في وقت ما يزال العالم يعاني فيه من تفشي فيروس كورونا وسط إصابة الملايين، يخرج علينا بعض علماء البيئة محذرين من أن الوباء القادم الذي سيضرب البشرية، يمكن أن يأتي من غابات الأمازون المطيرة في قارة أمريكا الجنوبية، وهي الغابات ذاتها التي شغلت العالم بسبب الحرائق الهائلة التي ضربتها منذ أشهر.

عملية تعدي البشر على المواطن الطبيعية للحيوانات في هذه الغابات نتيجة التمدد السكني والعمراني، وعمليات إزالة الأشجار وغيرها، يتشابه مع ما حدث في الصين من قبل، وجعل هناك تواصلًا مكثفًا بين البشر وبين هذه الحيوانات، بما تحمله من فيروسات خاصة بها، وبالتالي تزداد احتمالية حدوث طفرات تتسبب في انتقال هذه الفيروسات إلى الإنسان، وهذا هو ما حدث في الصين بالفعل، وتسبب في تفشي كورونا.

هل يعود كورونا من غابات الأمازون؟

يقول الباحثون إن عملية التحضر والتمدن في المناطق البرية، سوف تساهم – ذات يوم – في ظهور «أمراض حيوانية»، تلك الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر. ويشمل ذلك فيروس كورونا الجديد، الذي يعتقد العلماء أنه نشأ في الخفافيش قبل أن ينتقل إلى البشر في مقاطعة هوبي في الصين، تلك المقاطعة التي تمثل عملية التحضر السريعة على حساب المناطق البرية.

ويوضح الباحثون الذين يدرسون كيف سيعيد النشاط البشري تشكيل النظم البيئية المستقبلية للغابات الاستوائية، أن العمليات نفسها التي وقعت في الصين هذه تعمل بالنمط نفسه حاليًا في الأمازون، وتعد منطقة الأمازون أحد أكبر المستودعات الضخمة للفيروسات، وربما سيكون من الحكمة ألا نجرب حظنا معها، ونخاطر بالتوسع الحضري على حساب حياة البشرية.

الغابة الأكبر في العالم

وتعد غابة الأمازون أكبر غابة مطيرة في العالم. والأمازون غابة رطبة مطيرة استوائية تتميز بالأشجار عريضة الأوراق، والتي تغطي معظم منطقة حوض الأمازون في أمريكا الجنوبية. يشمل هذا الحوض مساحة تقدر بحوالي 7 مليون كيلومتر مربع، منها 5.5 مليون كيلومتر مربع مغطاة بالغابات المطيرة. وتشمل هذه المنطقة أراضي تنتمي إلى تسع دول.

توجد غالبية غابات الأمازون في البرازيل بنسبة 60% من الغابات المطيرة، تليها بيرو بنسبة 13%، وكولومبيا بنسبة 10%، وبكميات طفيفة في فنزويلا، والإكوادور، وبوليفيا، وغيانا، وسورينام، وجويانا الفرنسية، وتمثل الأمازون أكثر من نصف حجم الغابات المطيرة الموجودة على كوكب الأرض، وتضم أكبر وأكثر مناطق التنوع البيولوجي من الغابات المطيرة الاستوائية في العالم، مع ما يقدر بـ390 مليار شجرة فردية مقسمة إلى 16 ألف نوع.

وحتى نعرف مقدار التنوع البيولوجي الذي لا يوجد مثيل له على هذا الكوكب في منطقة واحدة، يكفي أن نعرف أنه يعيش واحد من كل عشرة من الأنواع المعروفة في العالم، في غابات الأمازون المطيرة. هذا يشكل أكبر مجموعة من النباتات الحية والأنواع الحيوانية في العالم.

تضم المنطقة حوالي 2.5 مليون نوع من الحشرات، وحوالي ألفين من الطيور والثدييات. حتى الآن صنف العلماء 40 ألف نوع نباتي على الأقل، و2200 نوع من الأسماك، و1294 نوعًا من الطيور، و427 من الثدييات، و428 من البرمائيات، و378 من الزواحف، وإذا قارنا ذلك بما يوجد في العالم، فإن واحدًا من كل خمسة أنواع من الطيور حول العالم يوجد في غابات الأمازون المطيرة، بالإضافة إلى أن واحدًا من كل خمسة أنواع من الأسماك يعيش في الأنهار والجداول الأمازونية، وصنف العلماء ما بين 96660 و128843 نوعًا من اللافقاريات في البرازيل وحدها.

وتحتوي غابات الأمازون المطيرة العديد من الأنواع التي يمكن أن تشكل خطرًا. من بين أكبر المخلوقات المفترسة الكيمان الأسود، والجاجوار، وكوجار، وثعبان أناكوندا الشهير، ويمكن للثعابين الكهربائية التي تسير في النهر أن تنتج صدمة كهربائية تصعق أو تقتل، بينما من المعروف أن سمكة البيرانا تعض وتؤذي البشر، كما تفرز أنواع مختلفة من الضفادع سمومًا قلوية من خلال لحمها. هناك أيضًا العديد من الطفيليات وناقلات الأمراض؛ فالخفاش مصاص الدماء يسكن في هذه الغابات المطيرة، ويمكن أن ينشر فيروس داء الكلب. يمكن أيضًا الإصابة هناك بالملاريا، والحمى الصفراء، وحمى الضنك.

الأمازون تختفي تدريجيًّا

في العام الماضي، وهي السنة الأولى للرئيس اليميني جاير بولسونارو في البرازيل، ارتفعت نسبة إزالة الغابات في الأمازون البرازيلية بنسبة 85%، إلى أكثر من 10 آلاف كيلومتر مربع، وهي مساحة تقارب مساحة دولة مثل لبنان، وهذا العام يستمر هذا الاتجاه، فمن يناير (كانون الثاني) إلى أبريل (نيسان) 2020، مُحيت قرابة 1202 كيلومتر مربع من الغابات، مسجلًا رقمًا قياسيًّا جديدًا للأشهر الأربعة الأولى من العام، وفقًا لبيانات تستند إلى صور الأقمار الصناعية من المعهد الوطني البرازيلي لأبحاث الفضاء (INPE).

كما يوجد سبب آخر يدعو للقلق يتعلق بزيادة إزالة الغابات من قبل المزارعين وعمال المناجم، وقطع الأشجار غير القانوني. فالرئيس البرازيلي الحالي، من بين الأشخاص الذين يشكون في حدوث ظاهرة التغير المناخي، مثله مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم أنه يريد فتح أراضي السكان الأصليين المحمية على عمليات التعدين والزراعة، فإنه نشر الجيش منذ أسابيع في منطقة الأمازون لمكافحة إزالة الغابات، في خطوة وقائية نادرة.

لكن في المقابل، قلصت الحكومة البرازيلية عمل وكالة البيئة (IBAMA)، التي واجهت تخفيضات في عدد الموظفين والميزانيات الخاصة بها في عهد الرئيس البرازيلي اليميني بولسونارو. ويأمل الباحثون أن الإدارة المقبلة قد تولي المزيد من الاهتمام لحماية ما قد يكون أعظم كنز بيولوجي على كوكب الأرض.

فيروسات قادمة من الأمازون

تعد هذه أخبارًا سيئة لصحة الإنسان مباشرة، فعندما تخلق اختلالًا في التوازن البيئي، عندها يمكن للفيروسات أن تقفز من الحيوانات إلى البشر. يمكن رؤية أنماط مماثلة مع فيروسات نقص المناعة البشرية، والإيبولا وحمى الضنك. جميع هذه الفيروسات التي ظهرت أو انتشرت على نطاق واسع كانت بسبب الاختلالات البيئية.

حتى الآن، تركزت معظم حالات التفشي هذه في جنوب آسيا وأفريقيا، والتي ترتبط غالبًا بأنواع معينة من الخفافيش، لكن التنوع البيولوجي الهائل في منطقة الأمازون، يمكن أن يجعل المنطقة بمثابة «أكبر تجمع للفيروسات التاجية في العالم»، في إشارة إلى فيروسات كورونا بشكل عام، وليست السبب وراء الوباء الحالي.

تزايد الخطر القادم من الحيوانات

وأظهرت دراسة حديثة أن تأثير الإنسان على الحيوانات في جميع أنحاء العالم، يساهم مباشرة في انتشار الأمراض الحيوانية المنشأ، وتوصل الباحثون إلى أن استغلالنا المستمر للعالم الطبيعي، من خلال الصيد والتجارة، وتدهور البيئات الطبيعية، والتحضر، قد أدى إلى تغير في أعداد الثدييات، وأدى إلى زيادة أمراض الحيوانات المعدية التي يمكن أن تنتشر وتنتقل إلى البشر.

وبينما يواصل المجتمع البشري التعدي على العالم الطبيعي، أدى الاتصال المتزايد للبشر بالحياة البرية إلى زيادة خطر انتشار الفيروس، وأوضح العلماء أنه مع تناقص البيئات الطبيعية، تصبح الحياة البرية على اتصال أوثق مع الناس. كما تحول الحياة البرية توزيعها لاستيعاب الأنشطة البشرية وتعديل المشهد الطبيعي. هذا أدى إلى تسريع ظهور الأمراض القادمة من الحياة البرية ويعرض البشر لخطر الأوبئة.

البيئة

منذ سنة واحدة
غابات الأمازون تحترق.. سياسات «ترامب البرازيل» تخنق «رئتي الأرض»

ومن خلال مقارنة البيانات المنشورة حتى عام 2013 حول الثدييات البرية والمستأنسة، مع الفيروسات التي يمكن أن تنتقل إلى البشر، أظهرت الدراسة نوعية التفاعلات بين البشر والحيوانات التي تُعرضنا أكثر للخطر. كانت هناك مجموعات من الحيوانات التي تحمل أكبر خطر لنقل الفيروسات، هي الماشية التي تشارك أكبر عدد من الفيروسات مع مالكيها من البشر، أكثر من نظيراتها البرية بثمانية أضعاف. وبالنسبة للأنواع البرية كان هناك الخفافيش، والقوارض، والرئيسيات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد