الزمان هو الاثنين، التاسع من أغسطس (آب) الحالي، على اليمين الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، ويده اليمنى بالأسفل تصافح يد الرجل أقصى اليسار، الرئيس الإيراني «حسن روحاني»، وفي المنتصف يدا شخص ثالث يتوسطهما، «إلهام علييف»، رئيس أذربيجان، والمكان العاصمة الأذربيجانية «باكو»، والحدث قمة نادرة توجه فيها الحليفان، في طهران وموسكو، إلى أذربيجان لمناقشة ملفات المنطقة الأمنية، وربما في المعتاد يقع الأمر في إطار الزيارات الدبلوماسية المعتادة، ومناقشة ملفات لا نعلم عن نتائجها إلا خطوطًا عريضة، إلا أن الجديد هذه المرة كان شيئًا آخر، لقد انضمت طهران وموسكو وباكو إلى تل أبيب في مسعاها الأزلي لاستبدال قناة السويس المصرية، أو خلق منافس لها، وإلى التنين الصيني الذي يحاول جاهدًا إحياء طريق الحرير من مواته التاريخي.

الرؤساء الثلاثة في القمة، الاثنين الماضي «مصدر الصورة: www. theiranproject.com»

على مدار العقود الماضية، خرجت عشرات التصريحات، أو الإشارات بنوايا استبدال قناة السويس المصرية، أو على الأقل محاولة خلق طريق بديل لمشاركتها حصتها من التجارة العالمية، العابرة في هذه المنطقة، منطقة هي الأهم من الناحية الاستراتيجية والجيوسياسية عالميًا، واصلة بين الشمال الأوروبي والروسي، والجنوب الأفريقي والأسيوي، وبين الغرب الأفريقي والشرق الأسيوي، مرورًا بأوروبا أيضًا، وعلى الرغم من كثرة ما قيل في هذا الصدد، إلا أن تنفيذ مشروع جديد، يختصر زمن الطريق الذي تتحكم فيه قناة السويس، يبدو شديد الصعوبة، لذلك لم تؤخذ هذه المحاولات بجدية لاعتبارات عدة، منها تكاليفها شديدة الضخامة، ولأسباب تقنية أخرى نكشف بعضها في القادم.

طهران.. ليست المحاولة الأولى

في الثامن من أبريل (نيسان) لعامنا الحالي، 2016، عقد الدكتور مهدي سنائي، السفير الإيراني في روسيا، لقاءً شبابيًا مع طلاب من جامعة سان بطرسبرغ، وأخبرهم فيه أن مشروع قناة طهران الملاحية يتم دراسته بدقة من قبل طهران وموسكو، في تعاون مشترك، لبحث السبيل الأمثل لتنفيذه.

يمتلك مشروع قناة طهران الملاحية بعدًا تاريخيًا، عائدة جذوره إلى القرن الـ 19، حيث ظل على الورق عصيًا على التنفيذ، للعلاقات المتوترة التي سادت مناخ التواصل بين الإمبراطورية الروسية وجارتها الجنوبية «طهران»، ثم استمرار ذلك التوتر في القرن العشرين بينها وبين الاتحاد السوفيتي أيضًا.

تمت إعادة إحياء فكرة المشروع في التسعينيات، ما بعد انهيار دولة السوفييت الشاسعة، وتم تشكيل لجنة من الخبراء لوضع تصور دقيق له، ثم خرجت دراستهم للنور في العام التالي مباشرة، 1999، إلا أن الولايات المتحدة كانت لطهران بالمرصاد، مستغلة الحظر التجاري العالمي الكامل المفروض على إيران منذ عام 1995، ومهددة بشكل مباشر أي شركات تبدي نيتها في مساعدة طهران على إنجاز المشروع، ثم ذهبت الدراسة إلى أدراج طهران الرسمية لعقد ونصف تقريبًا.

خريطة توضح مسار القناة من بحر قزوين إلى الخليج الفارسي في حال تنفيذها «مصدر الصورة: وكالة سبوتنيك»

في عام 2012، صرح أحد مسؤولي طهران الأهم، «ماجد نامجو» وزير الطاقة الإيراني، لوكالة أنباء فارس، أن المشروع سيكلف طهران قرابة السبعة مليارات دولار أمريكي، وأتى التصريح على هذا المستوى الرفيع كاشفًا نية طهران الفعلية لتنفيذه، ومحاولة اقتطاع جزء من كعكة التجارة العالمية في المنطقة، إلا أن هذه التكلفة رفعتها صحيفة «فزجلياد» الروسية، واضعة إياها ما بين 6:10 مليارات دولار، في نفس الفترة، إلا أن الصحيفة توقعت تغطية تكاليف المشروع، من أرباح القناة، في فترة لا تزيد على ثلاث إلى أربع سنوات، منذ بداية التشغيل، بما تقدر قيمته الربحية سنويًا بـ 1.4 مليار دولار قيمة شحن البضائع من الجانب الروسي، و1.3 مليار دولار من الجانب الإيراني.

كما قال «سنائي» أعلاه، فإن مشروع القناة يخضع حاليًا لدراسات ما قبل التنفيذ، وباختصار فإن القناة ستصل بين بحر قزوين، المسطح المائي المغلق الأكبر عالميًا، والذي تطل عليه خمس دول هي: روسيا وإيران وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان، وستمر بطول الجمهورية الإيرانية بالكامل، قاطعة إياها من الشمال للجنوب، وصولًا إلى الخليج الفارسي، مما يعطي طهران ومن ورائها موسكو خطًا مباشرًا إلى خليج عمان، ومن ثم المحيط الهندي، وهو مكسب استراتيجي تعول عليه موسكو بشدة؛ لأنه يعني تجاوز المضائق التركية، وتحديدًا مضيقي الدردنيل والبوسفور، مما يعنيه هذا من تقليل أوراق النفوذ الاقتصادية التركية، وبالتالي السياسية.

هذا المشروع، أو هذه المحاولة إن جاز إطلاق المصطلح عليها، تبدو أكثر تهديدًا لتركيا منها لمصر، ويمثل الأتراك هنا المعارض الأول لها، ويشرح الأمر «إيفان أندريافسكي»، نائب رئيس اتحاد المهندسين الروسي، منظمة الهندسة الأهم في البلاد، قائلًا إن قناة السويس ستتأثر بشكل لا يمثل خطرًا على حجم أرباحها، وستظل الخيار الأمثل للسفن؛ لأنها تصل بين بحرين، الأحمر والمتوسط، في مستوى مائي واحد تقريبًا، أما القناة الإيرانية المزعم إنشاؤها فهي تصل بين بحر قزوين وبين مياه المحيط الهندي، ومن المعروف أن مياه بحر قزوين تقع أسفل مياه المحيط بحوالي 27:29 مترًا كاملًا، ما يعنيه هذا من أن أغلب السفن ستصبح ملزمة بتركيب أنظمة أقفال هيدروليكية كاملة جديدة، لمنع فيضان المياه أو تدفقها من المستوى الأعلى للأسفل، ما يعنيه هذا من تكلفة إضافية عالية.

هذه العقبة هي مجرد عقبة صغيرة أمام المشروع الإيراني، كما يوضح «جنكيز إسماعيلوف»، رئيس مركز قزوين للبحوث والمعلومات، مقارنة بعقبات أخرى، منها أن سلسلة جبال ألبرز تمتد في الشمال الإيراني بالكامل تقريبًا، ما يعنيه هذا من معوق الحفر الأول، بالإضافة إلى أن القناة ستتطلب مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي، ما يعنيه هذا من تعويضات مالية ضخمة لأصحابها، فضلًا عن أن طول القناة قد يزيد من معدل الفيضانات، والتي بدورها ستزيد من معدلات حدوث الزلازل، في منطقة هي بالأصل نشطة زلزاليًا، أما العقبة الرئيسة في رأي إسماعيلوف فهي طول المسافة التي ستتطلب ابتكار وتصميم وصنع تكنولوجيا جديدة للحفر، مما سيصل بزمن الانشاء، في رأيه، لعقود.

