1,688

في أوائل التسعينيات من القرن الماضي في مختبر علمي في مدينة بارما الإيطالية، كان العالم جياكومو ريزولاتي، ومجموعة من العلماء يختبرون قرد المكاك، بوضع آلة مسح دماغي على رأسه، لمحاولة رؤية كيف يعمل مخه أثناء فتح حبة جوز يريد أن يأكلها، وأي مناطق تحفزها هذه العملية في دماغه.

دون أي تخطيطات مسبقة، تناول ريزولاتي الجائع حبة جوز، وقام بفتحها ليأكلها، القرد كان ما يزال موصولًا بجهاز مسح الدماغ، ويراقب العالم الجائع وهو يفتح حبة الجوز، ولاحظ المراقبون صدفةً أن نفس المناطق التي نشطت في دماغ القرد أثناء محاولته لفتح قطعة الجوز وأكلها، نشطت وهو يراقب العالم الجائع، وهو يحاول فتح حبة الجوز ويأكلها.

قام العلماء بإعادة الاختبار على عدد من البدائيات، مثل الشمبانزي، ثم قاموا بتكراره على البشر، وكانت النتيجة دومًا مشابهة لحادثة الصدفة الأولى.

ما الذي حدث؟

هناك خلايا عصبية تدعى خلايا الأوامر الحركية «Command neuron» في مقدمة الدماغ، وهي معلومة لنا منذ زمن طويل، وتنشط هذه الخلايا في مقدمة الدماغ عندما يقوم الشخص بتصرف محدد، فعلى سبيل المثال: إذا قمت بالتقاط تفاحة ستنشط خلية الأمر الحركي في مقدمة دماغك، وإذا قمت بمد يدك لسحب شيء ما، ستنشط خلية أُخرى آمرة إياك بسحبه، وهذه هي خلايا الأوامر الحركية.

ما اكتشفه «ريزولاتي» وزملاؤه صدفة هو مجموعة فرعية من هذه الأعصاب بما يقارب 20% منها، سوف تنشط أيضًا عندما تنظُر إلى شخص يقوم بنفس العمل. أطلق العلماء اسم أعصاب المرايا «mirror neurons» على هذه الخلايا العصبية.

ما أهمية خلايا «أعصاب المرايا» إذًا؟

يبدو أنها تطورت للقيام بأمور مثل التقليد والمحاكاة؛ لأنه كي تُقلد فعل مُعقّد يتوجب عليك أن تتبنى وجهة نظر الشخص الآخر في دماغك أولًا، وهذه الخلايا مفيدة للتقليد والمحاكاة.

حسنًا، ولمَ التقليد أمرٌ مُهم؟

«إذا عدنا بالزمن إلى نحو 75- 100 ألف سنة، وبالنظر إلى تطور الإنسان يتبين أن هنالك شيئًا مهمًا جدًّا حدث قبل 75 ألف سنة، وهو الانتشار المُفاجئ السريع لعدد المهارات التي يتميز بها الإنسان، مثل استخدام الأدوات، أو إشعال النار، أو استخدام الملاجئ، وبالطبع أيضًا اللغة والقدرة على قراءة ما يُفكر به الطرف الآخر، وتفسير تصرفاته، وقد حدث هذا بسرعة كبيرة نسبيًّا»، هكذا يقول «Vilayanur Ramachandran» عالم الأعصاب والدماغ الشهير.

ويضيف: «أنا أدعي أن ما حدث كان بسبب الظهور المفاجئ لتلك الخلايا العصبية الفرعية المتطورة (أعصاب المرايا)، والتي سمحت لنا بتقليد ومحاكاة أفعال الأشخاص الآخرين، أي عندما يظهر هنالك اكتشاف مفاجئ بواسطة أحد أفراد المجموعة، وليكن مثلًا استعمال النار، أو استعمال إحدى الأدوات؛ بدلًا عن الزوال ينتشر هذا الاكتشاف بسرعة كبيرة، بالتقليد أُفقيًّا عبر أفراد الجماعة، وينتشر عموديًّا عبر الأجيال القادمة».

توضح الصورة التالية دور أعصاب المرآة في تنشيط أجزاء من الدماغ لشخص يراقب آخر على وشك أن يتناول رشفة من فنجان القهوة خاصته. تبدأ بأن يلاحظه يمد يده للوصول للفنجان، ويتخيل أنه قد يقوم بنفس الأمر في مخه، ويفهم أنه سيتناول رشفة من فنجان قهوته.

لنعد إلى التعاطف.. ما علاقة اكتشاف خلايا المرآة بالأمر؟

يقول عالم الأعصاب «Vilayanur Ramachandran»: «عندما يقوم أحدهم بلمس يدي، فإن الأعصاب في القشرة العصبية في المنطقة الحسية في الدماغ تنشط، ولكن نفس هذا العصب ينشط عندما أرى أحدهم يلمس شخصًا آخر، إنني أتعاطف مع الطرف الآخر الذي تم لمسه. حسنًا إذًا، بما أنني رأيت شخصًا يتم لمسه، لماذا لا أشعر فعليًّا بتلك اللمسة أو يختلط الأمر علي؟ أنا أتعاطف مع ذلك الشخص فلم لا أشعر فعليًّا بتلك اللمسة؟».

