الصورة من الإندبندنت

تعرف السعودية على أنّها دولة نابضة بالحياة والمركز النفطي الاقتصادي للشرق الأوسط، لذا اختار الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» أن تكون الرياض باكورة زياراته الخارجية، فحين وصل الرئيس الأمريكي للسعودية للمشاركة في «قمة الرياض»، جاهدت السعودية لتعزيز فكرتها في وحدة العالم الإسلامي ودعت أكثر من 100 من قادة العالم الإسلامي لحضور القمة مع ترامب، استجابت 50 دولة للدعوة.

فكرة توحيد العالم الإسلامي وإن لقيت استحسانًا لدى المسلمين خارج السعودية، فقد لقيت نقدًا داخليًا، بموازاة مع ذلك بدأت السعودية في حملة أمنية شرق البلاد ضد من أسمتهم بالإرهابيين، في معركةٍ لا تزال مستعرة على الرغم من التعتيم المفروض عليها إعلاميًا داخل المملكة وخارجها، وقد نشرت صحيفة الإندبندنت توثيقًا لما يحدث داخل مدينة العوامية السعودية المحاصرة من قبل القوات السعودية منذ أزيد من ثلاثة أشهر، وأشارت الصحيفة إلى أنها حصلت على معلومات حول ما يجري في العوامية، بعد أن أجرت مقابلات نادرة مع نشطاء محليين، لتكشف الظروف المروعة التي يواجهها المدنيون في تلك المعركة السرية بين الرياض والمتظاهرين المسلحين.

أحداث العوامية.. التحدي الذي يؤرق السعودية

تقع بلدة العوامية في محافظة القطيف شرقي السعودية، مطلة على الخليج العربي، يقدر عدد سكانها بـ30 ألف نسمة، غالبيتهم يعتنقون المذهب الشيعي، أشهر أحيائها الحيّ التاريخي المكنى بالمسورة، إذ يبلغ عمره 400 عام، ويتمتع بتراثٍ فريد، مسجلّ في لائحة التراث العالمي، والعوامية هي أيضًا مسقط رأس رجل الدين الشيعي البارز الشيخ «نمر النمر» الذي أدى قيام السلطات السعودية بإعدامه إلى تصاعد الاضطرابات في المنطقة الشرقية. المظاهرات والاضطرابات هذه بدأت في العوامية في شهر فبراير(شباط) 2011 حينما كانت المنطقة العربية تعيش ذروة ما يسمى بالربيع العربي الذي أفلح في إسقاط أنظمة في مصر وتونس. السلطات السعودية حينها اتهمت رجال دين شيعة وعلى رأسهم نمر النمر بالتحريض على المظاهرات، ومحاولة جلب الربيع إلى السعودية، ضريبة الاحتجاجات هذه كانت إعدام النمر ورفاقه، وقرار الرياض بإزالة حي المسورة، الذي يتألف من شوارع ضيقة، بعدما أصبح ملاذًا «للإرهابيين» حسب قول السلطات.

قرار هدم الحي قوبل برفضٍ شعبيّ واشتباكات مسلحة بعد أن اعتبره سكان العوامية محاولة لتهجيرهم من مدينتهم بدعوى التنمية، الأمم المتحدة بدورها دعت الحكومة السعودية لوقف ما وصفته بأعمال الهدم لحي تاريخي، والتي يتعرض سكانها لضغوط الإخلاء دون توفير سكن بديل أو تعويض مناسب.

وتعدّ بلدة العوامية من أكبر التحديات التي تواجه السعودية نظرًا للحوادث المتعاقبة التي شهدتها البلدة، وأثرت على سمعة السعودية الدولية في حقوق الإنسان، ما جعل القيادة الجديدة تتذرع بالتنمية ومشروع تطوير منطقة وسط العوامية وتحويلها إلى مدينة عصرية حديثة لإزالة هذا التحدي.

نزوح.. حصار.. قتل.. يوميات مدينة العوامية السعودية

تشهد بلدة العوامية، شرق المملكة العربية السعودية، نزوح المئات من سكانها مع تصاعد حدة الاشتباكات بين قوات الأمن السعودية ومسلحين تصفهم السلطات السعودية بالإرهابيين، وكانت قوات الأمن قد طُوِّقت بلدة العوامية ذات الأغلبية الشيعة – بحواجز أمنية مشددة – وأطبقت عليها حصارًا منذ أزيد من ثلاثة اشهر، وأفاد سكَّان العوامية بأنَّ 25 شخصًا قتلوا على الأقل جرَّاء القصف العشوائي أو برصاص القناصة.

وأفاد  تقرير نشرته «بي بي سي» بأن المئات من سكان المسورة ينزحون حاليًا من بلدة العوامية بعد أسابيع عديدة من الاشتباكات بين المسلحين وقوات الأمن السعودية، وأشار التقرير أنّه من الصعب التأكُّد من صحة أية معلومات آتية من بلدة العوامية، إذ لا تسمح السلطات السعودية لوسائل الإعلام الأجنبية بالاقتراب من المنطقة دون مرافقين حكوميين، ما يعني أنَّ العالم يعتمد فقط في  تحليله للأحداث على الرواية الرسمية السعودية.

https://twitter.com/jawad_h2/status/894540981730717696

تعتيم إعلامي كبير عن أرقام الضحايا والخسائر

وسط تعتيم إعلامي كبيرٍ على الخسائر في الأرواح والممتلكات التي أحدثتها المواجهات المسلحة في مدينة العوامية السعودية، خرجت صحيفة عكاظ بأسماء بعض قتلى القوات الخاصة السعودية الذين سقطوا خلال الأحداث.
لكن بالنسبة للضحايا المدنيين أو من جانب المسلحين لا توجد أرقام أو بيانات رسمية سعودية، ولا يوجد في هذا السياق إلا بعض التغريدات لناشطين وعدد من أهالي العوامية على مواقع التواصل الاجتماعي دون إمكانية التأكد من مصدر مستقل بشأن الأعداد. لكن المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان أشارت إلى مصادر لم تكشف عنها أنّ 12 قتيلًا وما يقارب 79 جريحًا سقطوا برصاص عشوائي أطلقته قوات الأمن السعودية، والإطلاق المتواصل للقذائف حيث أطلقت القوات في الثالث من أغسطس (آب) ما يقارب 20 قذيفة وفق ما قالت المنظمة.

متظاهرون في العوامية يكتبون على الجدران «إذا كنت لا تستطيع رفع الظُلم فأخبِر عنه الجميع على الأقل» مصدر الصورة (مواقع التواصل).

وتروّج وسائل الإعلام السعودية الرسمية إلى أنّ العملية الأمنية في العوامية تأتي من أجل تنمية المنطقة وضمن رؤية 2030 التي تبناها ولي العهد محمد بن سلمان، وذلك بهدم حي المسورة وتعويض سكانه، في خطوةٍ أولى لإعادة بنائه من جديد وتهيئته، وبث التلفزيون السعودي مقاطع فيديو يظهر فيها مواطنون من العوامية يقولون إنهم خرجوا من حي المسورة، بعدما وفرّت لهم السلطات مساكن جديدة في بلدة أخرى غير العوامية. وظهرت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لتوفير مساكن آمنة للفارين.
وقال التلفزيون الرسمي إن السلطات دعت النازحين للتوجه إلى مقر محافظة القطيف قصد طلب مساكن مؤقتة أو الحصول على تعويض عن منازلهم التي تركوها.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=fX4NNxZ7k-I” width=”800″ height=”450″ ]

الحملة الأمنية على العوامية.. محاربة للإرهاب أم قمع للمظاهرات

تقول الرياض إن المتظاهرين المُسلَّحين في مدينة العوامية هُم إرهابيون يعملون على زعزعة أمن واستقرار المملكة بأكملها، ويجب منعهم من استغلال المباني المهجورة في البلدة والشوارع الضيقّة والملتوية بها كمخابئ ومنطلقًا لعملياتها ضد قوات الأمن، من جهة أخرى نقلت صحيفة الإندبندنت البريطانية عن ناشط مسلح مناهض للحكومة في مقابلة نادرة مع وسائل الإعلام الغربي، قوله: «كنت متظاهرًا سلميًا، ويعيش معظمنا في العوامية، حتى قررت الحكومة إدراجنا باعتبارنا إرهابيين مطلوبًا القبض عليهم، وكل ما طالبنا به هو الاستمرار في دعوات الإصلاح».

وعرَفت العوامية بشكل خاص ومحافظة القطيف عمومًا على مدار ست سنوات كاملة مظاهرات مناوئة للنظام السعودي، توجهت فيها السلطات السعودية إلى ممارسة العنف في أكثر من مرّة لفضّ تلك المظاهرات.

مظاهرات العوامية هذه المرة لم تكن كسابقاتها خصوصًا بعد إعدام «نمر النمر» زعيم المعارضة الشيعية في السعودية، فاتجهت المظاهرات إلى أخذ طابع من العنف والتسليح لتشهد في شهر أغسطس (آب) من هذه السنة أعنف حراك، في وقت عمدت فيه السلطات السعودية إلى قطع إمدادات المياه والكهرباء عن المنطقة، قصد إخضاعها، وقال ناشطٌ ذو أصول من مدينة العوامية ومقيم بالولايات المتحدة: إنّ «الناس خائفون لدرجة أنَّ الجُثث ظلَّت متناثرةً في الشوارع أيامًا»، في وقت ذكر ناشطون آخرون أنَّ حملة هدم الحي تحرِّكها الرغبة في قمع المدينة المتمرِّدة للأبد.

ويخشى العديد من سُكَّان العوامية من الخروج من منازلهم بسبب القصف المتوالي والقناصة المتمركزين على أسطح المباني
وتفيد عدة تقارير بأن سيارات الإسعاف والطواقم الطبيّة لا تستطيع الدخول إلى المدينة؛ إذ يجري تعطيلها في نقاط التفتيش، ما يسهم في تفاقم الظروف الإنسانية في المدينة.

حي المسورة بالعوامية يتحول إلى ركام، مصدر الصورة (مواقع التواصل).

وكانت محكمة سعودية قد أصدرت أحكامًا بالإعدام في حق 14 ناشطًا شيعيًّا بتهمة متعلقة بالتظاهر في القطيف وأدانت ذلك منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش وطالبتا السلطات السعودية بإلغاء الأحكام لأنها صدرت دون محاكمات عادلة، وطالبت الرئيس الأمريكي باستخدام صداقته مع الملك سلمان لوقف تلك الإعدامات.

وقال علي الدبيسي، رئيس المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، إنَّه لا يمكن اختزال المواجهة القائمة في بلدة العوامية باعتبارها قضية طائفية فحسب وأوضح: «عندما قتلوا الشيخ نمر فإنهم أعدموا معه أربعة شيعيين و43 سنيًا، إذًا يتعدى الأمر مسألة الطائفية».

إيران تراقب الوضع وتشرف على المنطقة استخباراتيًّا

في خضم تصاعد الاشتباكات في مدينة العوامية، قال نائب القائد العام للجيش الإيراني العميد أحمد رضا بوردستان، بالأمس، إن القوات المسلحة الإيرانية ترصد جميع التحركات في المنطقة، وتملك إشرافًا استخباريًا على المنطقة بأكملها، وتتهم السعودية طهران بدعم الشيعة وتقليبها على نظام الحكم في المملكة، وكانت تسريبات سعودية اتهمت إيران بأنها كانت الجهة المدبرة لتفجيرين كبيرين استهدفا القوات الأمريكية خلال تسعينيات القرن الماضي في الرياض وبرج الخبر، وذلك بدعمها لحزب الله الحجازي، وتسعى إيران حسب المسؤولين السعوديين إلى تصدير الثورة الخمينية إلى السعودية عبر أذرعها في المملكة وهذا ما يخشاه النظام السعودي.

أحداث العوامية.. اختراق إيراني أم أزمة داخلية؟

لطالما وجهت السعودية أصابع اتهامها إلى عدوها اللدود إيران كلما وقعت أزمة داخلية كان للأقلية الشيعية دور فيها. في هذا الصدد، قال عادل الجبير: «تبقى إيران الراعي الرئيس المنفرد للإرهاب في العالم، وهي مصرة على قلب النظام في الشرق الأوسط، وما لم تغير إيران سلوكها فسيكون من الصعب جدًا التعاون مع دولة مثل هذه»، وأردفه بتصريح قبل أيّام قال فيه: «أي دولة تتعامل مع إيران ستكون النتيجة سلبية عليها، فالإيرانيون سبب الخراب والقتل والفساد والدمار فلا يوجد دولة تعاملت مع إيران وحققت الخير»، وقال العميد الركن حسن الشهري: «لم نكن نعرف في السعودية والمنطقة الإرهاب حتى عام 1979م عندما استولى نظام الملالي على الحكم في طهران وبدأت معاناتنا مع نظام ولاية الفقيه وتصدير الثورة، وتأثير طهران وصل العوامية عن طريق نمر النمر الذي حكم عليه بالإعدام في نهاية عام 2015  لتورطه في أعمال إرهابية وقد استطاع قبل ذلك خطف عقول بعض شباب هذا الحي».

في مقابل ذلك يرى علي الدبيسي رئيس المنظمة السعودية الأوروبية في تغريدة له أن المشاكل بالعوامية وغيرها لا تتعلق بما يقال عن تأثيرات من لاعبين سياسيين بالخارج يستهدفون الداخل السعودي، وإنما الأمر يتعلق بمطالب داخلية تتمثل في المساواة في الحقوق ومساعٍ نحو عدالة اجتماعية فشلت الدولة السعودية في تحقيقها.

صفقات سلاح مليارية.. والعمليات المسلحة مستمرة

في 20 مايو (أيار) 2017  وقعت السعودية مع حليفتها الولايات المتحدة على صفقة أسلحة بقيمة 350 مليار دولار لتصبح بذلك صفقة السلاح الأضخم في العالم وشملت الصفقة دبابات هجومية وسفنًا قتالية وأنظمة دفاع صاروخي ورادارات وتقنيات اتصالات شديدة التطور، جعلت السعودية تحتل المركز الثالث عالميًا في تصنيف الدول المستوردة للسلاح، لكن مع كل هذا الكم من الأسلحة المقتناة لا تزال العديد من العمليات المسلحة تهزّ المملكة بين الفينة والأخرى مستهدفة مدنيين وعسكريين، في السياق ذاته قال المتحدث الرسمي باسم الداخلية السعودية اللواء منصور التركي إن المملكة تعرضت خلال سنة 2016 إلى 128 جريمة إرهابية نتج عنها مقتل وإصابة 1147 آخرين، ليُطرح الاستفهام على مدى جدوى الصفقات التي أبرمت بالمليارات في وقت نزح فيه السعوديون من منازلهم بحجة الإرهاب.  
أحداث العوامية ألقت بظلالها على صفقات السلاح بين السعودية ودول أخرى، إذ أعربت كندا السبت الماضي، عن قلقها المتصاعد من تقارير تتحدث عن احتمال استخدام السلطات السعودية عربات مدرعة كندية الصنع في عمليات قمع بشرق المملكة، ونقلت صحيفة The Globe and Mail الكندية، عن جون بابكوك، المتحدث باسم قطاع الشؤون الدولية بالحكومة الكندية، أن الحكومة «ستتخذ الإجراءات اللازمة إذا ثبت أن الصادرات الكندية تم استخدامها في ارتكاب مخالفات جسيمة لحقوق الإنسان».

المصادر

تحميل المزيد