المستوى الثاني للعبة: طهران وموسكو وطريق حرير جديد

بدا لصعوبة السابق أن الأمر يحتاج، بالنسبة لطهران، لفكرة أكثر قابلية للتنفيذ، استغلالًا لدفء العلاقات الحالي مع الغرب، ورفع العقوبات والاتفاق النووي، والتحالف الاستراتيجي الوثيق بينها وبين موسكو.

على الجانب الآخر، فإن الفكرة المطلوبة تبدو أكثر أهمية بما لا يقاس لروسيا، ولا يمكننا فصلها عن سياق إعلان الرئيس الصيني، «شي جين بينغ»، منذ ثلاثة أعوام تخصيص 40 مليار دولار لإنشاء ما أطلق عليه مشروع القرن الحادي والعشرين «طريق الحرير الجديد»، شبكة نقل هائلة ستربط بين الصين وآسيا الوسطى وأوروبا والشرق الأوسط، ومبلغ شديد الضخامة منه 16 مليار دولار لدعم البنى التحتية لدول آسيا الوسطى، رقم يفوق بعشرات المرات ما تضخه روسيا في نفس المنطقة.

لذلك كان لابد للدب الروسي أن يتحرك في اتجاه مختلف، وأن يتبنى مشروع نقل خاص له، يزاحم به السيطرة الصينية المرتقبة على منتصف آسيا، خاصة بعدما خسرت موسكو معركة نقل الغاز الطبيعي بالفعل أمام بكين، لتقع شبكة نقل الغاز في آسيا الوسطى في يد الأخيرة.

في قمة باكو يوم الاثنين الماضي، بين الرؤساء والحلفاء الثلاثة، خصص جزء منها لمناقشة مشروع إنشاء ممر دولي يربط بين شمال قارة أوروبا، وجنوب شرق قارة آسيا، ممرٌ يضم خطوط سكك حديدية تمر بأذربيجان وإيران وروسيا، ليستطيع نقل خمسة ملايين طن بضائع في مرحلته الأولى، ترتفع فيما بعد إلى عشرة ملايين طن في المرحلة الثانية، خاصة بعدما ثبت أن تكلفة نقل الـ 15 طن ستتقلص بمقدار 2500 دولار، وهو مبلغ ضخم مقارنة مع حجم البضائع المنقولة، نتكلم هنا عن توفير أكثر من مليون ونصف دولار لكل 10 آلاف طن بضائع فقط، وهو حجم بضائع شديد الضآلة بالنسبة لحركة التجارة في هذه المنطقة.

تَواصل «ساسة بوست» مع الباحثة الأردنية المختصة بالشأن الإيراني ووسط آسيا، بمركز الجزيرة للدراسات، دكتورة «فاطمة الصمادي»، فسمحت لنا بعرض بعض أفكارها ورؤاها حول المشروع وجدواه، فتقول إن المشروع بالأساس هو رؤية للرئيس الإيراني «حسن روحاني»، في كتابه غير المترجم للعربية «الأمن القومي والنظام الاقتصادي في إيران»، مفصلًا له ومعددًا منافعه كبديل لقناة السويس.

تُكمل دكتورة «فاطمة» فتقول إن الدراسات الإيرانية تشير إلى أهمية إيجاد ممر لنقل البضائع بين أوروبا وآسيا، يكون بإمكانه خلق حلقة وصل بين شرق آسيا والمحيط الهندي والخليج من جهة، وشمال وشرق أوروبا من جهة أخرى، كبديل فعال عن قناة السويس، حيث يختصر زمن نقل البضائع من الهند لأوروبا نصف زمن نقلها عن طريق القناة المصرية.

باللون الأزرق: مسار السفن التقليدي العابر بقناة السويس، وباللون الأحمر: مسار المشروع الثلاثي الإيراني الجديد..«مصدر الصورة: www.orientalreview.org»

وترى الباحثة أن المشروع سيمنح فوائدًا جمة لروسيا وإيران، فمن ناحية تنظر إليه طهران على أنه بديل مهم للدخل النفطي، ومن ناحية أخرى فإنه يمنح روسيا مدخلًا استراتيجيًا هامًا وسهلًا لمياه المحيط الهندي وبالتالي المحيطي الهادئ والأطلسي، وروسيا تمتلك بالفعل وصولًا إلى مياهي المحيطين، إلا أنه وصول عن طريق المياه الباردة، أما هاهنا فإنه سيكون أول طريق مياه دافئة يتوفر لموسكو.

ثلاثة مسارات محتملة للمشروع

أولاها هو العبور من بحر قزوين، بضائع أوروبا تعبر خلال الأراضي الروسية، ثم إلى سفن الشحن لعبور بحر قزوين، ثم تفريغ البضائع في الموانئ الإيرانية، ثم عبر الأراضي الإيرانية «نقل بري»، وصولًا إلى جنوب طهران، ومن ثم العبور من مضيق هرمز إلى مياه المحيط الهندي، وهو المسار الأساسي.

أما المسار الغربي فهو يمر من أوروبا إلى غرب روسيا، أو عبر البحر الأسود إلى جورجيا ثم أذربيجان، ثم إلى الأراضي الإيرانية عبر معبر «آستارا»، ثم إلى الجنوب الإيراني فالمحيط الهندي، وهو المسار ذو زمن النقل الأقل بين الثلاثة، أما المسار الشرقي فيمر عبر الشرق من روسيا إلى تركمانستان شرق بحر قزوين، ثم إلى الأراضي الإيرانية.

لا تقتصر أهمية المشروع الاستراتيجية على الاستفادة الروسية والإيرانية فقط، وإنما يمثل مفتاحًا شديد الأهمية للنفوذ الهندي، ولذلك كان محورًا هامًا من محاور زيارة رئيس الوزراء الهندي، «نارينادرا مودي»، في نهاية مايو (أيار) من عامنا الحالي، لأن المشروع سيسمح للهند بتجاوز باكستان أخيرًا، كمتحكم رئيس في وصول تجارة نيودلهي إلى آسيا الوسطى، ومن ثم إلى روسيا وأوروبا، وسيعطي الهند بديلًا فعالًا اسمه «إيران»، بالإضافة إلى الأفغان، ولذلك أعطت الهند موافقتها على استثمار نصف مليار دولار، بشكل مباشر، في تحديث ميناء «جابهار» على ساحل بحر عمان، الميناء الأساسي الثاني مع «بندر عباس».

خريطة المسار البديل لتجاوز الهند لباكستان عبر إيران وأفغانستان..«مصدر الصورة: فايننشال تايمز»

سيغير المشروع إذن «الجغرافيا الاقتصادية» للمنطقة بالكامل، بتعبير «كريشنا راسجوترا»، سكرتير الخارجية الهندي السابق، وبالتالي التوازن السياسي هناك، سيعطي روسيًا مداخلًا استراتيجية لخليج العرب والمحيط الهندي، ويحسن من موقعها في لعبة نفوذ آسيا الوسطى والقارة بأكملها مع الصين، ويعطي إيران نفوذًا لا شك فيه على تركيا، مقابل إضعاف دور الموانئ التركية، وهو من الأسباب الرئيسة لاهتمام أنقرة البالغ بآسيا الوسطى واستثماراتها فيها، ويشق للهند طريقًا خالصًا بعيدًا عن باكستان، العدو الأزلي، أي أنه بالفعل سيغير من الجغرافيا الاقتصادية والسياسية لغرب آسيا كاملًا، وسيفتح فصلًا جديدًا في الصراع على إحدى أهم مناطق العالم التجارية، مع واقعيته الشديدة خلافًا لمشروع القناة الإيرانية شديد الصعوبة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد