14,501

اتُهمت شركة «كامبريدج أناليتيكا» البريطانية لتحليل البيانات بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، وفي الاستفتاء الذي جرى على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في العام نفسه؛ حيث ألقيت التهم على الشركة بأنها عملت على التأثير في قرار الناخبين والمُصوِّتين، وذلك عن طريق الحصول على معلوماتهم، وبياناتهم، وتفضيلاتهم الشخصية، عبر موقع التواصل الاجتماعي الأشهر «فيسبوك».

واستطاعت الشركة العمل على تحليل بيانات حوالي 50 مليون مستخدم لموقع فيسبوك؛ من أجل توجيههم للتصويت بأمرٍ معين لصالح من تعمل لديهم؛ حيث كانت تعمل مع دونالد ترامب. وقد تم تسريب بيانات المستخدمين بالحصول على رخصة دخول إلى بياناتهم الشخصية من فيسبوك، ولذلك تعتبر هذه هي الفضيحة الأكبر في تاريخ مواقع التواصل الاجتماعي منذ تأسيسها.

لتوجيههم إلى انتخاب ترامب.. تم استخدام بيانات 50 مليون شخص

الشاب البالغ من العمر 28 عامًا، كريستوفر وايلي، هو الشخص الذي أثار الجدل في العالم خلال اليومين الماضيين؛ إذ إن «وايلي» هو الشخص الذي أعلن استخدام الشركة البريطانية «كامبريدج أناليتيكا» للبيانات الشخصية لحوالي 50 مليون مستخدم من ضمن 2.13 مليار شخص يملكون حسابات على «فيسبوك». وفي الوقت الذي شكك فيه العديد فيما قاله «وايلي»، الذي يعمل في الشركة نفسها، جاء إداوار سنودن، التقني المتخصص الذي عمل سابقًا في المخابرات الأمريكية، والذي قام بتسريب عدد من المعلومات الخطيرة الأمريكية السرية للغاية في عام 2013، ليؤكد على ما ذكره الشاب التقني.

وأكد «وايلي» أن الشركة البريطانية جمعت البيانات الشخصية لمستخدمي فيسبوك دون علمهم؛ مما يعني أنها انتهكت شروط خدمة واستخدام موقع التواصل الاجتماعي الأشهر. وفور إعلانه عن الأمر، قام فيسبوك بتعليق وغلق حساب «وايلي» الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي.

واستطاعت الشركة العمل على تحليل بيانات حوالي 50 مليون مستخدم لموقع فيسبوك، عملت من خلالها على توجيه المُصوِّتين إلى اختياراتٍ معينة، مثل توجيههم إلى انتخاب الرئيس الحالي دونالد ترامب، وذلك بدلًا عن مرشحة «الحزب الديمقراطي»، هيلاري كلينتون. كما سعت إلى توجيه آراء المُصّوِتين في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي للتصويت بـ«نعم».

(كريستوفر وايلي)

من جانبها نفت «كامبريدج أناليتيكا» أن تكون قد انتهكت أيًا من شروط استخدام فيسبوك، في الوقت الذي أوقف فيه موقع فيسبوك الحساب الخاص بالشركة على منصته. وتبادل الطرفان الاتهامات فيما بينهما؛ حيث حاول كل طرف أن يُحمِّل الطرف الآخر مسؤولية ما حدث؛ فقد قامت الشركة البريطانية بالتأكيد على أن البيانات الشخصية للمستخدمين حصلت عليها من «فيسبوك».

الـ«ماتريكس» الذي يجمعنا.. فيس بوك يبتلع الإنترنت

بينما تدافع الأخيرة عن نفسها مؤكدةً أنها طلبت من الشركة البريطانية أن تقوم بتدمير البيانات لديها منذ عام 2015، إلا أن الأخيرة استمرت في تخزينها لديها، وذلك لحين الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وأشارت «فيسبوك» إلى أن «كامبريدج أناليتيكا» عملت على إساءة استخدام البيانات التي لديها، نافيةً أن تكون هذه البيانات مُسرَّبة أو مسروقةً.

الجدير بالذكر أن هناك طرفًا ثالثًا يربط بين الطرفين، وهو أستاذ علم النفس في جامعة كامبريدج، أليكاسندر كوجان، فهو المُحاضر الذي ساهم في الوصل بين فيسبوك والشركة البريطانية، كما أنه مدَّ الأخيرة بعدد من وسائل وأدوات التحليل السلوكي لمستخدمي فيسبوك، والتي على أساسها عملت «كامبريدج أناليتيكا» على التأثير بسلوك المواطنين في التصويت بالانتخابات الأمريكية عام 2016.

ويواجه «كوجان» اتهامات بسوء استخدام البيانات؛ حيث سُمح له من قبل فيسبوك أن يقوم بتجميع بيانات ملايين المستخدمين الشخصية، إلا أنه قام بتقديمها إلى الشركة البريطانية، ليقوم بذلك بانتهاك شروط استخدام موقع التواصل الاجتماعي الأشهر.

40 مليار دولار خسارة «فيسبوك» من الفضيحة

الفضيحة التي شهدها موقع التواصل الاجتماعي الأكبر في العالم، حمَّلته خسارة فادحة له ولمؤسسه: مارك زوكربيرج؛ إذ هبطت قيمة أسهم «فيسبوك» خلال يومٍ واحد فقط من إعلان الفضيحة لأكثر من 8%، وهو ما قارب 50 مليار دولار، والخسارة في استمرار؛ إذ إنها كانت بعد يومٍ واحدٍ فقط 35 مليار دولار؛ ويعتبر هذا هو أسوأ تعثُّر شهدته شركة فيسبوك منذ أكثر من ست سنوات. وتُقدَّر قيمة أسهم فيسبوك في الوقت الحالي بمبلغ 502.6 مليار دولار.

الخبر الذي هز العالم، وتصدَّر الصحف العالمية، والمواقع الإخبارية، ضرب العديد من المستثمرين، وبث فيهم الذعر، بل إن عددًا منهم قام ببيع أسهمه في فيسبوك بعد الإعلان عن تورط فيسبوك في التأثير على الانتخابات الأمريكية.

(مارك زوكربيرج)

يأتي ذلك في الوقت الذي دعا فيه عدد من المُشِّرعين إلى فرض لوائح صارمة على شركات ومواقع التواصل الاجتماعي، وفرض قيود على قدرتهم في التأثير على نتائج الانتخابات في أي بلد، كما انتقد كلٌّ من الصحافة الأمريكية والبريطانية فيسبوك بسبب الفضيحة.

وتعتبر هذه الخسارة هي ثاني أكبر خسارة كبيرة يشهدها «فيسبوك» ومؤسسه خلال شهرين فقط؛ حيث خسر زوكربيرج حوالي 6.06 مليار دولار من ثروته الشخصية بعد يومٍ واحدٍ فقط من الإعلان عن التسريبات بتورط فيسبوك في التأثير على نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، وعلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في العام نفسه.

لماذا ينبغي علينا أن نخاف من «خوارزمية» فيسبوك؟

ويملك زوكربيرج في الوقت الحالي أكثر من 400 مليار سهم على موقع فيسبوك؛ تُقدَّر قيمتها بـ68.5 مليار دولار. وبالرغم من هذه الخسارة الكبيرة، إلا أن «زوكربيرج» لا يزال في قائمة أغنى خمسة أشخاص في العالم؛ إذ يحل في المركز الرابع بقائمة مليارديرات العالم، ويسبقه كلٌّ من جيف بيزوس، وبيل جايتس، ووارن بوفيت.

