2,452

رغبة في تحسين شكل الحياة على كوكب الأرض، اجتهد البشر في العكوف على اختراع وابتكار العديد من الأدوات والأجهزة التي  أسهمت بشكل ما، في تيسير سُبل البقاء على الأرض، وفهم العالم الكبير الذي يحيط بنا، بالإضافة إلى اكتشاف فائدة الكثير من الأشياء، التي غيرت مسار الإنسانية؛ مما جعل تقدير العلماء والنظر إليهم بعين الإكبار، أمرًا واجبًا، نظرًا لما قدموه للبشرية من اختراعات وابتكارات، أتت بعد أبحاث مضنية وجهد وفير مبذول، فسهّلت الحياة وحسنت من فرص بقاء الجنس البشري.

لكن على الجانب الآخر، عرفت البشرية العديد من الاكتشافات العلمية والابتكارات والاختراعات التي أحدثت ضجة كبرى وكانت ذات أثر عظيم في كل المجالات، والتي وُجِدَت عن طريق الصدفة. يستعرض هذا التقرير بعض هذه الابتكارات والاختراعات الهامة.

أشعة إكس.. عندما مرّ الضوء عبر الألواح الخشبية

 في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1895، وبينما كان الفيزيائي الألماني كونراد رونتجن يعمل في مختبره، بمعهد الفيزياء بجامعة يوليوس ماكسيميليانس، على أنابيب الكاثود، ويراقب الأضواء الصادرة من تجربته على هذه الأنابيب من أجل التحقق من كيفية مرور الكهرباء عبر الغازات، إذ أخلى بعناية أنبوب كاثود من الهواء وملأه بغاز خاص، ومرر من خلاله تيارًا كهربائيًّا عالي الجهد، لاحظ أن زجاجًا على مسافة بعيدة، كان لا يجب أن يصله الضوء، قد بدأ يشع؛ وذلك بالرغم من وجود لوح خشب وورقة من الكربون بين مصدر الإشعاع والزجاج.

صورة أشعة سينية للأطراف العلوية – مصدر الصورة: earthsky

عكف رونتجن الذي أصابته الدهشة لأسابيع في مختبره الذي يقع فوق غرفة نومه، من أجل التوصل إلى ما تسبب في حدوث ذلك، وماهية هذه الأشعة غير المرئية التي نفذت خلال الكرتون والخشب. وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، التقط العالم الألماني، أول صورة أشعة لعضو بشري، والذي كان يد زوجته، بعدما أدرك أن هذه الأشعة يمكن أن تمر عبر نسيج بشري، فأطلق على هذه الأشعة الكهرومغناطيسية التي اكتشفها عن طريق الصدفة البحتة، اسم أشعة إكس أو الأشعة السينية، ولا تزال تُعرف في ألمانيا باسم أشعة رونتجن نسبة إليه.

في عام 1901، حصل العالم الألماني على جائزة نوبل في الفيزياء، بسبب هذا الاكتشاف الذي غير وجه البشرية، إذ تجلّت فائدة هذه الأشعة خلال الحرب العالمية الأولى، عندما بدأ الأطباء في استخدامها على نطاق واسع، من أجل اكتشاف الكسور وكذلك في فحص الالتهابات البكتيرية، فيما تستخدم اليوم في مجالات الطب والصناعة والزراعة، وكذلك في الفحص الأمني في المطارات والمنافذ.

البنسلين.. الذهاب إلى عطلة قد يكون مفيدًا جدًا

في الثالث من سبتمبر (أيلول) عام 1928، وبينما يقوم العالم الأسكتلندي أليكسندر فيلمنج، بتفريغ وتطهير معمله في مستشفى سانت ماري بلندن، بعد عودته من أجازته، لاحظ أن فطرًا ذا لون أخضر مزرق، لوث أحد الأطباق الزجاجية الصغيرة المستخدمة في المعمل، والذي تركه قبل رحيله دون غسيل أو تعقيم.

كان فيلمنج على وشك أن يزيل طبقة بيئة الإنماء «Growth medium» المستخدمة في تنمية بكتيريا المكورات العنقودية، الموجودة في الطبق الزجاجي والتي تلوثت بهذا الفطر الغريب، عندما لاحظ وجود هالة خالية من البكتيريا العنقودية حول الفطر،ـ ليُدرك على الفور أن هذا الفطر الذي انتقل للطبق الزجاجي من مكانٍ ما ولوثّه، يفرز مادة تقتل البكتيريا العنقودية التي سبق وأن قام بتنميتها في الطبق الزجاجي، فأطلق على هذه المادة اسم البنسلين، أي العقار المستخرج من العفونة.

فطر البنسلين والهالة المحيطة به خالية من البكتريا – مصدر الصورة: qsota

وقد أدى اكتشاف البنسلين عن طريق الصدفة، إلى إنقاذ ملايين الأرواح، وساعد أيضًا في اكتشاف الكثير من المضادات الحيوية الأخرى، ولا يزال البنسلين أكثر المضادات الحيوية انتشارًا حتى يومنا هذا، بل يمكن القول أنه لولا اكتشاف المضادات الحيوية والتي على رأسها البنسلين، لكانت أمراض مثل التهاب الحلق وقرحة المعدة والخراريج، أمراضًا قاتلة تُسبب الوفاة.

ويمكن القول أيضـًا؛ بأنه لو كان فيلمنج في عجلة من أمره بعد عودته من الأجازة، لربما كان  قد أزال بيئة الإنماء من الطبق دون أن يلاحظ الهالة القاتلة للبكتريا العنقودية، وما كان لدينا اليوم أحد المضادات الحيوية الأكثر استخدامًا في العالم.

الڤياجرا.. لم تعالج الذبحة الصدرية لكنها فعلت المستحيل

قبل 20 عامًا، كانت التجارب السريرية في شركة فايزر للصناعات الدوائية تعمل على إنتاج وتجريب دواء جديد لعلاج الذبحة الصدرية، يُدعى «سيلدينافيل»، وفي الوقت الذي أتت فيه التجارب مخيبة للآمال ولم تستطع أن تهدئ من آلام الصدر المروعة التي يسببها هذا المرض، أعلن أحد المتطوعين في هذه التجارب السريرية، عن وجود أثر جانبي للعقار، يسبب له الحرج.

إذ أحدث تناوله للحبة الزرقاء، انتصابًا قويًّا وطويل الأمد بشكل ملحوظ، فيما أكد متطوعون آخرون أن حياتهم الجنسية صارت أفضل على نحو ملموس، بعد تناولهم للعقار محل التجربة؛ الأمر الذي دفع شركة فايزر إلى إعادة توجيه أبحاثها نحو العجز الجنسي وضعف الانتصاب، الذي يصيب حوالي ثلث الرجال بعد بلوغهم سن الـ40. إذ أنهم وقت العكوف على علاج للذبحة الصدرية، لم يلقوا بالًا للآثار الجانبية التي قد تنجم عن العقار، لكنهم وبعد دراسة ما حدث، أعلنوا أنه من الأرجح أن يكون ضعف الانتصاب ناجم عن عدم تدفق الدم بسرعة كافية من خلال الأوعية الدموية الضيقة، مثله مثل ما يحدث في الذبحات الصدرية.

وفي عام 1998، تم اعتماد الڤياجرا، أول دواء يؤخذ عن طريق الفم لعلاج ضعف الانتصاب وتحسين الأداء الجنسي، لتصبح الحبة الزرقاء الصغيرة، الدواء الأكثر مبيعًا على مر العصور، جنبًا إلى جنب مع المخدرات وتجني شركة فايزر بسببها خلال الـ20 عامًا الأخيرة، مليارات الدولارات.

الحديد المقاوم للصدأ.. النجاح يسطع بين «خردة» الإخفاقات

عرف الإنسان معدن الحديد بعدما وصل إلى الأرض عن طريق النيازك، ومع تطور الحياة البشرية، أصبح هذا المعدن القوي يستخدم في كافة الصناعات اليومية؛ لكن متانة الحديد وقوته لم تصمد أمام آفة الصدأ التي تصيبه كما يصيب فيروس نسيجًا بشريًّا، وتجعل المعدن الصلب، مسحوقًا هشًّا مفتتًا إذا ما تعرّض للماء أو الرطوبة او الهواء أو أيٍ من تقلبات الطقس، الأمر الذي عزى بالعلماء البحث عن حل لهذه المشكلة الكبرى.

حديد مقاوم للصدأ – مصدر الصورة: from the ground up construction

إذ حاول علماء المعادن إضافة عناصر أخرى إلى الفولاذ لمنع الصدأ، لكن أكثر هذه المحاولات باءت بالفشل، فيما حققت بعض المحاولات نجاحًا متواضعًا لا يُذكر، حتى عام 1912، عندما كان عالم المعادن الإنجليزي هاري بريلي، يحاول صناعة سلاح ناري، لا يتآكل بفعل احتكاك الرصاصة مع برادة الأسطوانة الحلزونية للبندقية، لكن محاولاته باءت بالفشل مرة تلو الأخرى، وتراكمت لديه كومة كبيرة من خردة الصلب.

بعد عدة أشهر من المحاولة والفشل، لاحظ بريلي مصادفةً،أن ناتج إحدى إخفاقاته قد أبقى على بريقه، بينما صدأ الباقي، وبالرجوع إلى العينة التي لم تصدأ، اتضح أنها تحتوي على 12% من الكروم، بالإضافة إلى الكربون ومعادن أخرى مثل الموليبدينوم والنيكل، وأن الكروم شكل طبقة واقية رقيقة، تستعيد نفسها سريعًا حتى عندما تُخدش.

بعدها قام زميله القديم إرنست ستيوارت، والذي كان يعمل مديرًا في شركة بورتلاند لورانس باختبار هذا الصلب، في محلول الخل، ثم أطلق عليه اسم الفولاذ المقاوم للصدأ،  وبدأ استخدام هذا الصلب في تصنيع الأسلحة وأدوات المائدة قبل أن ينتشر على نطاق أوسع ويدخل في كل الصناعات تقريبًا.

السكارين.. عندما يُصنع من «القطران» سُكّر

ربما لن تصدق أن المحلي الصناعي منخفض السعرات الحرارية، المنتشر حول العالم، وتعادل قدرته على التحلية حوالي 300 إلى 400 ضعف قدرة سكر المائدة، قد اكتشف مصادفة إبان دراسة أحد الباحثين لمادة قطران الفحم ومشتقاتها.

ففي إحدى الليالي عام 1879 وبعد عودة الكيميائي الروسي قسطنطين فالبرج من عمله في مختبر العالم الأمريكي إيرا ريمسن بجامعة جونز هوبكنز، إلى منزله، جلس يتناول طعامه دون أن يغسل يديه، ليفاجأ بطعم حلو غير مألوف في الوجبة التي يتناولها، تعجب فالبرج من طعم الحلاوة وظل يبحث عن السبب، إلى أن اكتشف أن مصدرها يديه التي تحمل آثار مواد كيميائية، فهرع إلى المعمل بحثًا عن تلك المادة السكرية، وقام بتذوق كل المواد الكيميائية والأطباق والأواني والأنابيب الزجاجية حتى وجدها.

واكتشف أن دمج كل من حمض سالفوبنزويك وكلوريد الفسفور والأمونيا، ينتج مادة حلوة المذاق سكرية، لا يستطيع الجسم أن يقوم بحرقها، فتعد بديلًا مثاليًا لمرضى السكري.

في عام 1884، قام فالبرج بتسجيل براءة اختراع السكارين، ومن بعدها قامت العديد من الشركات بإنتاجه ودخل في العديد من الصناعات الغذائية، إذ إنه لا يتفاعل كيميائيًا مع مكونات الطعام الأخرى، بالإضافة لكونه ثابتًا حراريًا، وفي عام 1907م أقرت منظمة الغذاء والدواء إمكانية استخدامه منتجًا صالحًا للاستعمال البشري، وبدأ إنتاجه الضخم في الحرب العالمية الأولى.

ويمكن القول، بأن عدم اتباع فالبرج لقواعد الصحة العامة المتعارف عليها بعد العمل في المختبر، وغسل يديه، كان السبب في اكتشاف العالَم لهذا المحلي الصناعي الخالي من السعرات الحرارية.

أفران الميكروويف.. للموجات الكهرومغناطيسية وظائف أخرى

كان طوله أكثر من خمسة أقدام، ووزنه حوالي 750 رطلاً، وبلغت تكلفته أكثر من 3 آلاف دولار؛ وقامت شركة رايثون بتصنيعه عام 1947، بعدما اكتشف مهندس الحرب العالمية الثانية، بيرسي سبنسر، عن طريق  الصدفة البحتة؛ خصائص الموجات الكهرومغناطيسية التي مثلت حجر الأساس في صناعة أول جهاز ميكروويف.

ففي أثناء قيام سبنسر عام 1946، باستعمال الصمام المغناطيسي الإلكتروني أو ما يعرف بالمغناترون، من أجل تزويد الرادار الحيوي المستخدم أثناء الحرب العالمية الثانية في كشف طائرات وسفن العدو، بالطاقة اللازمة لإعادة تشغيله، اكتشف سبنسر أن لوح الشوكولاتة الذي كان يحمله في جيبه قد انصهر، وبهذه الطريقة، اكتشف سبنسر العملية التي مهدت لصناعة الميكروويف.

فيما بعد،  ومن أجل التحقق مما حدث، قام سبنسر بوضع حبيبات ذرة بالقرب من المغناترون، ليكتشف أن الحرارة التي يولدها المغناترون تمكنت من تحويل الذرة إلى فشار تراقصت حباته على أرضية المختبر، وفي مرحلة تالية، أعاد سبنسر التجربة مع أطعمة أخرى، من بينها البيض، الذي لم يلبث أن انفجر بسبب الضغط الذي تم توليده داخل قشرته.

عرض سبنسر تجربته على المسؤولين في شركة رايثون، فقرروا إنتاج أجهزة طهي تعمل بالموجات قصيرة المدى، وفي مطلع عام 1953؛ ظهر أول فرن مايكروويف في الأسواق، تحت اسم رادارينج، واقتصر استعماله على الفنادق والمطاعم وقطارات السكك الحديدية.

فيما بعد، طرأت تحسينات على صناعته، فصغر حجمه وأصبح من السهل وضعه في المطابخ المنزلية وصار ثمنه أقل بكثير مما كان عليه في البداية.