تسنيم فهيد 26
تسنيم فهيد 26

1,740

تغطي المحيطات حوالي 70% من مساحة الكرة الأرضية، ولم يستطع الإنسان أن يسبر أغوار إلا 5% فقط من هذه المساحة الشاسعة، وهذا يعني أن الغالبية العظمى من الأرض والتي تتكون من المياه العميقة والظلام، ما زالت تحتفظ بأسرار غامضة في انتظار أن يقوم الإنسان باكتشافها.

وبرغم صغر المساحة المُكتشفة مقارنة بالمجهولة، إلا أن ما وُجد فيها من كنوز وأطلال لمدن غارقة وهياكل لكائنات من عصور مضت ونظم بيئية وبحرية متكاملة، يُعد دليلًا عما حدث في الماضي ولا نعلم عنه شيئًا.

كما أن التعرف على هذه الآثار والكنوز، وزيارة هذه الأطلال الكامنة في الأعماق البعيدة، تتيح لنا رؤية حقبة تاريخية لم نعشها، وزمنٍ ولى.

سينوتا أنجيليتا: النهر الجاري في أعماق المحيط!

هذا النهر الجاري تحت الماء، يتدفق عبر كهف سينوتا أنجيليتا أو «الملاك الصغير» في شبه جزيرة يوكاتان في المكسيك، على عمق حوالي 100 قدم تحت سطح الماء.

ويتكون هذا النهر الصغير نسبيًا من طبقة رقيقة من كبريتات الهيدروجين التي تقوم بفصل المياه العذبة في أعلاه عن المياه المالحة، مما يتيح لمحبي الغوص السباحة على طول هذا النهر المخبأ في أعماق المحيط والذي يبدو كنهر على اليابسة.

وعلى جانبي النهر الذي يتدفق في أعماق المحيط، تتساقط الأشجار والأوراق في مشهد سيريالي بديع تحت الماء.

وسينوتا أنجيليتا، عبارة عن حفر جوفية طبيعية، تشكلت عندما انهارت بعض الأحجار الجيرية وغرقت في أعماق المحيط، مما أدى إلى تكون هذه الحفرة العميقة، التي سرعان ما تحولت إلى خزان مائي، امتلأ تدريجيًا بالمياه الجوفية العذبة والمياه المالحة، ومع ترسب المواد العضوية في هذا الخزان، وتحللها، بدأت في إنتاج سحابة من كبريتات الهيدروجين، قامت بفصل المياه العذبة عن المالحة، وتُسمى هذه الظاهرة الطبيعية «الهالوكين».

ويمكن للغواصين السباحة خلال هذه السحابة الكبريتية الثقيلة التي تتحرك فتظهر كما لو أنها نهرٌ جارٍ على جانبيه صفوف الأشجار، في أعماق المياه المالحة.

وكما أسلفنا، فإن نهر سينوتا أنجيليتا، يتدفق في أعماق شبه جزيرة يوكاتان التي تفصل خليج المكسيك عن البحر الكاريبي، وتحديدًا بعد 15 دقيقة جنوب تولوم، جنوب شرق المكسيك، ومن أجل تجربة الغوص في أعماق شبه جزيرة يوكاتان، ورؤية هذا النهر الذي يتدفق في الأسفل، يوجد الكثير من مراكز الغوص المرخصة والمعتمدة، والتي تتيح هذه الخدمة، في تولوم. حيث يتم نقل السائحين عبر الغابة حتى شبه الجزيرة (حوالي خمس دقائق)، ومن ثم تبدأ مغامرة الغوص في مياه شبه الجزيرة، لاستكشاف الكهوف المختلفة في الأسفل، ووصولًا إلى نهر سينوتا أنجيليتا. وإذا كنت من محترفي الغوص ومحبي صيد الأسماك، فبإمكانك إحضار أدوات الصيد الخاصة بك لتجربة صيد الأسماك من نهر سينوتا أنجيليتا.

وتتراوح مغامرة تكلفة الغوص والاستكشاف هذه، من بين 120 – 180 دولارًا، على حسب امتلاكك لأدوات الغوص أو رغبتك في استئجارها، والمدة التي ستبقى فيها تحت الماء.

طريق بيميني في جزر البهاما.. الفراعنة مروا من هناك!

واحد من أشهر مناطق الجذب السياحي الأكثر شعبية في جزر البهاما. وهو عبارة عن مسار/ طريق حجري على مسافة نصف ميل تحت الماء، وبسبب دقته اللامتناهية، يبدو وكأنه عمل فني من صنع الإنسان، تم نحته وصقله في مكانٍ آخر ومن ثم نُقل إلى تحت الماء.

وتم اكتشاف هذا الطريق في عام 1968، وهو عبارة عن قطع حجرية مستطيلة متراصة بجوار بعضها البعض على طول نصف ميل، ويرى بعض علماء الجيولوجيا أنه ظاهرة طبيعية، تَكونت بفعل الترسبات الجيرية الجيولوجية تحت الماء، وليس من صنع الإنسان كما يدّعي فريق آخر.

في حين يظن بعض المؤرخين أن طريق بيميني الذي يقع على بعد ستة أمتار من سطح الماء، هو بقايا حضارة اندثرت، وأنه الطريق المؤدي إلى مدينة أتلانتس المفقودة.

فيما يرى البعض أن اسم بيميني مشتق من اللغة المصرية القديمة، وتشير إلى الإله الفرعوني الحامي للمسافرين في البحر، مما يوحي بأن القدماء المصريين وصلوا في رحلات تجارة إلى جزر البهاما.

وكان المتنبئ الأمريكي إدجار كايس، قد تنبأ في عام 1938 أن طريقًا حجريًا وبقايا معابد مطمورة في الوحل، سيتم اكتشفاها في آواخر الستينيات بالقرب من «بيميني»، واعتقد البعض آنذاك أنه يتحدث عن أتلانتس المفقودة.

لكن علماء الآثار والجيولوجيا، يرفضون الموافقة على كون هذا الطريق جزءًا من حضارة مفقودة، ويصرون على أن هذا الطريق وُجِد بسبب عوامل التعرية وبصورة جيولوجية طبيعية، ومع ذلك يصر بعض المؤرخين أن هذا الطريق الذي يبدو وكأنه رصيف ميناء غرق في الماء بسبب زلزال أو كارثة، طلل من حضارة غامضة لا نعلم عنها شيئًا.

ويقع طريق بيميني قبالة ساحل جزيرة بيميني الشمالية، في جزر البهاما، والتي تعد من جزر الهند الغربية. حيث تقع الجزر في البحر الكاريبي الموجود في المحيط الأطلسي إلى الشمال من كوبا وهسبانيولا، وإلى الشّمال الغربي من جزر تركس وكايكوس، وهي قريبة من ولاية فلوريدا الواقعة ضمن الولايات المتّحدة الأمريكيّة؛ حيث تقع إلى الجنوب الشرقي من الولايات.

ولاستكشاف طريق بيميني، يجب الوصول أولًا إلى جزر البهاما، ثم إلى جزيرة بيميني، أو استقلال عبّارة بحرية من مدينة ميامي الأمريكية، للوصول إلى جزيرة بيميني. ثم اختيار أحد مراكز الغوص المتعددة في الجزيرة، والتي تؤمن لمحبي الغوص يختًا مجهزًا تمامًا للغوص والمبيت فيه.

ينقل السائحين إلى وسط البحر الكاريبي، للقيام بجولات غطس متعددة في أعماق الجزيرة، على مدى يومين على الأقل (يمكن زيادة عدد الأيام بتكلفة إضافية حسب رغبة السائح). وتتراوح تكلفة هذه الرحلة حوالي 495 – 675 دولارًا، على حسب الوقت/موسم الإجازات الذي يختاره السائح.

بافلوبيتري: أقدم المدن الأثرية التي تم اكتشافها تحت الماء

عثر عالم الآثار البحرية د. نيك فليمنج على هذه المدينة التي تنتمي إلى العصر الحجري الحديث، والأقدم بآلاف السنين من جميع المدن المعثور عليها تحت الماء، وتبلغ مساحتها 100 ألف متر مربع، عام 1967 قبالة ساحل لاكونيا الجنوبي اليوناني.

وكان يُعتقد في البداية أن هذه المدينة تعود إلى العصر البرونزي، لكن الدراسات الأثرية أثبتت لاحقًا أن بافلوبيتري أقدم بألف عام على الأقل من العصر البرونزي، حيث أظهرت الدلائل أن عمر الأطلال المعثور عليها يتراوح بين 5000 و6000 عام، كما أن الأدوات والسلع الفخارية الموجودة، تدل على أن هذه المدينة والتي كانت تعد ميناءً بحريًا، من أوائل المدن التي اعتمدت التجارة البحرية عبر البحر الأبيض المتوسط.

وبالرغم من قِدم هذه المدينة وعمرها الذي يعود لآلاف السنين ولعصور مضت، إلا أن تصميمها وطرازها المعماري يفوق العديد من الحضارات الحديثة، لما فيها من بنية تحتية مميزة، ونظام صرف صحي وشبكة مياه معقدة، بالإضافة إلى تصميم المنازل ذات الطوابق المتعددة والطرق والحدائق والمعابد والمقابر.

ويعتقد العلماء أن المدينة غرقت سنة 1000 قبل الميلاد بفعل الزلازل، ورغم مرور كل هذا الزمن وغرق المدينة، إلا أن المدينة التي يُعتقد أنها كانت مركزًا للتجارة، حافظت على شكلها وتصميمها ويمكن رؤيتها بوضوح على عمق أربعة أمتار تحت الماء.

ويعتقد المؤرخون أن سكان بافلوبيتري كانوا مزارعين ومربي ماشية وصيادي أسماك، كما برعوا في الحرف البسيطة كغزل النسيج وصناعة الأسمدة والأصباغ.

ويعمل علماء الآثار على إعادة إعمار هذه المدينة تحت المياه، حتى يتمكن محبو الآثار والغوص من زيارتها واستكشافها والتجول سباحة بين طرقها ومعابدها.

ويمكن زيارة آثار هذه المدينة تحت الماء، عن طريق السفر إلى اليونان، ومن ثم التوجه إلى جزيرة لاكونيا في بيلوبونيز، جنوب اليونان. واختيار أحد مراكز الغوص المتعددة، التي تقدم خدمات الغوص في أعماق الساحل اليوناني، حيث تبدأ تكلفة الغوص لاستكشاف هذه المدينة الغارقة من 45 يورو، وتصل حتى 250 يورو، على حسب الخدمات التي يختارها السائح.

دوجرلاند.. أتلانتس البريطانية حيث عاش الماموث

في الوقت الذي تقبع فيه مدينة أتلانتس المفقودة في أعماق المياه، منتظرة أن يتم العثور عليها، عُثر على اكتشاف آخر لا يقل أهمية عنها في أعماق بحر الشمال، فـ«دوجرلاند» أو ما يُعرف بأتلانتس البريطانية، عمرها يزيد عن 8500 سنة، ويعتقد العلماء أن حيوان الماموث سبق وعاش عليها.

ويقول المؤرخون إن هذه الأرض التي كان يُطلق عليها «قلب أوروبا الحقيقي» لمساحتها الشاسعة وموقعها المتميز، غُمرت بالمياه وغرقت منذ آلاف السنين، بعد أن عُمرت بواسطة شعب الميسوليثيك الذين سكنوها، وكانت مساحتها تبلغ حوالي 18 ألف ميل، وتمتد من الدنمارك وحتى الساحل الشرقي لبريطانيا.

ويرى بعض العلماء أن هذه المدينة اندثرت بفعل «تسونامي مدمر»، فيما يرى فريق آخر أنها غرقت بفعل التغيرات المناخية الحادة وارتفاع منسوب المياه عن سطح الأرض، وهذه المدينة التي عاش فيها ما لا يقل عن 10 آلاف نسمة، وازدهرت لمدة لا تقل عن 6000 سنة،  لم يبق منها إلا ركام وبقايا أوانٍ وفخار وأدوات معيشية وعظام من سكنوها، تعلق في شباك البحارة والصيادين بين الحين والآخر.

ودوجرلاند، توجد في أعماق بحر الشمال، في المنطقة الواقعة بين البر الرئيسي لأوروبا والساحل الشرقي لبريطانيا العظمى، حيث أغرقها بحر الشمال قبل 8000 عام.

ويصعب على السائحين – لغير الأغراض الاستكشافية البحثية – زيارة بقايا هذه المدينة المفقودة، بسبب أعمال التنقيب عن النفط المتواجدة في بحر الشمال ولعدم انتهاء الباحثين من جامعة سانت أندروز من التنقيب واستكشاف أبعاد هذه المدينة الغارقة.

الثقب العظيم الأزرق.. في بليز الكاريبي

واحد من أفضل أماكن الغوص جذبًا للسياح الذين يودون رؤية هذه الحفرة الزرقاء رائعة الجمال، والتي تم اكتشافها عام 1971 بالقرب من سواحل بليز المرجانية، وتعد أكبر الثقوب المائية الطبيعية التي تم اكتشافها حتى الآن وجزءًا من نظام الشعب المجانية الأكبر في بليز.

Embed from Getty Images

الثقب الأزرق العظيم في بليز.

تبلغ مساحة هذا الثقب حوالي 300 متر، ويبعد مسافة 125 مترًا عن سطح الماء، ومسجل على قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو منذ عام 1996.

المياه في داخل هذا الثقب فيروزية رائقة ومليئة بالكائنات الحية والأسماك النادرة وأسماك القرش، مما يسمح بجولة ممتعة من الغوص، بالإضافة إلى الاستمتاع بمشاهدة الشعاب المرجانية والصخور التي يظن البعض أنها تعود للعصر الجليدي، واحتاجت إلى آلاف السنين كي تتشكل بهيئتها الحالية.

ولزيارة الثقب الأزرق العظيم والاستمتاع بهذا المشهد الخلاب، يجب أن تزور دولة بليز التي تبلغ مساحتها 8667 ميلًا مربعًا، وتقع في قلب أمريكا الوسطي، ويحدها المكسيك من الشمال وجواتيمالا من الغرب والجنوب، وتمتلك أطول حاجز شعاب مرجانية في العالم، يمتد على طول ساحلها الشرقي.

وتتراوح تكلفة رحلة الغوص واستكشاف الثقب الأزرق العظيم (رحلة لمدة يومين) حوالي 480 دولارًا أمريكيًا.