اقرأ أيضًا: إنفوجراف: 8 مليارديرات يملكون ما يملكه نصف سكان العالم! كيف كونوا ثرواتهم؟

الخسارة الثانية التي شهدها فيسبوك ومؤسسه جاءت قبل أقل من شهرين، وتحديدًا في أوائل فبراير (شباط) 2018، عندما خسر ما قيمته 3.6 مليار دولار في يومٍ واحدٍ فقط؛ بسبب انهيار سوق الأسهم العالمية، حيث بلغت قيمة ثروة زوكربيرج بعد الانخفاض 74.7 مليار دولار.

دعوات واسعة لحذف ومقاطعة «فيسبوك»

«لقد حان الوقت.. #احذفوا_فيسبوك» هكذا عبَّر بريان أكتون، الشريك المؤسس لتطبيق الرسائل «واتساب»، وذلك في تغريدة بحسابه الشخصي على «تويتر»، وبذلك يعتبر «أكتون» أحد أبرز المنضمين إلى الحملة الإلكترونية التي ظهرت أمس الأول فور إعلان استخدام بيانات وتفضيلات «فيسبوك» من قبل «كامبريدج أناليتيكا» .

وكان «أكتون» قد غادر «واتساب» في عام 2017، بعد ثلاث سنوات من قيام فيسبوك بشراء «واتساب» في عام 2014 بمبلغ 19 مليار دولار حينها.

وكانت الحملات الإلكترونية التي شنها مستخدمون من عدد من أنحاء دول العالم، أبرزها بريطانيا، والولايات المتحدة، الدولتان الأكثر تأثرًا بفضيحة فيسبوك، قد دشنت عدة وسوم لمقاطعة وحذف فيسوك، هما «#احذفوا_فيسبوك»، «#قاطعوا_فيسبوك»، والتي شهدت تفاعلًا كبيرًا على مستوى العالم.

دعوات للتحقيق: «فيسبوك» ينكر.. ومارك يلتزم الصمت

الخسارة التي تكبَّدها فيسبوك ومؤسسه لم تشفع لهم للإفلات من المساءلة؛ يأتي هذا في الوقت الذي دعا فيه الكونجرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي ومجلس العموم البريطاني أمس الثلاثاء مؤسس فيسبوك، مارك زوكربيرج)، للتعليق والرد بعد الكشف عن قضية «كامبريدج أناليتيكا». بالإضافة إلى دعوة رئيس البرلمان الأوروبي، أنطونيو تاجاني، إلى إجراء تحقيق عاجل في الأمر، خاصةً في ظل تورط الشركة نفسها بالتأثير على المستخدمين في التصويت الذي جرى من أجل تحديد مستقبل بريطانيا من الخروج أو البقاء في الاتحاد الأوروبي عام 2016.

«فيسبوك يحتاج إلى توضيح أمام ممثلي 500 مليون أوروبي بأن بياناتهم الشخصية لم تستخدم من أجل التلاعب بالديمقراطية»، هكذا أكد رئيس البرلمان الأوروبي، في الوقت الذي طالب فيه رئيس الوزراء البلجيكي السابق، جاي فرهوفشتان، مؤسس فيسبوك شخصيًا بالرد على الانتقادات الموجهة إلى شركته، قائلًا: «متى يشرح لنا مارك زوكربيرج ما حدث في بياناتنا؟ إن خرق وتسريب البيانات فضيحة مؤكدة».

(أنطونيو تاجاني، رئيس البرلمان الأوروبي)

وفي الوقت نفسه، تسعى السلطات في بريطانيا للحصول على إذن قضائي يسمح لها بتفتيش مكاتب «كامبريدج أناليتيكا» التي تواجه اتهامات باستخدام البيانات الشخصية لمستخدمي فيسبوك للتأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة؛ حيث قالت إليزابيث دينام، مفوضة مكتب المعلومات وحماية الخصوصية في بريطانيا، لشبكة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إنها ستسعى للحصول على مذكرة رسمية للنظر في قواعد البيانات التي تستخدمها شركة كامبريدج أناليتيكا.

من جانبها نفت الشركة الريطانية ارتكابها لأية مخالفات، مشيرة إلى أنها تحصل على المعلومات التي تحتاجها بشكل قانوني. هذا وقد قال داميان كولينز، رئيس اللجنة الرقمية والثقافية والرياضية في مجلس العموم البريطاني: «إن البرلمان سيمنح مؤسس فيسبوك حتى يوم الاثنين القادم الموافق 26 مارس (آذار) للرد على الاتهامات الموجهة له، وعرض توضحيات بشأن فضيحة تسريب بيانات مستخدمي الموقع».

من جانبه لم يُدل زوكربيرج بأي تعليقات أو تصريحات خلال 48 ساعة الماضية تعليقًا على الأمر، وهو ما أثار تساؤلًا لدى صحيفة «الجارديان» البريطانية، التي أصدرت تقريرًا بعنوان «أين زوكربيرج؟» مستنكرةً الصمت تجاه القضية الحسَّاسة التي أثارت الرأي العام في دولتين من أكبر دول العالم: الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، فضلًا عن بقية دول العالم.

اعترافات مُسرَّبة

أعلنت شركة «كامبريدج أناليتيكا» البريطانية إيقاف مديرها التنفيذي ألكسندر نيكس عن العمل؛ وذلك بعد تسريب المقطَع المُصوَّر الذي بثته القناة الرابعة البريطانية أمس.

وكانت القناة الرابعة البريطانية قد بثَّت أمس عددًا من التسجيلات المُسربة للمدير التنفيذي للشركة يتفاخر فيها بالدور الموسع لشركته في الحملة الانتخابية لترامب، زاعمًا أنها قامت بكل بحوث وتحليلات الحملة، وحملاتها التلفزيونية والرقمية، وتضمنت التسجيلات مع المراسل السري. تفاخر نيكس أيضًا بالإيقاع بسياسيين، والعمل بشكل سري في انتخابات بأرجاء العالم عبر شركات في الواجهة، مستخدمًا طرقًا مثل التجارة الجنسية، والرشاوى وغيرها.

التسجيلات التي سربتها القناة حاز عليها مراسل القناة الرابعة، وذلك بعد أن تخفَّى في صورة مرشح الانتخابات المحلية في سريلانكا، حيث كانت هذه هي طريقته لمقابلة مسؤولي الشركة البريطانية. وكشفت التسجيلات أيضًا عددًا من اعترافات نيكس باستخدام شركته نظام بريد إلكتروني سري للتدمير الذاتي. قائلًا: هذا الأمر يعني حذف رسائل البريد الالكتروني بعد ساعتين من قراءتها، «لا يوجد دليل، لا يوجد أثر، لا يوجد أي شيء».

من جانبها جاء قرار الشركة في بيانٍ صادر، حيث أكدت أن «مديرها سيتنحى عن منصبه فورًا لانتظار انتهاء التحقيقات التي ستجرى في المزاعم المتعددة»، مضيفةً أن «تصريحات نيكس المُسربة والمزاعم الأخرى لا تمثل قيم، أو عمليات الشركة، ووقفه عن العمل يعكس الجدية التي نرى بها هذا الانتهاك».

من جانبها اعتبرت «فيسبوك» أن شركة «كامبريدج أناليتيكا» كذبت عليها وأساءت استغلال سياساتها، لكن منتقدي شبكة التواصل الأشهر ألقوا باللوم عليها، وطالبوا بإجابات نيابة عن المستخدمين، ودعوا لوضع قواعد تنظيمية جديدة.

وتصر فيسبوك على أن ما حدث هو إساءة استخدام للبيانات، وليس سرقتها؛ وذلك نظرًا لأن المستخدمين منحوا إذنًا بذلك؛ مما أثار جدلًا حول ما الذي يشكل خرقًا، ويجب إبلاغ المستخدمين عنه، من عدمه. كما أعلنت فيسبوك أنها أغلقت حساب الشركة البريطانية، وكلفت مكتب مراقبة رقمية بكشف خيوط القضية.