منذ أربعة أسابيع تشهد مدينة طنجة شمال المغرب مظاهرات ليلية حاشدة بعشرات الآلاف كل سبت، مطالبة برحيل شركة “أمانديس” المفوض إليها بتدبير قطاع الماء والكهرباء في المدينة، بسبب اشتعال فواتير خدماتها.

واجهت السلطات المسيرات الشعبية ميدانيًّا بشيء من الحذر والمرونة مع بعض التدخلات العنيفة أحيانًا، أما سياسيًّا فقد طالب رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران المحتجين بالعودة إلى ديارهم واصفًا احتجاجاتهم الشعبية “بالفتنة”.

لكن المتظاهرين بالمدينة أبوا إلا أن يستمروا في احتجاجاتهم، وإن قل زخم المظاهرات ليلة السبت الأخير، حتى رحيل شركة “أمانديس”، التي يتهمونها بسرقة جيوبهم، وما زالت حتى الساعة الأمور معلقة بدون حل.

في تقريرنا هذا، سنقدم في خمسة أسئلة كل ما ينبغي أن تعرفه حول هذه الشركة “المشبوهة”، التي بسبب خدماتها المرتفعة السعر صدحت حناجر ساكنة طنجة برحيلها.

 

  • أولا من هي «أمانديس»؟

تنتمي “أمانديس” للشركة العالمية الفرنسية العملاقة فيوليا، الشركة الخاصة تقدم خدماتها في العديد من مدن العالم، حيث تستثمر في أربعة قطاعات، النقل، الاتصالات، وجمع النفايات، وتدبير الماء والكهرباء.

“فيوليا” تتفرع منها ثلاث شركات وهي: سويس ليونيز، وسور، وفيفاندي، الأخيرة مقسمة إلى قسمين: فيفاندي أونفرسال التي تعمل في مجالات منها الاتصالات، وفيفاندي أونفرنمو التي تستثمر في الماء والكهرباء والصرف الصحي، والتي تنتمي إليها كل من “أمانديس” و”ريضال” و”ليديك” الشركات المكلفة بإدارة قطاع الكهرباء والصرف الصحي في جل مدن المغرب، وجميعها تنحدر من “فيوليا” الشركة الأم، كما أن لها فروعًا في مدن مختلفة من العالم بأسماء مختلفة.

بدأت العمل في مدن المغرب منذ سنة 2002، تملك 331226 موظفًا في 77 دولة، وعائداتها السنوية تقدر بـ 30 بليون أورو، ومدرجة في بورصتي يورونيكست باريس وبورصة نيويورك.

  • ما هي الأخطاء التي اقترفتها «أمانديس» في عملها بمدينة طنجة؟

يتهم المواطنون المحتجون بمدينة طنجة شركة “أمانديس” بالتلاعب في التسعيرات، وعدم معاينتها أصلًا للعدادات، وبالتالي إصدار فواتير بأسعار غير معقولة، لكن هل هناك ما قد يؤيد وجهة نظر السكان؟

شاهد جانبًا من تقرير فرانس 24 حول مظاهرات الشموع بطنجة.

رصد تقرير بتاريخ 20 أبريل 2011 للمجلس الأعلى للحسابات – وهي مؤسسة رسمية-
خروقات للشركة الفرنسية أمانديس وصفت بـ”الخطيرة”، حيث كشف عن قيمة تكاليف استهلاك الماء والكهرباء بدون سند قانوني بين مايو 2007، ومايو 2009 ما يناهز 2 مليون درهم.

وأورد التقرير أن شركة “أمانديس” أقدمت على استخلاص فواتير صورية للماء والكهرباء بدون سند قانوني ما بين 17 أكتوبر 2005، و05 نوفمبر 2009 بحوالي 2.6 مليون درهم، مضيفًا أنها لم تبدأ في تنفيذ ما يقرب من 264 مشروعًا استثماريًّا تمت برمجته خلال الفترة 2002
– 2008 بقيمة 832 مليون درهم، علمًا بأنها استفادت من تسبيقات مجانية دون سند قانوني على الأشغال المزمع إنجازها.

ويسجل التقرير أيضًا أن “أمانديس” خالفت البنود التعاقدية المتعلقة بتكاليف الربط، حيث تفرض على السكان مبالغ كلية عليها، في خرق لمقتضيات الفصول 72 من دفتر التحملات المتعلق بالتطهير السائل، و35 من دفتر التحملات المتعلق بالماء الصالح للشرب، و34 من دفتر التحملات المتعلق بالكهرباء.

كما يشتكي العديد من سكان مدن الشمال الشرقي للمغرب، طنجة، وتطوان، والناظور، بتضاعف سعر الفاتورة عدة أضعاف مضاعفة، حيث كان الأداء قبل ست سنوات لا يتجاوز 50 درهمًا فأصبح الآن ما يفوق 2500 درهم، وتصل التكلفة لدى البعض إلى 4000 درهم، في غياب للاستهلاك الإضافي الذي قد يبرر مثل هذه الزيادات، علمًا بأن مستوى الأجور بقي على حاله.

بالمقابل ترد أمانديس على هذه الزيادات الصاروخية بأنها غير مسؤولة عنها، وبأنها تتعامل فقط مع العدادات، متبعة الإجراءات التي فرضتها الدولة المغربية لإنقاذ الصندوق الوطني للماء والكهرباء من الإفلاس.

  • ما سياق الأزمة حتى نفهم أكثر؟

في سياق العولمة ونظام السوق المفتوحة، تنحو مختلف بلدان العالم تدريجيًّا نحو خصخصة جل القطاعات المرتبطة بخدمات مواطنيها مثل التعليم، والتطبيب، والنقل، والماء، والكهرباء، ومعالجة النفايات، وتنفيذًا لتوصيات البنك الدولي والمؤسسات المالية الكبرى، شرع المغرب منذ 2002 بتفويض تدبير الماء والكهرباء والصرف الصحي للتخلص من الأعباء المالية التي كانت تكلف الدولة ميزانية ضخمة، وهو ما قوبل في بداية الأمر برفض شعبي في عدد من المدن، غير أن السلطات أقنعتهم بأن هذه السياسة لا رجوع عنها.

قد يتصور البعض بأن سياسة الخصخصة هي من تتسبب في إشعال جيوب المواطنين، إلا أن هذا الأمر ليس دقيقًا في الواقع، إذ إن النظام الليبرالي الذي يقوم على الأسواق الحرة يشجع بطريقة عمله على توفير الجودة وانخفاض التكلفة من خلال مبدأ المنافسة بين الشركات التي تتسابق للحصول على الصفقات بتقديمها أفضل العروض في الجودة والسعر المنخفض، وكثير من البلدان المتقدمة مثل بريطانيا وألمانيا وأمريكا تفوض خدماتها الحيوية للشركات الخاصة، إذن ما الخطأ الذي وقع فيه المغرب؟

نظام الخصخصة يوفر إمكانية الاختيار بين الشركات الكثيرة المتقدمة لإدارة القطاع المراد خصخصته، إلا أن اختيار الشركة الأفضل أو الأسوأ مع طبيعة مضامين بنود التعاقد بالإضافة إلى ضعف أو قوة نظم حماية المستهلك، كل ذلك هو أمر مرتبط بالدولة، ومن خلال هذه الفجوة تمكنت “أمانديس” التي لها سجل حافل بالاختلالات خارج البلاد كما سنرى، مستغلة اللعب على وتر العلاقات الفرنسية المغربية، لإدارة قطاع الماء والكهرباء كما لو كان المغرب مجالًا مفتوحًا لها، علاوة على طبيعة مضامين البنود السرية المتعاقد عليها، التي من بينها عدم فسخ العقد ولو لم يتم الالتزام بدفتر التحملات، وفي حالة فسخ العقد يجب تقديم تعويضات كبيرة للغاية.

وفي ظل غياب نظم قضائية وإدارية تحمي المستهلكين كالشأن لدى الدول الديموقراطية، فإن الأمر يصبح أكثر سوءًا، حيث انفجرت من أغسطس/ غشت 2014 الماضي أزمة مكتب الماء والكهرباء، بسبب ما وصفته الحكومة حينها بـ”ارتفاع تكاليف إنتاج وتوزيع الماء الشروب والكهرباء وخدمات التطهير السائل، مقابل تطبيق تعريفات لا تكفي لتغطية هذه التكاليف”، وهو ما يعني نداءً مباشرًا للمواطنين بالاستعداد لتسعيرات مرتفعة لإنقاذ المكتب الذي كان على وشك الإفلاس بسبب ما شابه من اختلالات وفساد سجلتها عدة تقارير إعلامية وحقوقية، قال حينئذ رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران قائد حزب العدالة والتنمية الإسلامي مخاطبًا أحد تجمعاته الخطابية بعد أن سرد لهم نكتة: “لقد رفعت من أثمنة الماء والكهرباء لكنكم تقبلتموها مني، لأني أحرص على مصالحكم ومصالح الوطن”، فرد عليه المتجمعون أمامه بقهقهات مع التصفيق!

يكلف ما تصفه الحكومة بـ”الإصلاح” للمكتب الوطني للماء 45 مليار درهم للفترة ما بين عامي 2014 و2017، سيتحمل فيها المواطن أكثر من 80 في المئة من تكاليفه، 22 مليار درهم يمنحها على شكل ضرائب، و13 مليار درهم سيدفعها المستهلكون مباشرة كزيادة في الفاتورة، وهو ما يفسر الزيادة الصاروخية في أسعار الماء والكهرباء.

هل لدى شركة أمانديس سوابق اختلالات خارج البلاد؟

تملك فيوليا الفرنسية التي ينتمي إليها فرع “أمانديس” المسؤول عن تدبير قطاع الماء والكهرباء والصرف الصحي، سجلًا حافلًا بالاختلالات في العديد من مناطق العالم، حتى أنه تم إنهاء العقد معها في مدينة باريس نفسها خلال ولاية جاك شيراك، بسبب احتجاجات مدنية على الارتفاع الغامض لسعر الماء والكهرباء بنسبة 8 في المائة فقط، فاضطرت بلدية باريس إلى استعادة هذا القطاع عبر الشركة العمومية “مياه باريس”، لتنخفض الفاتورة بنفس النسبة التي ارتفعت فيها مع فيوليا.

وكانت فيوليا أيضًا مسؤولة عن تدبير الماء والكهرباء والصرف الصحي بالعاصمة برلين بألمانيا سنة 1999، عانى المواطنون الألمانيون الذين يملكون دخلًا مرتفعًا من أسعار خدماتها فقاموا باحتجاج ضدها، فطردت بلدية برلين إثرها الشركة الفرنسية، ليتم تأميم الخدمة، أما الأرجنتين فقد طردت الشركة فيوليا التي كانت تسهر على إدارة قطاع والكهرباء بمنطقة توكاما ومتابعتها لدى البنك الدولي الذي حكم بمخالفة الشركة لبنود الاتفاقية، وفي رومانيا يحقق القضاء في شبهات دفع الشركة رشاوى ضخمة لمسؤولين بالدولة مقابل امتيازات تتيح لها رفع الأسعار في العاصمة بوخاريست.

وفي سنة 2008، دشنت حملة عالمية واسعة لمقاطعة شركة فيوليا، بسبب تورطها في دعم الاستيطان الإسرائيلي، حيث تقوم فروعها بإسرائيل،TMM, amendis Vivendi, Onyx بتدبير الماء والصرف الصحي وجمع الزبالة بالعديد من المستوطنات الإسرائيلية، بالإضافة إلى مشاركتها في مشروع ترامواي بالقدس، وهو ما يعد خرقًا للقانون الدولي.

دفعت حملة المقاطعة الدولية لشركة فيوليا إلى سحب آخر استثماراتها بإسرائيل في أبريل الماضي من السنة الجارية، وذلك بعد خسارتها لعدد من الصفقات في أوروبا (لندن، ستوكهولم) والكويت.

هل يبدو مطلب رحيل أمانديس معقولًا؟

تبرر الحكومة عدم استجابتها لمطلب الشارع في طنجة، الذي يطالب برحيل شركة “أمانديس” بسبب التهاب الفواتير، بأنه أمر غير ممكن، لأنه سيضر بالعلاقات الفرنسية المغربية وبسمعة الدولة ككل، بالإضافة إلى أنها مرتبطة بعقد مع الشركة لا يمكن فسخه إلا بتعويض كبير جدًّا، ووعدت مقابل التخلي عن هذا المطلب بمراجعة الاختلالات، وتقييم مدى احترام الشركة لدفتر التحملات.

للوهلة الأولى يبدو مبررًا معقولًا، بيد أن هناك الكثير من المياه تحت الجسر، هناك الكثيرون ممن يختلفون مع هذه الجدلية: “إذا كانت فرنسا نفسها قد قامت بإنهاء خدمات هذه الشركة بعاصمتها، فكيف لا يمكن للمغرب ذلك؟”، يتساءل موقع ألف بوست التحليلي، أما الصحافي علي أنوزلا المتوج بالعديد من الجوائز الدولية لحرية الصحافة، فيقول في مقال له ما مفاده: إنه إذا كان بالإمكان تم تجميد استثمارات شركة إيكيا السويدية بداعي السيادة الوطنية كما حدث قبل أسابيع، بالرغم من حجم الضرر الاقتصادي الكبير الناجم عن ذلك، فإنه بإمكان توقيف شركة “أمانديس” لمصلحة الشعب.

وتعد ظاهرة طرد البلديات للشركات المفوضة بتدبير قطاع الماء والكهرباء والصرف الصحي أمرًا شائعًا بين مناطق العالم حسب دراسة تم إجراؤها حديثًا، كشفت أن 235 حالة طرد تم تسجيلها في الخمس عشرة سنة الماضية في العالم، استحوذت البلدان الديموقراطية المتقدمة على 184 حالة منها، بينما احتفظت الدول النامية بـ 51 حالة فقط، تحتل بلديات فرنسا المرتبة الأولى في هذا الصدد بتسجيلها 94 حالة طرد، تليها الولايات المتحدة الأمريكية بـ58 حالة.

ويتوقع المراقبون أنه في الغالب لن تستجيب الحكومة لمطلب طرد الشركة، ومقابل ذلك ستقوم بإجراءات في محاولة لإرضاء المحتجين، قد تصل هذه الإجراءات إلى تخفيض نسبي لتسعيرة فواتير الماء والكهرباء المرتفعة، وهو ما يلزمها بتقديم تعويضات للشركة لتغطية الأسعار الحقيقية للفاتورة.

ووفقًا للمراقبين، ففي كل الأحوال تتحمل الحكومة المسؤولية، فهي من تتعاقد معها وهي من تتفاوض معها في وضع بنود الاتفاق، وهي من لديها السلطة لمراقبة الشركات التي تفوض إليها خدماتها، كما أنها تتحمل مسؤولية حماية المستهلكين أمام الشركات التي تهدف دائمًا بطبعها لمزيد من الربح.

 

المصادر

تحميل المزيد