجية قد اقتربت من عتبة 70 مليار دولار.

نسب صعود ديون مصر تلك، وبالرغم من ضخامتها، إلا أن المخاوف الأكبر تأتي من ناحية الزيادة الكبيرة في خدمة هذه الديون «فوائد وأقساط»؛ إذ أعلن البنك المركزي أن أعباء الدين الخارجي لمصر، قفزت بنحو 184.8% من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) العام الماضي، مسجلة خلال أول ثلاثة أشهر من العام المالي الجاري لحوالي 2.458 مليار دولار مقابل 863 مليار دولار في نهاية العام المالي الماضي.

في المقابل تقترب أعباء الديون من أقساط وفوائد في موازنة 2017/2016، من 300 مليار جنيه، بنحو 30% من الإنفاق في الموازنة، إلا أن هذا الرقم مرشح للزيادة؛ بسبب التوسع الحكومي في الديون المحلية والخارجية.

الباحث في الاقتصاد السياسي بجامعة لندن، «محمد مسلم»، يرى أن المعيار الذي يكشف مدى خطورة وضع هذا الديون «هو قدرة الاقتصاد المصري على توليد موارد كافية من النقد الأجنبي لسداد تلك الالتزامات المتنامية».

ولتحليل هذا المعيار الذي تحدث عنه مسلم، يجب النظر إلى الموارد الدولارية التي ستدخل البلاد، وذلك من خلال المصادر الرئيسة، وهي: «السياحة والاستثمارات الأجنبية والصادرات وقناة السويس».

السياحة

تعتبر السياحة أحد أهم المصادر الأساسية للنقد الأجنبي في مصر، ويعد ارتفاعها مؤشرًا على سلامة الاقتصاد المصري، والعكس صحيح، إلا أنها تعاني انخفاضًا حادًا في السنوات الأخيرة؛ إذ تراجع أعداد السائحين خلال العام 2015/2016 وصولًا إلى 6.9 مليون سائح مقابل 10.2 مليون سائح عام 2014/2015.

كما انخفضت الإيرادات السياحية لتصل 2.8 مليار دولار عام 2015/2016 مقابل 7.4 مليار دولار عام 2014/2015، وبحسب بيانات البنك المركزي فقد تراجعت الإيرادات السياحية بمعدل 56.1% خلال الربع الأول من العام المالي الجاري.

الاستثمارات الأجنبية

تُعوّل الحكومة المصرية على جذب خطوة تعويم الجنيه، للكثير من الاستثمارات الأجنبية؛ إذ إن التعويم كان طلب المؤسسات المالية العالمية وصناديق الاستثمار الدولية، إلا أن المحللين يؤكدون أن نسبة الزيادة في الاستثمارات لن تكبح جماح الديون.

التقرير المالي لوزارة المالية لنوفمبر (تشرين الثاني) 2016، أظهر أن معدل الاستثمار الكلي سجل نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة ضعيفة مقارنة بالطلب الكلي، الذي تلجأ البلاد لتغطية من خلال الاستيراد الذي يتجاوز الـ70% من احتياجات مصر.

الصادرات

وتعد الصادرات معيارًا جوهريًا لقياس قدرة البلاد على توليد موارد كافية من النقد الأجنبي لسداد تلك الالتزامات المتنامية، إلا أنها تعاني كغيرها من الموارد الأساسية، وهو ما يقوض فرص خفض نسب الديون في المستقبل القريب.

وفقدت الصادرات المصرية نحو 3.3 مليار دولار؛ إذ انخفضت إلى 18.7 مليار دولار عام 2015/2016، مقارنة بـ22 مليار و245 مليون دولار في عام 2014/2015، وهو ما يضاعف العبء على قدرة البلاد على سداد الالتزامات المتنامية.


قناة السويس

في نفس الاتجاه، تواصل إيرادات قناة السويس انخفاضها على مدار السنوات الماضية؛ إذ كشفت بيانات ميزان المدفوعات الصادرة عن البنك المركزي، تراجع إيرادات القناة خلال الربع الأول من العام المالي الجاري بنسبة 4.8%، مسجلة نحو 1.3 مليار دولار في شهور يوليو (تموز) وأغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) من عام 2016، مقارنة بـ1.4 مليار دولار في نفس الفترة من العام الماضي.