يرى رماشاندران أن هذا بسبب أننا نملك مستقبلات حسية في جلدنا، مستقبلات للألم متصلة مع الدماغ تقول للشخص: لا تقلق لم يتم لمسك أنت؛ لذا تعاطف مع الشخص الآخر، ولكن لا تتفاعل مع تلك اللمسة، وإلا سوف تصاب بالتشوش والارتباك، فإن كل ما يفصلك عن الشخص الآخر هو جلده، أزل هذا الجلد وسوف تشعر بتلك اللمسة في دماغك. أنت بهذا التعاطف قمت بإزالة الحواجز بينك وبين الأفراد الآخرين، حيث لا يوجد أي فرق حقيقي بين وعيك الشخصي عن وعي الشخص الآخر.

ومن هذا المنطلق لقبت أعصاب المرآة بأنها «خلايا التعاطف»، أو «خلايا غاندي» كما يسميها رماشندران.

أين تقع أعصاب المرآة بالضبط؟

اختلفت الدراسات في تحديد مكانها بالضبط، فبعض الدراسات أظهرت أنها موجودة في الفص الجبهي من الدماغ، وبعضها الآخر تحدث عن أنها موجودة في أكثر من منطقة من الدماغ، وليس في منطقة واحدة. وقالت دراسات قليلة أيضًا إنها موجودة بالعصب المبهم (vagus nerve)، وهو العصب الوحيد الذي ينشأ في الدماغ، وينتهي بعيدًا في الجهاز الهضمي.

لكن أحدث دراسة أظهرت أن منطقة القشرة الأمامية المعزولة (anterior insular cortex) في الدماغ هي المنطقة الرئيسية المسؤولة عن الوعي العاطفي والتعاطف.

قامت بهذه الدراسة الطبيبة «Xiaosi Gu» في مركز «Mount Sinai Medical Centre»، تم نشره في عام 2012 مع أطباء من الصين من مستشفى تيانتان على 26 شخصًا، ثلاثة منهم تم استئصال منطقة القشرة الأمامية المعزولة من دماغهم، وتسعة منهم تم استئصال أجزاء أخرى من دماغهم، و14 منهم سالمون عصبيًّا.

بعد إخضاعهم لعدة فحوصات وتجارب تبين أن الثلاثة الذين استأصلوا القشرة الأمامية المعزولة، كانوا عاجزين عن التعبير عن التعاطف كلاميًّا، أو التفاعل شعوريًّا، وواجهوا صعوبة في وصف الحالة الشعورية للآخرين.

لماذا فتح اكتشاف أعصاب المرآة بابًا كبيرًا في دراسة التعاطف؟

مارتن هوفمان، عالم النفس المهتم بدراسة تطور التعاطف، يقول إن: «كل شخص يولد معه شعور التعاطف فطريًّا».

اكتشاف أعصاب المرآة غيّر من طريقة تفكير علماء النفس بأن الإنسان يولد أنانيًا متمركزًا على ذاته، وعليه أن يصارع وينافس ليبقى على قيد الحياة، وأنه يتعلم التعاطف عن طريق التفاعل الاجتماعي، إلى التفكير بأنه يولد مبرمجًا باتصالات فطرية اجتماعية مسبقة جاهزة للتفاعل مع الآخرين ومشاعرهم في مخه.

الأمر الآخر أنها
أول دليل ملموس على وجود التعاطف، فعلماء النفس الآن أمامهم شيء مادي يراقبونه ويفحصونه ويدرسونه عندما يدرسون الاضطرابات النفسية المتعلقة بالتعاطف، مثل التوحد، والسيكوباتية، وغيرها، لأن دراستهم من قبل كانت محصورة في ملاحظة السلوك وتحليله فقط.

ما هو التعاطف إذًا؟

إنه القدرة على الفهم والشعور بما يشعر به الآخرون في دواخلنا، أن نضع أنفسنا مكانهم، كأننا نرى بأعينهم، ونسمع بآذانهم، ونشعر بقلوبنا بما يشعرون بقلوبهم.

«دخلت كلمة التعاطف (empathy) اللغة الإنجليزية بداية بلفظة ألمانية (Einfühlung)، بمعنى (feeling in)، حتى عام 1908 عندما قام عالم النفس (Edward Titchener) بتحويلها للإنجليزية، واقترح كلمة (empathy) كاختصار من اللغة الإغريقية بحيث em=in و pathos=feeling».

وقسّم عالم النفس باول إيكمان التعاطف إلى ثلاثة مستويات متفاوتة في درجة العمق:

  • التعاطف السطحي: ويسمى أيضًا بالتعاطف الإدراكي، ويعرف بالقدرة على وضع نفسك مكان الآخرين ومعاناتهم، وفهم مشاعرهم، وقدرة وعيك على تصور الألم في الدماغ.
  • التعاطف العميق: يعرف أيضًا بالتعاطف المشاعري، ويتجاوز هذا النوع التعاطف السطحي الذي يفهم معاناة الآخرين إلى التجاوب العاطفي معهم، بحيث نغضب مع غضبهم، أو نحزن مع حزنهم، وتتضمن داخلنا مشاعر وأمنيات بأن نراهم أفضل، وأكثر سعادة.
  • التعاطف التفاعلي: ويتجاوز هذا النوع فهم مشاعر الآخرين والتجاوب معهم عاطفيًّا إلى التحرك لمساعدتهم، فمستشارك النفسي لن يبكي معك على آلامك، وسيخبرك أنه يتفهم ما تشعر به فقط، بل سيتحرك لمساعدتك ليؤدي عمله كأي مستشار نفسي جيد.

في بداية التسعينيات، لم تكن كلمة التعاطف تحمل نفس معناها اليوم: «فهم مشاعر الآخرين،
والاستجابة لمشاعرهم»، أن تكون متعاطفًا وقتها كان يعني أن تكون قادرًا على إحياء الشيء في مخيلتك.

أول تجارب التعاطف في ذلك الوقت ركزت على الجانب الحسي الذي ينتج منه حسًّا تخيليًّا اندماجيًّا. إحدى تلك التجارب مثلًا ركزت على وصف عنقود عنب في المخيلة، كما لو أنه يتم تناوله الآن: «عنقود عنب بارد ولذيذ وتستطيع استطعامه في مخيلتك من دقة وصفه وتخيله»، وفي العشرينيات زعم نقاد الرقص الفنيين أن العمل الفني الجيد هو العمل الذي سيشعر الجمهور بالتعاطف، بحيث يشعرون كما لو أنهم هم من يؤدون تلك الرقصات، وهم يشاهدونها تعرض أمامهم.

«في عام 1955، كانت أول مرة نشرت فيها مجلة (reader’s Digest) المفردة النفسية للعامة خارج حقلها الأكاديمي، وعرفته بأنه (القدرة على تقدير الآخرين والشعور بهم دون أن يؤثر ذلك في حكمك تجاه الأمور)».

كي تكون متعاطفًا عليك أن تكون أنانيًا

في دراسة نشرتها مجلة (study Journal of neuroscience) أجريت في مؤسسة (Max Planck) لدراسات علم الأعصاب في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2013، أظهرت أن هناك منطقة في الدماغ هي منطقة التلفيف الهامشي الفوقي تنشط عند التعاطف أيضًا، فيها يقوم الشخص بقرارات سريعة، تساعده على التفريق بين حالته العاطفية التي (تبنى عليها قراراته الشخصية)، وبين الحالة العاطفية للآخرين (الذين تعاطف معهم)، فالشخص عندما يقوم بملاحظة مشاعر من حوله فإنه يستخدم نفسه كمعيار أو محك،
يقوم من خلاله بعكس حالته العاطفية تجاه مشاعر الآخرين، فيتقمصها داخل وعيه كي يفهمها.

فإذا رأى الإنسان شخصًا حزينًا مثلًا سيتقمص حالة الحزن في دماغه، وسيشعر بما يشعر به الآخر ليتمكن من التعاطف معه، هذا قد يشوه فهم مشاعر الآخرين؛ لأننا ننظر إليها من وجهة نظرنا «كيف كنا سنشعر لو كنا مكانهم؟».

لكننا هنا فقط نتمكن من فهم مشاعرهم والتعاطف معهم، فالأشخاص هنا -بمبدأ أناني قليلًا- يعتمدون على مشاعرهم الخاصة كمرجع لتعاطفهم مع الآخرين، دون مساعدة التلفيف الهامشي الأيمن، بأن تبذل جهدًا في خلق ردة فعل عاطفية تجاه ألم الآخرين عندما تعرضه في دماغك عصبيًّا كأنه يحدث لك، لن تكون قادرًا على التعاطف مع أحد.

«دايا: مبدأ هندوسي معروف يعني أنه علينا محاولة تخفيف آلام الآخرين بغض النظر عما إذا كانوا أصدقاء لنا أم أعداء؛ لأنهم ببساطة جزء من كياننا، هذا الواجب الأخلاقي الذي ينبع من تعاطفنا مع آلام الآخرين سواء فهمناها أم لم نفهمها».

يقول باول باركن Paul parkin الباحث في العلاقات الإنسانية إن هناك ثلاثة محاور علاقاتية يجب إتقانها فيما يخص التعاطف في علم الاجتماع، ولا يقل أحد هذه المحاور أهمية عن البقية لتكون عملية التعاطف عملية متكاملة:

  • إعطاء التعاطف: أن نعطي التعاطف يعني أن نصارع أنفسنا لمحاولة فهم ما يشعر به الآخرون، إنه الوصول إلى آلامهم دون إطلاق أحكام، ودون تعدٍ على مشاعرهم.
  • تلقي التعاطف: يفقد بعض الناس القدرة على تلقي التعاطف؛ فيتلقوه بعدوانية أو بسعي لقطع التواصل دائمًا، وأهم سبب وراء ذلك هو السعي وراء المثالية. الكثير من الناس يضعون أنفسهم تحت ضغط المثالية في كل شيء، في الحياة، في العلاقات، في التعامل مع الآلام، وكلما رفعنا خط المثالية خاصتنا زاد انتقادنا لأنفسنا بأننا لسنا جيدين بما يكفي؛ فنبدأ بالانسحاب وبناء الحواجز حول أنفسنا، الممتع هنا هو أن التعاطف هو الأمر الوحيد الذي سيخفف من سعينا للمثالية، حيث قالت (Brene Brown) في بحثها (shame does a fantastic job) ظهر أن الطريق الرئيسي للتخفيف من المثالية هو التعاطف إذا تعلمنا كيف نستقبله بالشكل الصحيح.
  • إعادة خلق التعاطف: «الذي يستقبل التعاطف عليه أن يعيد استثماره»، هذا ما قاله بول باركن وهو يتحدث عن تجربته التي تلقى خلالها الكثير من التعاطف، الذي جعله يعود لمقاعد الدراسة بعد تركه لها لوضعه الاقتصادي، واستمرت رحلته. كان يجد من يتعاطف معه ويدعمه معنويًّا ليكمل طريقه، وهو الآن في وضع قادر على إعادة خلق التعاطف الذي حصل عليه، وإعطائه للآخرين، فقام بإنشاء عدة مشاريع في تنمية التعاطف أحدها مشروع (empathy journals) الذي طلب فيه من تلاميذه كتابة تأملاتهم في التعاطف، وما قاموا به من أعمال تعاطفية، فالتعاطف لا يتوقف على الإعطاء والأخذ فقط؛ بل علينا خلق فرص لإعادة خلقه أيضًا.

كيف سندرك مشاعر الآخرين كي نتعاطف معهم؟

1- عن طريق سؤالهم: أبسط الأمور لفهم شعور الآخرين هو سؤالهم عنها، لكن الناس بطبيعتهم يخفون مشاعرهم، وقد يكونون أحيانًا غير مدركين لِما يشعرون به أصلًا، فهذه الطريقة قد تكون غير كافية لفهم مشاعرهم.

2- بالاستنتاج المنطقي أو كما يطلقون عليها نظرية النظرية: من خلال تحليل النمذجة المناسبة للشعور، كمثال: شخص يبتسم يعني أنه سعيد.

هذه الطريقة مباشرة جدًّا ومليئة بفروقات دقيقة قد تغير فهم الحالة الشعورية بالكامل، لكنها جيدة نوعًا ما للمصابين بالتوحد لمساعدتهم في فهم الحالة الشعورية المحيطة بهم نوعًا ما، من خلال تعلم الإشارات المناسبة، وتحليلها للشعور الملائم.

3- نظرية المحاكاة: بأن تضع نفسك مكانهم في مخيلتك، كيف كنت ستشعر؟ وهذه هي الطريقة الفطرية الأوتوماتيكية للتعاطف، لكن هذه النظرية سرعان ما ستتحطم إذا كانت شخصيتك تختلف عن شخصية الآخر المتعاطف معه، وأفكارك بالحياة تختلف عن أفكاره، فقد تشاهد مشرد يعيش بالشارع تتعاطف معه، ولكن يمكن أن تكون هذه فلسفته بالحياة، وقد اختار العيش بهذه الطريقة اختيارًا.

الوقوع في فخ التعاطف!

التعاطف لا يوحي بالضرورة بالخير دومًا، بل إنه يجعل تعذيب الآخرين أكثر إيلامًا أحيانًا، فالشخص الذي يستخدم التعاطف ذهنيًّا ليزيد من معاناة الآخرين بوضعهم في حالات نفسية سيئة يعرف أثرها بالذات فيهم؛ لأنه استطاع أن يضع نفسه مكانهم ذهنيًّا، وفهم ما سيشعرون به لو أذاهم، فهم ذلك من خلال شعور التعاطف (السطحي)، فمن المحتمل أن يمتلك الشخص تعاطفًا سطحيًّا، ولا يمتلك تعاطفًا عميقًا، النوعان غير متصلين، وقد يكون الشخص غير قادر على فهم شعور الآخرين، أو على رؤية الأمور من وجهة نظرهم الشعورية، إلا أنه يتألم لألمهم، فهو بذلك يمتلك تعاطفًا عميقًا، ولا يمتلك تعاطفًا سطحيًّا، والعكس بالعكس.

إذا كانت إجابتك على هذه الأسئلة بنعم فأنت في علاقة غير صحية

عندما يكون الشخص فاقدًا للقدرة على وضع حدود لتعاطفه، ووُجد في بيئة تستدعي التعاطف بكثرة، سواء علاقة غير متكافئة عاطفيًّا، أو عمل يتطلب الكثير من التعاطف (التمريض مثلًا) بشكل يعمل على استنزاف مشاعره، فسيؤدي هذا مع الوقت إلى وصوله لمرحلة «النضوب
Occupational burnout»، المرحلة التي تقود لاحقًا إلى الانفصال الشعوري واللامبالاة عكس ما كان يحصل بالبداية تمامًا.

في العلاقات الإنسانية أن تضع نفسك مكان شخص آخر، وتشعر بشعوره هو أمر جيد، فالأشخاص الذين يتبادلون القوة العاطفية بأخذها مرة وإعطائها مرة، هم أشخاص متوازنون عاطفيًّا في علاقات متوازنة، ولا تسير علاقتهم بالاعتماد على شخص واحد يتعاطف أكثر، ويصبح حمل العلاقة عليه أكبر. في العلاقات الشخصية عليك أن تعرف أنك وقعت في فخ التعاطف إذا أجبت على هذه الأسئلة بنعم:

1- تفكر في مشاعر الآخرين أكثر من مشاعرك؟

2- تفكر أكثر في رأي الشخص الآخر في أمر ما وتحيّد رأيك فيه؟

3- تتقمص مشاعر الآخر حين تتغير وتغير مشاعرك معه؟ خصوصًا حين يكون حزينًا أو كئيبًا؟

كيف سنقيس التعاطف إذًا؟

فيما يتعلق بقياس التعاطف، نشأ الكثير من الجدل حول إمكانية قياسه من ناحية أن من يقوم بوضع هذه المقاييس لقياس نسبة التعاطف هو إنسان، وتختلف درجة تعاطفه من واضع للمقاييس لآخر؟ ثم عن كيفية قياسه، وبأية وحدة قياس يسهل معها التفريق بين مستويات التعاطف؟ وبالأصل هل اتفقوا على معنى للتعاطف؟ التعاطف مستواه الإدراكي يكفي عند البعض، وبمستواه العاطفي التفاعلي يكفي عند البعض الآخر.

يعتمد القياس على عدة أمور:

1- قياس السلوك: ملاحظة ردات الفعل الجسدية والتعبيرات الوجهية للشخص، وتسجيل الملاحظات، بالنسبة للأطفال فإن هناك طرق قريبة لعمرهم مثل عروض الدمى، أو رواية القصص، ونراقب ردات فعلهم أثناء حدوثها ونسجلها.

2- قياس استبياني: ترك المتطوع نفسه يعبر عن نفسه من خلال تعبئة استبيان يعبر فيه عن مدى تعاطفه بعد خضوعه للتجربة.

3- قياس نشاط الدماغ: أي مسح الدماغ ونشاطه أثناء الخضوع للتجربة، وتسجيل التغيرات التي طرأت عليه، وهي أحدث وأدق طريقة قياس ظهرت حديثًا مع تطور علم الأعصاب، وإمكانية تحديد مناطق الدماغ المسؤولة عن التعاطف.

من أشهر اختبارات التعاطف التقليدية اختبار(Traux and Charkhuff) عام 1967، حيث قسما تحليل النتائج إلى خمس فئات: تعاطف ضعيف، تعاطف متوسط ، تعاطف تجاوبي، تعاطف فوق المتوسط، وتعاطف مرتفع، ووضعا تحت كل فئة مجموعة من المعايير على الشخص الذي يخضع للاختبار أن يصل لها ليكون ضمن الفئة المحددة.

العوامل المؤثرة في التعاطف وتفاوته عند البشر

جنس المتعاطف

تعاطف امرأة تعاني من التوحد يساوي تعاطف رجل طبيعي، هذه نتيجة خرجت بها إحدى دراسات الفرق بين الجنسين، وأثارت جدلًا كبيرًا.

في دراسة كان نصف المتطوعين من الذكور، والنصف الآخر من الإناث، طلبت الطبيبة الباحثة (Dr.Tania Singer) من المتطوعين مشاهدة مقطع تمثيلي يقوم به ممثلان اثنان بتقاسم المال بحيث طُلب من أحد الممثلين أن يكون كريمًا وعادلًا، بينما طُلب من الآخر أن يكون بخيلًا وظالمًا، بانتهاء المشهد كان المتطوعون قد شكلوا انطباعًا جيدًا عن أحد الممثلين، وانطباعًا سيئًا عن الآخر.

بعد انتهاء المشهد تم وضع كل متطوع شاهده على ماسح دماغ وهو يشاهد الممثلين يتلقيان صدمات كهربائية مؤلمة، والذي ظهر في نتيجة هذه الدراسة أن مناطق الألم عند النساء تجاوبت مع كلا الممثلين، في حين أن مناطق الألم نشطت في أدمغة الرجال فقط عندما كانوا يشاهدون الممثل الكريم العادل يتعرض للصدمات، أما مشاهدة الممثل الآخر لم تظهر عندهم أي نشاط في مناطق الألم في أدمغتهم.

الأمر مختلف بين الجنسين فيما يخص التعاطف، في حين أن الرجال يمتلكون تعاطفًا ممنهجًا يعتمد إظهاره من عدمه على الظروف المحيطة (Systemizing Quotient)، تمتلك النساء تعاطفًا غير مشروط، وغير مرتبط بظروف معينة (Empathy Quotient).

دراسات أخرى أظهرت أن النساء أفضل في ملاحظة تعبيرات الوجه والمشاعر من الرجال، بينما الرجال أفضل في ملاحظة بعض المشاعر مثل الغضب، والعدوانية، والتهديد.

هناك خلاف حول ما إذا كان سبب هذا الاختلاف عند المرأة هو فطري، أم تطوري بفعل دور المرأة للعناية بالأطفال لا الرجال حسب نظرية (Primary caregiver hypothesis) فتكيف دماغها عبر آلاف السنين ليكون قادرًا على الحساسية تجاه ملاحظة المشاعر، وشدة الاستجابة لها.

درجة راحة المتعاطف

في تجربة قام بها باحثو مختبرات ماكس بلانك (max Planck laboratory)، قسموا فيها المتطوعين إلى مجموعتين: القسم الأول يشاهد فيه المتطوعون فيديو لحلزونة تزحف مع وضع سائل لزج على أيديهم أثناء مشاهدتهم (تجربة سلبية)، وقسم آخر يشاهد فيديو لكلب يمشي مع تمرير قطعة فرو على أيديهم أثناء مشاهدتهم (تجربة إيجابية)، بحيث تمت إضافة المحفز الحسي (السائل اللزج والفرو) لضمان تولد مشاعر شخصية عند الفرد (تعاطف عميق)، وليس مجرد فهم للمشاعر (تعاطف سطحي) من المشاهدة فقط.

وراقب كل قسم القسم الآخر، وهم يخضعون لهذه التجربة، وتبين أن:

الذين خاضوا التجربة الإيجابية قلّت مشاعر التعاطف لديهم بحدة، تجاه الذين خاضوا التجربة السلبية، بحيث شوّهت تجربتهم الجيدة وصفهم وتقديرهم لمشاعر الآخرين ذوي التجربة السيئة، وكانت أقل حدة.

في حين قام الأشخاص الذين خاضوا التجربة السلبية بتقييم التجربة الإيجابية بأقل إيجابية ممكنة، بحيث أثرت تجربتهم السيئة على وصفها.

على ماذا تدل هذه الدراسة؟

أن درجة راحة الشخص تؤثر في مدى تعاطفه مع الآخرين، فكلما كان أكثر راحة وسعادة قل تعاطفه مع الآخرين، والعكس صحيح.

عمر المتعاطف

في دراسة لعالمة النفس سارة كونراث، نشرت نتائجها بمقال تحت عنوان «العمر والتعاطف»، في مجلة «Journal of Gerontology:psychological and social science»، شملت 75 ألف متطوع من أعمار مختلفة، تبين أن
أكثر الناس تعاطفًا كانوا الأشخاص في متوسط العمر، بحيث كان الأصغر عمرًا والأكبر عمرًا أقل تعاطفًا منهم.

ربما يعود السبب إلى عدم النضج العاطفي بالنسبة لصغار السن، وعدم قدرتهم على فهم العواطف مقارنة بمتوسطي العمر، لكن ماذا بالنسبة لكبار السن؟

تقول صاحبة الدراسة إن الأشخاص متوسطي الأعمار في هذه الدراسة هم من مواليد فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وهذه الفترة تعد بالنسبة لما قبلها فترة تغيرات اجتماعية كبيرة، وفترة ظهور الكثير من الحركات الحقوقية، وجمعيات المطالبات بالعدالة الاجتماعية، وحدث فيها الكثير من القفزات الاجتماعية التي تعزز التضامن والتعاطف مع مشاعر وآراء الآخرين.

درجة الألفة بين المتعاطف والمتعاطَف معه

في جامعة «Mcgill University» قام البروفيسور جيفري موجيل بقياس مدى تأثير الألفة بين الأشخاص ومعرفتهم المسبقة لبعضهم في الشعور بالتعاطف، عن طريق قياس درجة تحملهم للألم، وحدهم أولًا ثم أمام أشخاص من ثلاث فئات: أصدقاء، وغرباء تمامًا، وغرباء قضوا معهم ربع ساعة في لعب الألعاب الإلكترونية قبل التجربة، بحيث يقوم المتطوع بتغطيس يده بالثلج لأطول فترة ممكنة، يتم خلالها قياس درجة تحملهم وتعبيرهم عن الألم أمام الفئات الثلاث.

أظهرت النتائج أن المتطوعين قضوا وقتًا أطول في تغطيس أيديهم وهم لوحدهم أو أمام الغرباء، وعبروا عن آلامهم بشكل أقل، بينما قضوا وقتًا أقل في تحمل الألم أمام أصدقائهم، وعبروا عن ألمهم بشكل أكبر، ما علاقة التعبير عن الألم بالتعاطف إذًا؟

قد يبدو الأمر غريبًا، لكنه يدل على مدى وجود التعاطف بينهم بحيث يتيح للمتطوع التعبير عن ألمه بوجود أصدقائه بشكل أفضل، ليحصل على ردة فعل تعاطفية تقلل من شعوره بالألم.

المدهش هنا أن التعاطف يزيد إذا حدثت بين الغرباء تجربة مشتركة، فالنتائج أظهرت أن التعاطف زاد بين الغرباء الذين قضوا 15 دقيقة فقط في لعب الألعاب الإلكترونية، قبل قيامهم بالتجربة مقارنة بالغرباء الآخرين.

اضطراب التعاطف بشكل غير طبيعي يدل على مشاكل صحية خطيرة

عند قياس التعاطف وملاحظة النقص فيه، أو ملاحظة عدم وجود أحد مستوياته (الإدراكي، والمشاعري)، يستدل علماء النفس على وجود مشكلة صحية معينة. بعض الأمراض هذه يمكن دراستها من خلال اختبار التعاطف عند المرضى:

  • التوحد: يفقد المريض بالتوحد التعاطف بمستواه الأول السطحي، لكنه يمتلكه بمستواه الثاني العميق، ليس عندهم فهم لما يشعر به الآخرون، رغم أنهم يتعاطفون معهم، ومهتمون بمشاعرهم، ويحاولون فهمهم، ويستطيعون معرفة أن أحدهم يعاني، ويبذلون جهدًا لمحاولة فهم الشعور، وينزعجون لعدم فهمهم لمشاعر الآخرين، لكنهم يتعاطفون معهم.
  • الاضطراب العقلي السيكوباتية: قام الطبيب جيمس بلير في مستشفى برودمور بعرض صور من فئتين على مجموعة من السيكوباتيين:

– صور مهددة لهم شخصيًّا: أثناء مشاهدة هذه الصور التي كانت مخيفة لهم بحيث طلب الباحث منهم أن يتخيلوا أنفسهم مكان الشخص في الصورة، ظهر نشاط في مناطق التعاطف في الدماغ عند مسح أدمغتهم.

– صور لأشخاص يستغيثون طلبًا للمساعدة: لم يظهر أي نشاط دماغي في مناطق التعاطف في الدماغ؛ مما يعني أنهم لم يستجيبوا شعوريًّا تجاه الصور.

عندما أبدوا تفاعلًا عاطفيًّا مع الصورة المهددة لهم شخصيًّا، ولم يبدوا تعاطفًا مع الآخرين، كان ذلك يعني أنهم متفهمون للعواطف ومدركون لها، لكنهم لا يتفاعلون معها عاطفيًّا، ولا يقومون بأية استجابات تجاهها عندما تحدث للآخرين.

الأمر أشبه بامتلاكهم مفتاح تحكم بالتعاطف لا يتجاوب مع آلام الآخرين، لكن عندما يتعلق الأمر بهم هم قادرون على إظهار العاطفة، إذًا السيكوباتيون هنا يمتلكون التعاطف بنوعه السطحي الذي يمكنهم من فهم المشاعر، ولا يمتلكون التعاطف بمستواه الثاني (العميق) الذي يمكنهم من التجاوب مع مشاعر الآخرين.

هناك عدة أمراض نفسية أخرى يستدل عليها، ويتم تشخيصها من خلال اختبار التعاطف، وقياسه عند المرضى، كمرض اضطراب الشخصية الحدية، الذي يتراوح فيه المريض بين الإغراق في التعاطف، والجفاف العاطفي، والعدائية، والقسوة التامة بشكل مفاجئ ومربك للآخرين. النرجسية
أيضًا يفقد فيها المريض التعاطف مع مشاعر الآخرين، أو حتى إدراكها ومراعاتها، لكنه يكون حساسًا جدًّا تجاه مشاعره، وعدم تعاطف الآخرين معه.

الأشخاص الفصاميون أيضًا يعانون من عدم القدرة على إظهار العاطفة أو التعاطف مع الآخرين، والعديد من الأمراض الأخرى التي يعد قياس مستوى التعاطف مهمًا في تشخيصها.

عالم النفس بول بلوم في كتابه «ضد التعاطف»، كانت له نظرة مختلفة في التعاطف حيث كان يعده: «ضيق أفق وتعصب من نوع آخر، يجعل الناس يتعاطفون مع الطفلة العالقة في البئر أكثر من تعاطفهم مع احتمالية أن يموت الملايين بسبب التغيرات المناخية، إنه يُعمي العواطف، ويحول دون التفكير العقلاني، لأنه يقلل من التفكير النمطي، ويلفت الانتباه الأعظم للفرد، وهو الأمر الذي يقف عائقًا في طريق التغيير الاجتماعي الفعال».

حضارة التعاطف.. لماذا يتوقف مصيرنا الحضاري على التعاطف؟

لنتحدث عن نمو التعاطف من الخطوة الأولى، هل سبق وكنت في حضانة وبكى رضيع
من الرضّع الموجودين؟ ماذا سيفعل بقية الرضع؟ سيبكي بقية الرضّع دون أن تعرف لماذا؟ هذه الظاهرة تسمى بـ«empathic distress»، أو الاستغاثة التعاطفية، وهي فطرية تمامًا، يتعاطف فيها الرضّع مع الرضيع الباكي دون أن يعرفوا معنى التعاطف بعد.

في عمر العامين والنصف، يبدأ الطفل في التعرف على نفسه في المرآة، ويبدأ بالشعور بوجوده، ويدرك مشاعره قليلًا، ويبدأ يشعر بالذاتية، وبمجرد بدء شعوره بذاتيته،
يدرك ويفهم وجود الآخرين ومشاعرهم. الذاتية تزيد من الشعور العاطفي، فكلما زاد إدراكهم لأنفسهم زاد تعاطفهم.

في حدود عمر الثماني سنوات يبدأ الطفل بالتعلم عن الحياة والموت، وعن قدومه للحياة، وعن أن البشر لديهم حياة واحدة فقط تنتهي بالموت، يدرك كم أن الحياة هشة، وأنه سيموت يومًا ما، وتبدأ رحلته الوجودية في الأرض، فيبدأ بتأمل حياة الكائنات وكيف أن حياتهم قصيرة، وتنتهي بالموت مثله، فيبدأ بخلق صلات مشاعريّة مع الآخرين تتعدى فهمه للمشاعر إلى تجاوبه العاطفي مع الآخرين (التعاطف العميق).

«التعاطف ينشأ من الشعور بالضعف والنقص، هو عكس المدينة الفاضلة إذ لا موت ولا معاناة ولا ضعف في المدينة الفاضلة، إنه مبني على أمرين: الموت كعامل مشترك بين الأشخاص، وهشاشتنا وضعفنا وعدم كمالنا نحن بشر، لذا عندما نتحدث عن بناء حضارة متعاطفة، نحن لا نتحدث عن بناء المدينة الفاضلة، بل نتحدث عن إمكانية البشر إظهار التضامن والتعاطف مع بعضهم البعض، رغم هشاشتهم وضعفهم، لإنشاء حياة على هذا الكوكب». *جيريمي ريفكين

لنعد قليلًا إلى الخلف ونتتبع التاريخ: الطريقة المبرمجة عليها أدمغتنا اليوم تختلف عن الطريقة التي بُرمج عليها دماغ شخص من العصور الوسطى مثلًا، الذي تختلف برمجة دماغه عن دماغ إنسان عاش منذ آلاف السنين. السؤال هنا: إلى أي مدى تناقلنا التعاطف عبر التاريخ؟ وهل سنتمكن من نقله للبشر في المستقبل؟ وهل يحمل نقله كل هذه الأهمية؟

التعاطف هو أساس الحضارة، وبناء الحضارة لن يصلح دون إمكانية البشر من التضامن معًا بالتعاطف مع النوع البشري كله، إنها اليد الخفية التي تربط الشخص بالآخر، وتبني الترابطات الاجتماعية، وتتسع بها الترابطات لتشمل البشرية التي تبني الحضارات.

الإنسان القديم الذي كان يتواصل فقط مع أفراد قبيلته، وكل فرد قادم من وراء الجبال هو خطر، يشبه الفضائي بالنسبة لنا، كان التعاطف عنده مبني ضمن قبيلته على روابط الدم فقط.

عندما تم اكتشاف الزراعة، وبدأ الناس بالاستقرار وظهرت الأديان، توسعت دائرة التعاطف لتشمل رابطة الدين بحيث يتعاطف كل شخص مع أفراد مجموعته الدينية، بغض النظر عما إذا تربطهم رابطة دم أم لا.

في القرن التاسع عشر، ومع بداية الثورة الصناعية، وضحت تقسيمات الدول الحديثة، وظهرت الحروب والاحتلالات، واتسعت دائرة التعاطف لتشمل دائرة الدولة بحيث يتعاطف الشخص مع كل شخص من دولته، بغض النظر عن ديانته.

إذًا نحن انتقلنا عبر التاريخ من التعاطف المبني على روابط الدم، إلى التعاطف المبني على روابط الدين، إلى التعاطف المبني على رابط الدولة.

مفتاح نجاحنا في بناء حضارة المستقبل

مع هذا التطور التكنولوجي المذهل، وتوفر وسائل التواصل العالمي، هل سيكون من الصعب توسيع دائرة التعاطف لتشمل العرق البشري كله؟ أن يكون التعاطف مبني على الإنسانية فقط؟ لدينا التكنولوجيا اللازمة لتطوير نظامنا العصبي ليشمل ذلك التعاطف؟ ما الذي يمنع ذلك؟

في عام 2010، عند حدوث هزة أرضية في هاييتي، وصل الخبر إلى تويتر خلال ساعة، ووصلت المقاطع المصورة إلى يوتيوب خلال ساعتين، وفي الساعة الثالثة بدأ الناس بالتحرك لتوصيل المساعدات، وجمعها حول العالم. هذا مثال حي، هل سيتوسع ويتكرر ليشمل التعاطف البشرية كلها؟ ويُبنى على روابط الإنسانية فقط؟ يحتاج هذا السؤال إلى وقت للإجابة عنه، وعلى هذه الإجابة سيُبنى مصير حضارتنا القادمة على الأرجح.

التعاطف طبيعة بشرية لدعم البقاء، عالم النفس: «dacher keltner»

تعليقات الفيسبوك