عبد القادر بن مسعود 15
عبد القادر بن مسعود 15

5,664

الأمازيغية ليست لغة، وسأقتل ابنتي إذا تكلمت بها.
* نعيمة صالحي– نائبة في البرلمان الجزائري

تعالت أصوات المطالبين بتعميم اللغة الأمازيغية في المدارس الجزائرية، بعد القرار التاريخي للرئيس بوتفليقة بترسيم اللغة الأمازيغية في التعديلات الدستورية الأخيرة التي أجريت مطلع سنة 2016، كما تعالت معها التجاذبات والاتهامات بين بعض الناطقين بلغة الضاد ونظرائهم من الناطقين بالأمازيغية، لتصل في بعض المرات إلى التهجم العرقي كما حدث مع البرلمانية نعيمة صالحي بعد تصريحاتها التي رأى البعض أنها معادية للغة الأمازيغية، في إنذارٍ شديدٍ الخطورة حول مستقبل هذا التجاذب الذي قد يؤدي –حسب المراقبين– إلى اضطرابات اجتماعيّة في الجزائر.

اقرأ أيضًا: كلّ ما تريد معرفته حول اللغة الأمازيغية ومشكلاتها في الجزائر

كيف تحوّلت الأمازيغية إلى لغة رسمية؟

بعد نضالٍ دام أكثر من ربع قرنٍ من الزمن، تحولت أخيرًا في السابع من فبراير (شباط) سنة 2016؛ اللغة الأمازيغية إلى لغةٍ رسميةٍ في الجزائر، بعد أن تبنّى البرلمان الجزائري بغالبيةٍ ساحقةٍ تعديلًا دستوريًّا ينصّ –إلى جانب تعديلات أخرى– على اعتبار الأمازيغية «لغة وطنية ورسمية» في البلاد، فيما تبقى اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية الأولى للدولة الجزائرية.

ولاحتواء الجزائر على عدة لهجاتٍ أمازيغية، مقسمةٌ حسب مناطق جغرافيّة معيّنة، إذ تنتشر اللهجة الشاوية بالشرق الجزائري، واللهجة القبائلية والشنوية بالوسط الجزائري، واللهجة الزناتية بالجنوب الغربي للجزائر، واللهجة الميزابية والطارقية بالجنوب الجزائري،ومع ذلك تعتبر اللهجة القبائلية أكبر اللهجات انتشارًا في الجزائر، ويشير بعض المختصين إلى تحدث أكثر من 4 ملايين جزائري بالداخل بهذه اللهجة، بالإضافة إلى بعض المغتربين الجزائريين في فرنسا، الأمر الذي دفع بسكان القبائل إلى المطالبة تدريجيًا بترسيم الأمازيغية وتعميمها على سكان الجزائر.

وأمام هذه المطالبات من النشطاء الأمازيغ، بدأت تحديات الدولة الجزائرية في التعامل مع هذه اللغة التي لا تلقى إجماعًا بين الجزائريين، إذ رافق إعلان الرئيس الجزائري بوتفليقة ترسيم الأمازيغية موجة سخطٍ ورفض كبيرةٍ من قطاعٍ واسع من الجزائريين، خصوصًا مع الطريقة التي تم بها اتخاذ هذا القرار من الرئيس الجزائري الذي أتى بعد مظاهرات غاضبة من طرف سكان منطقة القبائل من أجل فرض منطق الترسيم؛ الذي رفضه نواب البرلمان قبل ذلك.

ويأتي رفض بعض الجزائريين لترسيم اللغة الأمازيغية بسبب الجدل القائم حول الأمازيغية كونها لغة قائمة بذاتها أم أنها لهجة تابعة، خصوصًا أن اللغة الأمازيغية تعتمد على عدد كبير من المصطلحات العربيّة، كما تفتقر إلى عدّ الأرقام، وتستعمل الأحرف الفرنسية للكتابة، ناهيك عن استعانتها بحروف «التيفيناغ» الخاصة باللهجة الطارقية، وهنا يرى الناشط الأمازيغي رفيق بومشرة من منطقة باتنة شرقي الجزائر، أن: «تغيير حروف كتابة اللغة الأمازيغية من حروف التفيناغ إلى الحرف اللاتيني أو العربي سيكون تعديًا كبيرًا على هذه اللغة»، مضيفًا أنه: «لا يجب السماح باغتيال هذه اللغة التي يجب أن تكون لغة قائمةً بذاتها٬ وتفرض نفسها بحروفها وتراكيبها ومعانيها بعيدًا عن حروف أي لغة أخرى حتى لو كانت العربية».