ما الذي سيحدث عندما تتراجع المصادر وترتفع الديون؟

كلما ارتفعت الإيرادات الدولارية، كان هناك معدل من الأمان إزاء هذه الديون، وجعل البلاد تتوقف عن الاستدانة، أما في حالة الانخفاض، وهو ما يحدث حاليًا، ستلجأ الحكومة إلى الاقتراض لسداد الديون، وهي تمثل دائرة مفرغة يصعب الخروج منها.

وبالفعل دخلت الدولة في هذه الدائرة؛ إذ قال محافظ البنك المركزي المصري، «طارق عامر»، في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2016، «إن قرضي البنكين الدولي والإفريقي، وقيمتهما الإجمالية 1.5 مليار دولار، لن يضافا إلى الاحتياطي النقدي، وإنما ستسدد بهما التزامات حكومية، بينها ديون».

وأوضح عامر خلال تصريحات له، أن هذه القروض ستستخدم في سداد اعتمادات استيراد الوقود والغاز المسال لمحطات الكهرباء، واعتمادات وزارة التموين، وسداد مديونيات على الحكومة والتزاماتها العامة للتشغيل وصيانة مشروعات محطات الكهرباء.

دور التضخم والفائدة في رفع الديون

سجلت معدلات التضخم في مصر مستويات غير مسبوقة؛ إذ أعلن البنك المركزي المصري في التاسع من يناير (كانون الثاني) الجاري، وصول المعدل السنوي للتضخم الأساسي إلى 25.86% في ديسمبر (كانون الأوّل) الماضي مقابل 20.73% في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وقال الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في نفس اليوم، إن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين شهريا بنسبة 3.13% خلال شهر ديسمبر (كانون الأوّل) الماضي، مقابل ارتفاع قدره 4.85% خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

ومع الارتفاع الكبير في نسب التضخم من المتوقع أن يرفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة مرة أخرى، وذلك بعد أن رفعها عدة مرات خلال 2016، إلى 14.75 و15.75% في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو ما سيزيد من الفائدة على الديون فترتفع أكثر.

ووفقًا لنتائج الخميس الماضي، 12 يناير (كانون الثاني) الجاري، وصل العائد على أذون الخزانة (القروض الحكومية) أجل 182 يوم إلى 20.1%، فيما سجل العائد على أذون الخزانة أجل 357 يوم نحو 20.2%، وهي معدلات فائدة تعد الأعلى في العالم؛ مما يعني زيادة كبيرة في خدمة الديون.

الاحتياطي النقدي أقل من نصف الديون

دائمًا ما ينظر إلى الاحتياطي النقدي للبلاد على أنه المنقذ الأخير الذي يواجه الديون الخارجية، إلا أن الاحتياطي النقدي المصري لا يعبر عن هذه النظرية، وذلك بالرغم من ارتفاعه لأعلى مستوى منذ ست سنوات؛ إذ ارتفع الاحتياطي لدى البنك المركزي إلى 24 مليار و265 مليون دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2016، مقابل 23 مليار و58 مليون دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.


الديون بوابة السيطرة على الحكم

الارتفاع التاريخي بالاحتياطي يكشف اتجاه الحكومة نحو تكوين احتياطي للنقد الأجنبي من الديون الخارجية، وهو ما يفرض ضغوطًا سياسية واقتصادية على البلاد؛ إذ يرى «مدحت نافع»، الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل، أنه «طالما كانت الديون بوابة السيطرة على حكم مصر تاريخيًا، ووسيلة لبسط النفوذ السياسي حاليًا».

وقال نافع خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: إنه «منذ أن فقدت مصر الملكية سيادتها في عهد الخديوي إسماعيل بفعل الديون وخضعت لمشروطية مؤسسات التمويل بفعل الديون، ومازالت ديون ومساعدات الخليج تؤثر في مواقف البلاد السياسية».

توزيع الديون المصرية، التي يعد أغلبها من دول الخليج العربي، هي التي تصنع موقف البلاد من الصراعات الإقليمية في اليمن وسوريا وليبيا، هكذا يرى نافع، الذي أشار إلى أن «التأثير امتد إلى اتفاقات ترسيم الحدود، والتي يربط البعض تفاصيلها بالمساعدات والديون السعودية»، على حد قوله.

هل تتوقف مصر عن الاستدانة؟

تشير بيانات البنك المركزي عن شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، إلى اتساع الفجوة الدولارية؛ إذ جاء صافي الأصول الأجنبية بالسالب، سواء لدى البنك المركزي أو باقي وحدات الجهاز المصرفي، ففي سبتمبر (أيلول) 2016 بلغ صافي الأصول الأجنبية بالبنك المركزي -57.1 مليار جنيه مصري، ولدى باقي البنوك -54.6 مليار جنيه، وهو ما يعني أن البلاد لن تتوقف عن مزيد من الاقتراض.

وقال «مصطفى عبد السلام»، الخبير الاقتصادي، «إن الحكومة المصرية ستقترض خلال عام 2017 نحو 7.3 مليارات دولار عبر آلية طرح السندات الدولية فقط، بالإضافة إلى قروض مباشرة أخرى في عام 2017 منها شريحتان من صندوق النقد الدولي بقيمة تبلغ نحو 5 مليارات دولار، وكذلك الشريحة الثالثة من قرض البنك الدولي، والبالغ قيمتها مليار دولار، من بين 8 مليارات دولار وعد البنك بمنحها لمصر على مدى 5 سنوات».

ويرى عبد السلام أن هناك توسعًا كبيرًا في الاقتراض الخارجي خلال 2017، موضحًا أن هذا التوسع يُدخل مصر دائرة الخطر المالي، لافتًا إلى أنه ما لم يتم إعادة تنشيط موارد البلاد من النقد الأجنبي، فإن القروض الخارجية «ستتحول إلى كابوس مرعب للاقتصاد والموازنة العامة وإيرادات الدولة»، على حد تعبيره.

إلى أين تذهب الديون؟

يقول عبد الحافظ الصاوي، الخبير الاقتصادي المصري: إن الديون، وأيًا كان مصدرها، «لا ينبغي أن توجه لغير مجالات الاستثمار؛ لتحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا إيجابيًا»، مُستدركًا «إن واقع الديون في مصر يجعل الحديث عن تحقيق تنمية، حاليًا أو مستقبليًا، نوعًا من الخيال لا تبرهن عليه حقائق، ولا تعكسه شواهد من حياة الناس».

وبات إنفاق الديون في مصر قاصرًا على ثلاثة مجالات: الأول سد عجز الموازنة، والثاني سداد القروض الخارجية، والثالث زيادة قيمة الاحتياطي النقدي، وهي مجالات لا تحقق تنمية اقتصادية؛ ما يجعل عبء الديون مضاعفًا؛ كونها لا تستخدم في الإنتاج، بل إنها قروض استهلاكية، وهو ما يعكس بطء النمو الاقتصادي للبلاد.

هذا، وكان محافظ البنك المركزي المصري، طارق عامر، قد قال في مقابلة مع مجلة «الأهرام الاقتصادي» المصرية «إن مصر مطالبة بسداد أقساط عدة قروض في العام الجاري 2017، أبرزها قرض تركي بقيمة مليار دولار، بالإضافة إلى 3.6 مليارات دولار مستحقات متأخرة لشركات البترول الأجنبية العاملة في مصر، وكذلك استكمال سداد ديون نادي باريس البالغة 3.5 مليارات دولار»، كما أن مصر مطالبة بسداد مستحقات ليبيا البالغة ملياري دولار، والمقرر سدادها خلال العام الجاري، إلا أن عامر لم يذكرها.

علامات

editorial, تضخم, ديون, مصر
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد