«الموسيقى هي أقرب شيء بعد الصمت، يمكنه التعبير عما لا يمكن وصفه». *ألدوسهكسلي

رغم كل الإخفاقات السياسية التي وصمت بها ثورة يناير، يظل هناك معركة ربما استطاعت تلك الثورة أن تبلي فيها بلاءً حسنًا. في هذا التقرير سنلقي الضوء أكثر على هذه المعركة المنسية.

ما قبل الثورة

الأندرجراوند


في بداية الألفية الحالية، ربما تحّكم رأس المال في صناعة الموسيقى، والفن في تلك الفترة، تحكمًا أضاع الموهبة، وأتاح الفرصة لأنصاف المواهب في نظر البعض، وظهر ذلك جليًا في آراء النقاد حول أغاني الأفلام، والمسلسلات المصرية، وظهور ما يعرف بـ«إسفاف الأغاني الشعبية»، مع احتفاظ عدد محدود من المطربين بقمة هرم الأغنية المصرية، والمواقع المتقدمة في المبيعات، والإنتاج مثل: عمرو دياب، ومحمد منير، وغيرهما. ورويدًا رويدًا صعد اتجاه بدأ يشوب هذا الاحتكار، وهو تيار الفن المستقل، أو ما يعرف بـ«الأندرجراوند».

«أزمة الأغنية المصرية في عقول مطربيها». *محمد منير

الأندرجراوند

بدأ تكوين بعض الفرق الفنية المستقلة، والمطربين المستقلين مثل: وسط البلد، وكايروكي، ومسار إجباري، ودينا الوديدي، ومريم صالح، وغيرهم، متحدين الكثير من المشكلات والمعرقلات، مثل ضعف الدعم المادي، والاجتماعي، والتصور السائد والمثبط حينها عن انعدام الوعي الجماهيري بمثل هذا النوع من الموسيقى الحديثة، والمبتكرة؛ ليأتي فيلم «ميكروفون» الذي تناول قصصًا حقيقية لكثير من فرق الإسكندرية التي لم يكن يعلم عنها أحد، والتي اصطدمت أحلامها بالتعنت الحكومي المعتاد في تلك الفترة للحصول على مسرح تغني عليه، فتفشل فرصتها في الحصول على ذلك، ويعتزمون أعضاء تلك الفرق الغناء في الشارع، فيتصدى لهم المصلون في المساجد، وتنبأ الفيلم أيضًا بموجة ثورية مفاجأة في تلك الفترة حسب سيناريو المؤلف «أحمد عبد الله السيد»، وما لبث حتى نشبت ثورة يناير، بعد الفيلم بشهور.

الثورة على الفن الرأسمالي

خرج الآلاف من الشباب المصري الرافض لوضع ما قبل الخامس والعشرين من يناير 2011، على أنغام هتافات «عيش، حرية، عدالة اجتماعية«، وظهرت الدوائر الشبابية العملاقة في ميادين مصر المختلفة، وتحولت الميادين إلى مسارح متحركة وجدت فيها الفرق المستقلة الفرصة لإضفاء حالة موسيقية ثورية فريدة؛ فكأن الثورة أنارت طريق اليأس، ومتعت تلك الفرق بالأمل في التغيير، واكتساب شعبية أكبر بين فئات المجتمع المصري؛ فكان يناير ميلادًا جديدًا لــ «الأندرجراوند».

 

مصطفى سعيد

 


الأندرجراوند

الكفيف الذي أطرب بصوته، وألحانه آذان المبصرين، من مواليد القاهرة 1983، وهو باحث في الموسيقى العربية الأصيلة، وعُرف عنه شغفه الشديد بها، وله العديد من الإصدارات في ذلك الشأن، وهو أحد الشباب الذي اعتادوا على التواجد الدائم في ميدان التحرير خلال أيام الثورة وما بعدها من أحداث، فعشق المسرح، وعشقه قطاع كبير من الثوار، وغنى للشاعر «تميم البرغوثي» عدة قصائد، أبرزها «يا مصر هانت»، وكذلك «منصورة يا مصر مش بجميلة العسكر».

 

رامي عصام

 


الأندرجراوند

مغني الثورة، وأحد الأصوات المميزة في ميدان التحرير سواء خلال أيام الثورة، أو ما بعدها من أحداث شهدتها البلاد، من مواليد مدينة المنصورة لأسرة من الطبقة المتوسطة، والغريب في الأمر أنه لم يكن مشاركًا في التظاهرات منذ بدايتها، لكنه نزل يوم 28 يناير ليستطيع متابعة الأحداث في الشارع، ويعرف بنفسه، ويعايش حقيقة الأمر، ومع تطور الأحداث قرر الذهاب إلى القاهرة والانضمام للمتظاهرين في ميدان التحرير؛ ليشهد الميدان ميلاد فنان له بريقه الخاص، والذي تعلقت به المنصات، واستمتع به المتظاهرون في التحرير.

«الفن هو أقوى سلاح في العالم». – رامي عصام

واستطاع خلال الأعوام الستة السابقة إنتاج ثلاثة «ألبومات» هي: «منشورات، ومسلة، وممنوع» وطرحها مجانًا للجماهير عبر قناته الخاصة على اليوتيوب، بالإضافة لعدد كبير من الأغاني الفردية، والتي عادة ما كانت متعلقة بالتطورات السياسية التي تشهدها مصر.

 

إسكندريلا

 


الأندرجراوند

صوت الميدان النابض، وملهب حماس الثائر، هكذا يراها البعض، وهي فرقة موسيقية مستقلة أُسست عام 2005، تهتم بإعادة إحياء تراث الشيخ إمام، وسيد درويش، كما تغني قصائد خاصة للشعراء، مثل: أمين الحداد، وفؤاد الحداد، وصلاح جاهين، ويرجع الاسم إلى قصيدة الشاعر خميس عز العرب التي تحمل نفس العنوان، وعُرف عن الفرقة تواجدها الدائم في ميدان التحرير أثناء أيام الثورة، وما بعدها من أحداث مثل «محمد محمود»، وتتكون الفرقة، التي احتفلت منذ أيام بعيدها الـ11 في ساقية الصاوي، من أناس حُرموا من الشهرة، والأضواء، فربما يعرف الشباب المصري «إسكندريلا» جيدًا، ولكن يغيب عن البعض هذه الأسماء: سامية جاهين، وحازم شاهين، وآية حميدة، وهاني بدير، وشادي مؤنس، وغيرهم.

 

عمدان نور

 


الأندرجراوند

إحدى الفرق التي خرجت من رحم الثورة، حيث أُسست في أغسطس عام 2011، بعد أن اكتسبت شهرتها من ميدان التحرير طوال الـ 18 يومًا، حيث كانوا يتجولون بين الجماهير، ولم يعتمدوا على منصات الميدان في تلك الفترة، وتُعد من أوائل الفرق التي عاشت في أجواء الثورة، واستمرت طوال أيامها، وما بعدها من أحداث.

«الفرقة تنتمي للثورة ولا تحابي طرفًا، ولا تعترض على حزب أو حركة بعينها». – يحيى نديم

وتُعد الفرقة اتحادًا لخمس فرق موسيقية مستقلة معًا بقيادة «يحيى نديم«، وقاموا بإحياء أولى حفلاتهم الغنائية بدار الأوبرا كأول فرقة غنائية مستقلة في مصر، في سبتمبر 2011.

 

وسط البلد

 


الأندرجراوند

الفريق الفني المستقل الأول الذي تأسس عام 1999. كانت البداية صعبة بسبب الوضع المادي السيئ للفريق، والذي لم يمكنهم من استئجار أماكن لعزف ألحانهم، أو لشراء آلاتهم الموسيقية؛ فاتجهوا إلى مقاهي وسط البلد، التي تعج بآلاف الشباب المتذوق لطعم الأغنية، والمستمع لصوت اللحن، وبالفعل لاقت أعمالهم شعبية كبيرة في تلك الفترة، وساعدهم في ذلك المزيج الذي كانوا يقدمونه ما بين الموسيقى العربية الأصلية، والغربية الحديثة، وأصدروا أول ألبوم لهم عام 2008.

مع بداية الثورة ارتفعت أسهم الفرقة كثيرًا، خاصةً مع تفاعلهم الدائم مع أحداثها. أنتجوا أغنية ثورة غضب تكريمًا لشهداء «ميدان التحرير«، وكذلك أبطال أحداث شارع «محمد محمود«، ويتكون الفريق من سبعة أفراد، هم: هاني عادل (غناء وGuitar)، وأحمد عمران (عود وFlute)،أحمد عمر (Base Guitar)، وأدهم السعيد (غناء)، وإسماعيل فوزي (غناء وGuitar)، وبوبو ميزو (إيقاعات)،

 

كايروكي

 


الأندرجراوند

بدأ الصديقان أمير عيد، وشريف الهواري حلمهما بتأسيس فريق فني مستقبل تحت اسم «The black Star»، يطلق الأغاني باللغة الإنجليزية، قبل أن يقررا تغيير مسار الفريق إلى العربية، ويتحول إلى «كايروكي»، وينضم إليهما تامر هاشم (Drums)، وآدم الألفي (Base Guitar)،وشريف مصطفى (Keyboard)، وظل أهم ما يميزهم طيلة الأعوام السابقة تعبيرهم عن واقع الشباب المصري في اللحظات المناسبة بكلمات، وجدت مستقرها في أذن المستمتع، وأصدروا أول ألبوم لهم في عام 2011، حيث كانت الانطلاقة الحقيقية للفريق مع تنحي الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وأغنية «صوت الحرية«.

 

مسار إجباري

 


الأندرجراوند

أُسس الفريق الإسكندراني في عام 2005 على يد خمسة من الأصدقاء الذين تركوا أعمالهم الخاصة؛ ليتفرغوا للموسيقى والغناء، وهم: هاني الدقاق (غناء وGuitar)، وأيمن مسعود (Keyboard)، ومحمود صيام (Guitar)، وأحمد حافظ (Base Guitar)، وتامر عطاالله (Drums).

وجاء اسم مسار إجباري ليناسب رفضهم القاطع للسير في دوائر مغلقة، وتضييق مساحات الإبداع والابتكار، فأغانيهم تعبر عن المجتمع ومشكلاته، من خلال نمط حديث يجمع بين التراث الأصيل، والموسيقى الغربية.

«الثورة المصرية عدلت الكثير من الأفكار لدى الناس، أبرزها الموسيقى والفن». – هاني الدقاق

ومع بداية الثورة انتقل الرفاق من شواطئ الإسكندرية الهادئة إلى ميادين القاهرة الصاخبة؛ ليذاع صيتهم، ويحظوا بشهرة واسعة بين جموع الشباب المصري، كما أطلقوا أول ألبوم لهم في عام 2015 بعنوان «تقوم وتقع».

ما بعد الثورة

الأندرجراوند

أصبح لتلك الفرق جمهورًا عريضًا، وظهر ذلك بوضوح في حفلاتهم المختلفة في كافة الفعاليات، والمدن، سواء في الداخل، أو في الخارج، واعتلت أغاني بعض منهم قوائم الأكثر مشاهدة، واستماعًا على موقعي «اليوتيوب والساوند كلاود»، إذ وجد الشباب المصري فيهم توثيقًا أمينًا لكافة أحداث الثورة، وما بعدها من وقائع كانت تقع موقع الزهو والفخر لديهم؛ مما فتح الباب واسعًا لكثير من الفرق الشبابية لإظهار مواهبها الفنية المختلفة، حيث وصلت عدد فرق الأندرجراوند في مصر لأكثر من 300 فرقة غنائية مستقلة بعد الثورة.

«اتجاه الناس لحضور الحفلات الموسيقية في ساقية الصاوي في الفترة الأخيرة بعد ثورة يناير (كانون الثاني)، يرجع إلى حالة اختلاف ثقافة الجمهور المتلقي للأغاني». *هاني عادل، فرقة وسط البلد

 

الفن الميدان: الفن بطعم الثورة

 


الأندرجراوند

ربما كانت الفكرة الأكثر تبلورًا التي بينت أثر الثورة في تغيير الذوق الفني للشباب المصري، حيث تُعد أكبر تعبير ثقافي عن الثورة بعد فبراير (شباط) 2011. هدفت إلى إظهار قدرة الفنانين، والمثقفين المستقلين خارج الأطر الرسمية ليضعوا على قمة أولوياتهم تقديم الفنون للناس في الشوارع، والميادين مجانًا بدون قيود، أو حواجز اقتصادية، أو اجتماعية، أو أمنية، وكان قائمًا بشكل أساسي على التبرعات المادية التي يُعلن عنها تباعًا لضمان الشفافية الكاملة لدى جماهيرهم العريضة من الشباب.

تكلفة اليوم الواحد من احتفالية الفن ميدان تصل إلى نحو 20 ألف جنيه مصري، كلها من أموال التبرعات. وينشر القائمون على الفن ميدان على شبكة الإنترنت بشكل مستمر تفاصيل ميزانيتهم والتبرعات التي يتلقونها بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من الشفافية. *تقرير لموقع قنطرة

وكان انعقاد الفن ميدان دوريًّا في أول سبت من كل شهر، حتى مُنع لاعتبارات أمنية من إقامة فعالياته، وخلال تلك الفترة شاركت العديد من الفرق المستقلة، والفنانين المستقلين، ليس فقط في الجانب الغنائي، ولكن في كافة أنواع الأنشطة الثقافية، فكأنه صوت الثورة الثقافي الذي أخرسته قوات الأمن، من وجهة نظر البعض.

 

الدولة ترحب بـ «الأندرجراوند»!

 


الأندرجراوند

ما بين مؤيد ومعارض، أثارت مشاركة بعض الفرق المستقلة مثل بلاك تيما، وعمدان نور في احتفالات، ومؤتمرات خاصة بالدولة المصرية خلال الآونة الأخيرة، جدلًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أطلق البعض على ذلك أوصاف التخاذل، والتخلي عن مبادئ الثورة، وأفكارها، فيما رأى البعض الآخر أنه لا بأس من المشاركة كنوع من نشر الفن، وأنه لا علاقة له بالتخاذل أو غيره، وما بين هذا، وذاك يبدو أن موقف الدولة تحول من التعنت الواضح والصريح تجاه «الأندرجراوند»، والذي عبر عنه فيلم ميكرفون قبل شهور من بدء الثورة، إلى نوع من الاحتواء الذي وصل إلى حد الاستضافة في الفعاليات الرسمية للدولة.

https://www.youtube.com/watch?v=3AZQ33ZUtyk

عرض التعليقات
تحميل المزيد