فيما رأت الناشطة فاطمة بن جلّول «ضرورة كتابتها بخطوط اللغة العربية حتى يتسنى للجميع قراءتها وفهمها واستعمالها٬ ويسهل على الناشئة تعلمها بسرعة»، وبرّرت ذلك بالقول: «إن حرف التيفيناغ لا يستطيع فك طلاسمه إلا أقلية قليلة من الشعب الجزائري، وهو صعب في الكتابة وأشبه بالفلكلور»، مبينةً أن «الأقرب هو اعتماد الحروف العربية التي تعبّر عن هويّة المجتمع الجزائري أفضل من الحروف اللاتينية المستوردة»، جديرٌ بالذكر أنه إلى غاية كتابة هذه الأسطر لم يُحسم بعد الشكل الذي ستكتب به الأمازيغية.

دون إغفال أصل الأمازيغ الذي كان محط جدلٍ بمناسبة تعميم الأمازيغية، لعل خير مصدر للبحث في تاريخ الأمازيغ هو ما كتبه العلامة «ابن خلدون»، الذي اعتبر أن الأمازيغ كنعانيون تبربروا، وبأنهم أحفاد مازيغ بن كنعان. وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون: «والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم٬ أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح؛ كما تقدم في أنساب الخليقة. وأن اسم أبيهم مازيغ، وإخوتهم أركيش، وفلسطين إخوانهم بنو كسلوحيم بن مصرايم بن حام». وهو نفس الطرح الذي تبناه الدكتور «عز الدين المناصرة» الذي أرجع الأمازيغ وكتابتهم إلى أصول كنعانية إما فلسطينية٬ وإما فينيقية لبنانية.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن الأقليات في الجزائر وعلاقة الدولة بها؟

هل كان لحركة «الماك» الانفصالية دورٌ في قرار ترسيم الأمازيغية؟

يرى باحثون في التاريخ الجزائري أن فرنسا في فترة احتلالها للجزائر عملت من خلال وسائل وأدواتٍ كثيرةٍ على خلق صراعٍ بين العربية والأمازيغية، إذ أدركت فرنسا جيدًا الخصوصية اللغوية للمجتمع الجزائري، ما جعلها تفضي أولويةً كبيرةً لهذا النهج، وهو ما ذهب إليه الأكاديمي والأستاذ الجامعي الجزائري في جامعة باريس٬ عبد النور بن عنتر٬ من أنّ فرنسا رأت أن من مصلحتها ربح الأمازيغ إلى جانبها بالاعتراف لهم بخصوصيتهم، والعمل أكثر على التفريق بينهم وبين العرب.

تنظيم «الماك» الانفصالي بقيادة «فرحات مهني» المتواجد في فرنسا عمل على تحريك الشارع القبائلي في عدّة مناسبات٬ مستغلًا مطالبات سكان القبائل بترسيم لغتهم، وهو ما دفع الحكومة الجزائرية -حسب بعض المراقبين- إلى قطع الطريق أمام تغلغل حركة الماك الانفصالية وتبنيها لمطالب الأمازيغ الجزائريين، وتصديها لأطماح التنظيم في الانفصال، عن طريق قرارٍ تاريخي لبوتفليقة رسّم بموجبه اللغة الأمازيغية وأمر بتعميم استخدامها، إضافة إلى إنشاء الأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية.

وكان بوتفليقة قد اتخذ القرار من خلال اجتماع مجلس الوزراء، وجاء في بيان الرئاسة الجزائرية الذي نشر عقب الاجتماع أن الرئيس بوتفليقة أمر الحكومة بعدم ادخار أي جهد لتعميم تعليم اللغة الأمازيغية واستعمالها، وفقًا لجوهر الدستور.

اقرأ أيضًا: احتجاجات مسّت قطاعات سيادية.. ما السرّ وراء اشتعال الشارع في الجزائر؟

هل تحضر المطالب الاقتصادية في المشهد الاحتجاجيّ؟

رغم قرار بوتفليقة ترسيم اللغة الأمازيغية٬ وترسيم رأس السنة الأمازيغية عيدًا وطنيًا، إلا أن الاحتجاجات تواصلت في بعض مناطق القبائل٬ خصوصًا ولايتي تيزي وزو وبجاية، ليرسم الطابع الاقتصادي سبب الاحتجاج هذه المرّة، إذ استمرت الاحتجاجات في المحافظات القبائلية للتنديد بقانون المالية 2018، والأزمة المالية التي تمرّ بها الجزائر والتي أجبرتها على تمديد إجراءات التقشف؛ وهذا ما دفع المئات للخروج في مسيراتٍ للمطالبة بمسح ديون الشباب المستفيد من قروض تشغيل الشباب «أنساج » و«كناك» و«اونجام» إضافةً إلى المطالبة برحيل وزير العمل الجزائري «مراد زمالي»، كما انضم الآلاف من أساتذة منطقة القبائل إلى الإضراب المنظم من طرف نقابة الأساتذة ضد وزيرة التربية الجزائرية، إذ كانت ولايتا تيزي وزو والبويرة أكثر الولايات استجابةً للإضراب.

أقرأ أيضًا: 6 أسباب اقتصادية تخيف الجزائريين من عام 2018

هل ستشهد الجزائر اضطرابات عرقيّة بعد قرار بوتفليقة؟

تواجه الجزائر تحديًا كبيرًا يكمن في كيفية تجسيد قرار ترسيم اللغة الأمازيغية، إذ أعلنت وزيرة التربية٬ نورية بن غبريط٬ أنّ الأمازيغية ستدرّس الموسم الدراسي المقبل في 38 محافظةٍ من أصل 48 محافظة جزائرية، بعد أن كانت تدرّس فقط في 11 محافظة سنة 2004 وفي مجموعة محدودة من المناطق، كما أضافت أن الحكومة أقرت تنصيب أكثر من 300 أستاذ للمادة العام المقبل. 

أمام هذا القرار، انقسم الشارع الجزائري بين مؤيدٍ ومعارضٍ لتعليم اللغة الأمازيغية الإجباري للجزائريين، وهذا ما لمسناه عند التقائنا مع بعض الجزائريين، إذ تفاوتت الآراء بين معارض لتعميم التدريس كون اللغة الأمازيغية لغة محلية ولا ينتفع بها علميًا، وبين مؤيدٍ للتعميم كونها تساهم في التعرف أكثر إلى ثقافة الأمازيغ.

وفي ظلّ هذه الأجواء المشحونة ارتفعت بعض الخطابات العنصريّة بين الطرفين، فبعدما نشرت نائبة برلمانية مقطع فيديو على موقعها عبر فيسبوك تهاجم فيه ترسيم الأمازيغية، صرّح زوجها محمد صالحي: «نحن نتعرض للتهديد بالقتل من طرف متطرفين دعاة للأمازيغية بعد نشر الفيديو، وهؤلاء يعادون اللغة العربية، رغم أنها اللغة الرسمية الأولى للبلاد، ويعادون البعد الإسلامي في هوية الجزائريين، لكن لا أحد تصدى لهم. أما لفظ القتل الذي جاء على لسان الأستاذة نعيمة فيجري ترديده بمناطق الشرق الجزائري التي تتحدر منها بشكل عادي، ونقوله على سبيل تأديب الأبناء، ولا نقصد به فعل القتل. ثم إن زوجتي لها الحق في تربية وتأديب ابنتها، وليس لأحد أن يتدخل في شؤوننا الخاصة. والحقيقة أن من يهددنا لا يهمه حديث نعيمة عن عقاب ابنتها، بل إن موقفها من تدريس الأمازيغية هو ما يزعجهم».

وتصاعد الجدل حول الأمازيغية بين الأطراف والرؤى المختلفة، خصوصًا بعد إصدار وزارة الداخلية أوّل بيانٍ باللغة الأمازيغية، وهو ما دفع الكثير من النشطاء الجزائريين للاعتراض على البيان كونه كتب بالأحرف اللاتينيّة قبل ترسيم الحروف التي تكتب بها، وأمام هذا الجدل يرى المؤرخ٬ محمد أرزقي فراد٬ أنّ ترسيم الأمازيغية سيزيد من لُحمة الجزائريين وتآزُرهم، إذ إنّ هذا الترسيم هو آخر حلقة من حلقات الوصل مع الذات الجزائرية.

من جانبه يرى المحلل السياسي٬ إدريس ربوح٬ أن الأمازيغية هي تاريخ نضالي منذ وقت الحركة الوطنية واستمر حتى اللحظة، مشكّلة معادلة الإسلام، والعروبة٬ والأمازيغية، مستبعدًا أن تتطور الأمور، رغم أنّه يرى عدم وجود ما يمكن اعتباره لغة في الجزائر باسم الأمازيغية، وإنما مجرّد لهجات في مناطق متفرقة.

أمّا الأستاذ بكلية الإعلام جامعة الجزائر٬ إسماعيل معراف، فيرى أن «السلطة هي المسؤولة عن هذا الصدام الذي يخدم أجندتها قبل عام على الانتخابات الرئاسية»٬ ويضيف معراف أن «غياب الوعي السياسي لدى الشارع في الجزائر بأولويات المرحلة جعل الأمر يتطوّر إلى نزال لغوي بين دعاة الأمازيغية والعربية، في حين أن الفرنسية هي لغة الإدارة والتسيير والحكم».

اقرأ أيضًا: 160 ألف هارب منها.. لماذا يتهرّب الشباب الجزائري من أداء الخدمة العسكرية؟