في الأول من أبريل الحالي، تم توقيع اتفاق وصفه المراقبون حول العالم بأنه اتفاق تاريخي ما بين الحكومة الإيرانية من ناحية، ومجموعة دول 5+1 (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا) من ناحية أخرى، ويعرف الاتفاق الذي تم توقيعه باتفاق إطار حول البنود الرئيسية لتخفيض البرنامج النووي الإيراني وإخضاعه للمراقبة الدولية، على أن يجري توقيع الاتفاق النهائي في صيف العام الحالي، وتحديدا في يونيو/ حزيران.

1- ما هي مراحل تطور البرنامج النووي الإيراني؟

المصدر: وكالة الأناضول

على عكس ما يعتقد الكثيرون، يعود تاريخ الملف النووي الإيراني إلى ما قبل الثورة الإسلامية وتحديدا حقبة الخمسينات والستينات، ومع حلول ستينات القرن الماضي أمدت الولايات المتحدة الإيرانيين بمفاعل بحثي صغير، ثم كانت خطة الشاه الطموحة بإنشاء ثلاثة وعشرين مفاعلاً للطاقة النووية، وتم إبرام عقود التوريد الأولية مع شركات من ألمانيا الغربية وفرنسا، وعندما وقّعت إيران على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في 1968 وصدقت عليها في 1970 صارت جميع نشاطاتها النووية معرضة للتفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

مع الثورة، توقفت معظم أنشطة إيران النووية، قبل أن يعاد إحياؤها عام 1981 كأحد أصداء الحرب العراقية الإيرانية، لكن الضغط الأمريكي منع إيران من الحصول على دورة الوقود النووي من ألمانيا أو الأرجنتين أو البرازيا وإسبانيا.

نجحت إيران في بناء مفاعل بحثي صغير في أصفهان بمساعدة الصين، بينما كان أول نجاح لها في تكنولوجيا التخصيب في أواخر الثمانينات، حيث حصلت على أنظمة الطرد المركزي من السوق السوداء النووية في باكستان، بينما حصلت على معمل تخصيب اليورانيوم بالليزر من الصين، ثم معدات أكثر تقدما من روسيا، بينما راحت تحصل على اليورانيوم الخام من جنوب أفريقيا، قبل أن تطور منجمًا لليورانيوم في كاهاند ومرافق لاستخلاص اليورانيوم بالطحن في أردكان.

في أوائل التسعينات، وبمساعدة الصين، نجحت إيران في إنشاء أول مرفق لتحويل اليورانيوم في أصفهان.

وفي العقدين التاليين قامت إيران بتخصيب اليورانيوم على النطاق المعملي واستجلاب مواد نووية دون إحاطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عام 2003، واتفقت إيران مع فرنسا وألمانيا وبريطانيا (مجموعة بلدان الاتحاد الأوروبي الثلاثة) على تعليق عمليات التخصيب وما يتصل بها من نشاطات متعلقة بإعادة المعالجة حتى يتحقق الاطمئنان الكامل بشأن الطبيعة السلمية للبرنامج، بيد أن تنفيذ الاتفاق واجه صعوبات وعراقيل منذ البداية، وفي النهاية – في يونيو 2006 – انضم كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى المناقشة باعتبارهم مجموعة الخمسة زائد واحد.

2- ما المقصود بتخصيب اليورانيوم؟ وكيف يتم الوصول إلى نسبة التخصيب اللازمة لإنتاج قنبلة؟

يعرف التخصيب علميا بأنه عملية عزل نظائر كيميائية معينة من عنصر ما لزيادة تركيز نظائر أخرى، للحصول على مادة مشبعة بالتنظير المطلوب، ويتم التخصيب على مراحل حيث يتم في كل مرحلة عزل كميات أكبر من النظائر غير المرغوبة، وصولا لمرحلة النقاء المطلوبة.

فيما يتعلق باليورانيوم، فإن النظير المراد عزله هو اليورانيوم 238 مرتفع الكتلة، أما النظير المراد تركيزه في اليورانيوم 235 ويبلغ تركيزه في اليورانيوم الطبيعي 0.7% فقط، بينما يبلغ التركيز المطلوب لصناعة القنبلة حوالي 90%، يتم صناعته عبر 4 مراحل:

أولاً: تشمل المرحلة الأولى مجموعتين من التفاعلات تحوي كل منهما 12 متسلسلة لتفاعلات الطرد المركزي، حيث يتم رفع مستوى التخصيب إلى 3.5%.

ثانيًا: متسلسلة من ثمانية تفاعلات ترفع مستوى التخصيب من 3.5% إلى 20%.

ثالثا: متسلسلة من 4 تفاعلات ترفع مستوى التخصيب من 20 إلى 60%.

رابعا: متسلسلة من تفاعلين لرفع مستوى التخصيب من 60% إلى 90%

3- ما الذي تنازلت عنه إيران من قدراتها النووية؟

المصدر: معهد واشنطن

توضح الخريطة التي أعدها معهد واشنطن المواقع الرئيسية للمنشآت النووية الإيرانية، أغلب هذه المحطات سوف يتم إيقاف العمل بها مع توقيع الاتفاق النهائي بحلول يونيو/ حزيران القادم.

وفقًا للإحصاءات الرسمية، تمتلك إيران حوالي 18472 جهازًا للطرد المركزي، ستتنازل إيران بموجب الاتفاق عن أكثر من 12 ألف جهاز ليصبح إجمالي عدد الأجهزة 6104 جهاز فقط، كلها من الجيل الأول لأجهزة الطرد (IR) حيث سيكون محظورًا على إيران بموجب الاتفاق امتلاك أجهزة الطرد من نوعية IR-2. IR-4. IR-5. IR-6. وIR-8 لإنتاج اليورانيوم المخصب، بما يعني إخراج إيران لعدد 1008 جهاز من أجهزة الجيلين الثاني والثالث من الخدمة.

تلتزم إيران بخفض مستهدفها للتخصيب من النسبة المتوسطة (20%) إلى النسبة المنخفضة (3.5%)، كما تلتزم بتقليص مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب من 15770 رطلا إلى 660 رطلا فقط، كما تتخلص إيران بموجب الاتفاقية من 430 رطلًا هي كل إجمالي مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب.

فيما يتعلق بمفاعلات الماء الثقيل، وإمكانية إنتاج قنبلة عن طريق البلوتونيوم، فإن الاتفاق ألزم إيران بتفكيك وإعادة تركيب نواة مفاعل آراك للماء الثقيل تحت إشراف دولي، حيث يظن خبراء أمريكيون أن المفاعل الإيراني كان معدًا لإنتاج قنبلتين سنويا عن طريق البلوتونيوم.

4- هل تمنع بنود هذا الاتفاق إيران حقًا من تكوين قنبلة ذرية؟

المصدر: ديفينس وان

يوضح الرسم البياني السابق مسارات تركيب أجهزة الطرد المركزي في المنشآت النووية الإيرانية، ويوضح كيف أن الاتفاق من شأنه أن يقلل عدد أجهزة الطرد المركزي الإيراني.

سوف يتم القضاء على 12 ألفًا من أجهزة الطرد المركزي، وحوالي 5 قنابل من اليورانيوم منخفض التخصيب، لن يقوم الاتفاق بتدمير قدرات إيران النووية ولكن سيقوم بتعطيل الجزء الأكبر منها بما يطيل أمد الجدول الزمني لإنتاج نواة اليورانيوم عالي التخصيب اللازم لإنتاج القنبلة لمدة عام كامل من تاريخ انتهاء الاتفاق أو تعطيله لأي سبب من الأسباب.

وبالنسبة لطلب إعادة إنشاء مفاعل لإنتاج البلوتونيوم الإيراني في «آراك»، فإن الاتفاق يغلق أساسا هذا الباب أمام تصنيع قنبلة. وبتوقيعها على البرتوكول الإضافي 3.1 لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية فإن إيران تقر بالموافقة على إنشاء آلية جديدة من شأنها أن تسمح بالوصول غير المسبوق للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية المشبوهة في أي مكان في إيران، كما يصعب مهمة إيران في التحايل على المراقبين.

5- ما الذي يمكن أن تستفيده إيران من مثل هذا الاتفاق إذًا؟

ربما كانت إيران تمتلك مشروعا فعليا لتنفيذ القنبلة، إلا أن ما تعيه جيدًا أن جيرانها الإقليميين لم يكونوا ليسمحوا بمثل هذا الأمر حتى إن بلغ حد المواجهة العسكرية، والمقصود على الأخص هنا إسرائيل والسعودية.

لإسرائيل تجارب سابقة في وأد المشروعات النووية العربية، حيث قامت سابقًا بقصف منشآت نووية في سوريا والعراق في عهد صدام حسين لمنع الغريمين العربيين من تطوير قدرات نووية، وهو ما هددت إسرائيل أن تكرره مع إيران، حيث تُبدِي معظم دوائر صناعة القرار الصهيونية توجسًا كبيرًا بشأن الاتفاق النووي، ما الذي يمنع إيران إذًا عن المناورة للحصول على الكثير من المكاسب؟

أولا: لم يمس الاتفاق بشكل كبير أصول المنشآت النووية في إيران، بما يعني قدرتها على استئناف برنامجها في وقت لاحق من نقطة متأخرة نسبيًا يجبرها الاتفاق عليها، كما تم السماح بتشغيل عدد من أجهزة الطرد المركزي في منشأة فوردو سيتم تغذيتها بعناصر مثل الزنك، أو الزينون أو الجرمانيوم لفصل النظائر المشعة المستخدمة في الطب والصناعة والعلوم.

ثانيا: بموجب الاتفاق، ستقوم كل من الولايات المتحدة وأوروبا برفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية المقررة على طهران، ورفع الحظر التدريجي عن صادرات النفط الإيراني بما سيسمح لإيران بضخ 400 ألف-500 ألف برميل يوميا إلى السوق العالمي خلال الأشهر الأولى، كما سيتم رفع الحظر عن أموال إيران في البنوك الأمريكية.

ثالثًا: بموجب الاتفاق، حصلت إيران على اعترافٍ ضمني بحقها في امتلاك تقنية نووية، كما رسخت أقدامها كشريك رئيسي للولايات المتحدة في المنطقة، وحصلت على شرعية لأنشطتها التوسعية في المنطقة وبخاصة في سوريا والعراق، كما حصلت على حصانة بنسبة كبيرة ضد أي تدخل عسكري إسرائيلي ضد منشآتها النووية، نظرًا لأن الاتفاق تم برعاية ومباركة الدول الست الأكبر في العالم.

رابعا: بموجب الاتفاق سيتم إلغاء كافة قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بإيران.

خامسًا: لم يمس الاتفاق بأي شكل من الأشكال البرنامج الإيراني المتطور لإنتاج وتطوير الصواريخ البالستية.

6- ما هي العقبات التي تهدد توقيع الاتفاق النهائي في يونيو المقبل؟

اقرأ أيضا: 5 عقبات تهدد اتفاق إيران النووي

سبق التنويه إلى كون الاتفاق الذي تم توقيعه أوائل الشهر الحالي هو اتفاق إطار مبدئي ينبغي أن يكون ممهدًا لاتفاق نهائي في الصيف المقبل.

العقبة الأولى تشمل كمَّ الضغوط التي سيتعرض لها مناصرو الاتفاق من الطرفين، سواء من اليمين الديني الأكثر تشددًا في إيران والذي يرى أن حكومته عقدت اتفاقا مع الشيطان الأكبر، أو من قبل الجمهوريين المعارضين لأوباما والذين يسيطرون على الكونجرس ويسعون لتأمين نسبة الثلثين لإيقاف تحركات الرئيس الأمريكي، والأشد من ذلك أن يهددوا بإلغاء الاتفاق بعد توقيعه حال وصول رئيس جمهوري للحكم خلفًا لأوباما.

ثاني هذه العقبات يشمل توقيت رفع العقوبات الإيرانية والذي تصر إيران على رفعها مرة واحدة بمجرد توقيع الاتفاق بينما ترغب الولايات المتحدة في وضع جدول زمني لرفعها. أما العقبة الثالثة فتتمثل في الشكوك التي تحملها الأطراف تجاه بعضها البعض، وخاصة الرئيس الأمريكي الذي يتعامل مع بيئة سياسية معقدة خاصة أن إيران لديها سجل من حجب المعلومات ذات الصلة عن مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة.

أما العقبة الأكبر فتتعلق بأنشطة إيران في المنطقة والتي لم يشملها الاتفاق ومدى تأثيرها على القوى الإقليمية، حيث لا يقول شيئا عن برامج الصواريخ الإيرانية أو الدعم لوكلائها في المنطقة، ويتجاهل بشكل تام ما يقوم به الإيرانيون في سوريا أو العراق أو اليمن أو في أي مكان آخر في الشرق الأوسط المضطرب، أو عن حقوق الإنسان في الداخل، الأمر الذي سيعطي إيران فرصة كبيرة لترسيخ نفوذها في المنطقة بشكل شرعي في وجه حلفائها خاصة السعودية.

7- من هم أبرز معارضي هذا الاتفاق والمتضررين منه؟

نكتفي هنا بالإشارة إلى 3 دول هم أبرز المتضررين من هذا الاتفاق والساعون إلى منعه بكل الطرق

اقرأ أيضا: 3 أسباب تجعل روسيا راغبة في إفشال اتفاق إيران النووي

روسيا: أول هذه الدول هي روسيا أحد رعاة الاتفاق، التي ترى أن مجرد وجود تهديد من قبل برنامج نووي إيراني غير مقيد، إضافة إلى علاقة عدائية بين واشنطن وطهران، فإن ذلك يوفر مستوى الإلهاء اللازم لموسكو لإبقاء الولايات المتحدة غير قادرة على إعطاء الانتباه اللازم في الفلك السوفيتي الرسمي لروسيا.

بذلت لروسيا قصارى جهدها لإبقاء الأمريكيين والإيرانيين بعيدًا عن بعضهما البعض، عرضت روسيا على إيران تزويدها بأنظمة دفاع جوي متقدمة، لمواجهة التهديدات الأمريكية بقصف المنشآت النووية الإيرانية، كما شحذت فرق الخبراء النوويين الروس شهية إيران للطاقة النووية السلمية بعروض لتشييد مفاعلات إضافية، كما قامت البنوك الروسية بدور كبير في مساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات المالية المفروضة عليها، وذلك لإجبار الولايات المتحدة على التفاوض حول القضايا الحيوية المتعلقة بالأمن القومي الروسي، حتى إذا أرادت واشنطن حل مشكلة إيران، فإنه يتعين عليها ساعتها أن تتراجع في شأن قضايا أخرى مثل منظومة الدفاع الصاروخي (الصواريخ البالستية) في أوروبا الوسطى، التي ترى فيها روسيا منذ الوهلة الأولى محاولة أمريكية لتطويقها.

من جانب آخر تخشى روسيا التي تعاني أزمة مالية طاحنة من أن تدفق النفط الإيراني قد يرتبط بالمزيد من انخفاض أسعار النفط وبالتالي انهيار قيمة الروبل، كما أن إيران قد توفر خيارا بديلا لتوريد الطاقة إلى أوروبا بما يفقد روسيا أحد أهم أوراقها الجيوسياسية والاقتصادية.

إسرائيل: تشير المناقشات المطروحة حاليا داخل أروقة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بين المؤيدين والمعارضين لاتخاذ رد فعل هجومي تجاه منشآت طهران النووية، إن هجومًا إسرائيليًا سيساعد في الدفاع عن إستراتيجية عدم السماح لأي دولة معادية بالحصول على سلاح نووي، وإن الهجومين اللذين قامت بهما إسرائيل في الماضي على العراق وسورية حققا هدفهما وأوقفا برامج نووية متقدمة، كما أن الهجوم سيثبت قدرة إسرائيل في الاعتماد على نفسها.

على الجانب الآخر يرى فريق أن الاتفاق هو أهون الشرور بالنسبة لإسرائيل، وأن على إسرائيل أن تعي أن إيران قد أبرمت اتفاقا مع الدول الست الأقوى في العالم وبالتالي فإن أي هجوم سوف يمثل تحديا لتلك الدول، ناهيك عن العقبات العسكرية والتي تتمثل في أن أغلبية منشآت إيران النووية موزعة على مواقع عديدة ومدفونة تحت الأرض ما يزيد من صعوبات تنفيذ إسرائيل لضربتها الهجومية، كما يضع متخذو القرار في إسرائيل في اعتبارهم أن أي هجوم سيؤدي إلى حرب صواريخ شبه أكيدة بين إسرائيل وبين إيران وحزب الله.

.

السعودية: غريم إيران التقليدي، ورابع أكبر دول العالم إنفاقا على التلسيح، والتي تخوض حربا ضد من تراهم حلفاء إيران بالوكالة في اليمن، أكدت السعودية في أكثر من مناسبة أنها لن تسمح بجارة نووية، وصرحت علنا للمسؤولين الأمريكيين أن اللحظة التي يسمح خلالها لإيران ببرنامج نووي ستكون إيذانا للسعودية بالشروع في برنامج مماثل يجري الحديث عنه بالفعل مما ينذر باندلاع سباق تسلح نووي في المنطقة.

كما لا تتمتع السعودية بعلاقات قوية مع باكستان إحدى الدول النووية، وسبق لها استضافة رئيس وزرائها الحالي حين تم الانقلاب عليه، وتشير تقارير إلى أن السعودية استثمرت مليارات الدولارات في البرنامج النووي الباكستاني وأنها تمتلك سلاحًا نوويًا بالفعل، ولكنه فقط لا يتواجد على أراضيها.

المصادر

تحميل المزيد