التحق المغرب على طريقته بحراك الربيع العربي الذي أطلقته تونس يوم 17 ديسمبر (كانون الثاني) 2011، مضت دول مثل تونس وليبيا في حراك اجتماعي شبابي انتهى بالإطاحة برأس الحكم فيهما، فيما مضت المملكة في إصلاحات دستورية منحت الأحزاب السياسية فيها مجالًا أوسع للفعل وممارسة الحكم.

التعديلات الدّستورية التي نُظّم بشأنها استفتاء شعبي يوم 1 يوليو (تموز) 2011 وتمّت الموافقة عليها بنسبة 98.49% من الناخبين، ورغم حداثتها، لم تكن في مأمن من تبعات الأزمة السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة التي نُظّمت يوم 7 أكتوبر (تشرين الأوّل) 2016 بالتوازي مع حراك الريف الذي شهدته عديد المدن المغربية بعد أحداث الحسيمة، إذ تعالت الأصوات المُنادية بضرورة مضي البلاد في تعديلات دستورية جديدة لتجاوز هنّات التعديلات الأولى، وفق وجهة نظر المنادين بذلك ومن مختلف التيارات السياسية.

 

المُطالبون بالتعديل الدستوري وأبرز دوافعهم

آخر الأصوات التي أعادت الجدل بطرحها موضوع التعديلات الدّستورية كانت لرئيس الحكومة الأسبق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، «عبد الإله بنكيران»، الذي اختار الملتقى السنوي لشباب حزبه الذي انعقد بمدينة فاس يوم 7 أغسطس (آب) الماضي، ليُعلن أنه «لابد لنا من إصلاح دستوري يوضح الأمور».

دعوة بنكيران التي أتت على مسافة 10 أيام من خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى الـ18 لاعتلائه العرش في البلاد، والذي انتقد فيه الطبقة السياسية والإدارة في المغرب، على خلفية «حراك الريف» بالحسيمة ومناطق الشمال، مثّلت بحسب مُراقبين ردًّا على خطاب الملك من ناحية، وإعلانًا لمشروع سياسي جديد يُثبت به وجوده في مرحلة ما بعد استبعاده من كرسي رئاسة الحكومة من ناحية أخرى.

خطاب بنكيران الذي طالب فيه بتعديل الدستور.

وفي تفسيره لهذا الطّرح الجديد على خطاب بنكيران، قال أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي بمراكش، عبد الرحيم العلام، في تصريح للأناضول، إن بنكيران تفاعل مع خطاب الملك ومع محيط الملك الذين حملوا مسؤولية أحداث الريف تصريحًا أو تلميحًا لرئيس الحكومة الأسبق.

وأَضاف: «بنكيران يريد أن يقول إن المسؤولية لا تقع عليه وعلى حكومته، وأن المنتخبين ليسوا وحدهم المسؤولين، وإنما جزء من المسؤولية يتحملها المحيط الملكي ومن عينهم الملك والذين أشرفوا مثلًا على مشروع «الحسيمة منارة المتوسط»، ولا يمكن لأمور – أشرف عليها الملك ويعلن عنها بعيدًا عن رئيس الحكومة وفي غيابه – أن يتحمل هو مسؤوليتها».

واعتبر العلام أن كلام بنكيران، ودعوته للتعديل الدستوري بهدف توضيح خطوط التماس بين مُختلف الفاعلين في العملية السياسية وأساسًا فيما يتعلٌّق بالجانب التنفيذي، يمكن اعتباره عُصارة تجربته على رأس الحكومة والتي اكتشف فيها حدود الوضع الدّستوري الحالي الموسوم «بازدواجية السلطة التنفيذية».

Embed from Getty Images
عبد الإله بنكيران رئيس الوزراء المغربي السابق.

وتواصل حديث بنكيران حول الصلاحيات في محطّات أخرى، كان آخرها بمناسبة مشاركته في ندوة علمية احتضنتها مدينة مراكش، حول عبد الله إبراهيم، الذي ترأس الحكومة المغربية في الفترة ما بين 1958 و1960.

وفي حديثه عن تجربة حكم عبد الله إبراهيم، التي تم إجهاضها، قال بنكيران إنه لو كان هناك توافق بين النخبتين، المثقفة، والحاكمة، والمؤسسة الملكية لأصبح المغرب الآن مثل كوريا الجنوبية، أو سنغافورة، وفق تعبيره.

ودعا رئيس الحكومة السابق إلى ضرورة حصول توافق بين الإصلاحيين المغاربة، والمؤسسة الملكية، مبرزًا أنه «يجب التركيز على التعاون، لا التنازع» وهو ما أكّد رؤيته للإصلاحات الدّستورية التي دعا لها سابقًا والتي تتعلّق أساسًا بالقطع مع تداخل الصلاحيات أساسًا بين الحكومة من جهة، والمؤسسة الملكية من جهة أخرى.

وفي الحقيقة؛ لم يكن بنكيران أوّل من نادى بفتح ورشة التعديلات الدّستورية. عقب الانتخابات التشريعية وعلى إثر حالة التعطّل – البلوكاج كما يسميه المغربيون – الذي شهدته مشاورات تشكيل الحكومة، أعلن حزب الأصالة والمعاصرة عن اعتزامه رفع مذكرة إلى الملك محمد السادس تتعلق بتعديلات دستورية «تهم جوانب من الممارسة السياسية تفاديًا لبعض حالات الفراغ المعياري».

وأشار الحزب في بلاغ له إلى أنه تدارس «قضايا تتعلق على الخصوص بطبيعة الخطاب السياسي المستعمل من قبل بعض الأحزاب ومخاطره على الاختيار الديمقراطي، وكذا قضية استعمال الرأسمال الرمزي للدين الإسلامي في الاستحقاقات الانتخابية وآثاره السلبية على المدى القصير والمتوسط».

بلاغ الحزب الذي يوصف بأنه مقرب من الملك والذي أتى عامًّا ومُبهمًا، احتاج تغريدة خالد أدنون، الناطق الرسمي باسمه، على حسابه في فيسبوك، لتتوضّح مراميه الحقيقية: بهدف الخروج من المأزق السياسي الذي تسبب فيه تعطل مشاورات الحكومة، تساءل أدنون «لماذا لا يمارس البرلمانيون والبرلمانيات ما خوله لهم الدستور من ممارسة «سيادة الأمة» والمبادرة بـ«تعديل الدستور» لإيجاد مخرج وفتح الباب أمام خيارات أخرى لم ترد في الفصل 47 من الدستور».

Embed from Getty Images
سكرتير عام حزب الأصالة والمعاصرة، إلياس العمري.

وبالعودة إلى الفصل 47 من الدستور المغربي، نجد أنه ينص على أن «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها»، أي أن حزب البام يريد أن تطرح فرضيات أخرى يُمكن من خلالها تعيين رئيس حكومة من خارج الحزب الفائز بالانتخابات.

كيف يتم تعديل الدستور في المغرب؟

يُفرّق الفقه الدّستوري بين السلطة التأسيسية الأصلية أو المُنشئة من جهة والسلطة التأسيسية الفرعية من جهة أخرى، فبينما تعمل الأولى على صياغة الدّستور وفصوله، تختصّ الثانية وفق شروط تُسطّر لها بتعديل بعض من هذه الفصول التي تتوضّح الحاجة لتعديلها تدريجيًا عبر الممارسة.

تاريخيًّا؛ نص دستور 1962 في بابه الحادي عشر، على أن مبادرة مراجعة الدستور من اختصاص الوزير الأول والبرلمان، وذلك من خلال إعداد مشروع المراجعة من طرف المجلس الوزاري قبل أن يتم تداوله من طرف مجلس النواب ومجلس المستشارين ثم المرور إلى الاستفتاء في حال ما إذا تم التصويت على المشروع بالأغلبية المطلقة في المجلسين.

وإثر التعديل الدستوري لـسنة 1970، الذي جاء بناء على طلب الملك وبأمر منه، أصبح حق المبادرة الدستورية عائدًا للملك أو لثلثي مجلس النواب شريطة اقتراح المراجعة على الملك والتي لن تكون نهائية إلا بإقرارها عبر استفتاء، وهو نفس الأمر الذي كرسه كل من دستوري 1972 و1992، إذ أعطيا للملك ولمجلس النواب حق اتخاذ المبادرة لمراجعة الدستور. وهو ما حافظ عليه دستور 1996، وظلت المبادرة مشتركة بين الملك والبرلمان.

وبعد أن تم احتكار السلطة الفرعية من طرف الملك والبرلمان، أعاد دستور 2011 لرئيس الحكومة حق اتخاذ مبادرة مراجعة الدستور شرط صدور ظهير ملكي – مرسوم يقوم بإصداره ملك المغرب بصفته سلطة عليا -، إلا أنه بالمقابل منح صلاحيات أوسع للملك حول هذا الموضوع، إذ نصّ في فصله الـ174 على أن «للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية، أن يعرض بظهير، على البرلمان، مشروع مراجعة بعض مقتضيات الدستور. ويصادق البرلمان المنعقد باستدعاء من الملك في اجتماع مشترك لمجلسيه، على مشروع هذه المراجعة، بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتكون منهم»، فأصبح بمقدور الملك تعديل الدستور دون الحاجة إلى استفتاء شعبي.

بين التعديل وإتمام التنزيل

الجدل الذي رافق هذه الدّعوات قسم الآراء بين مُرحّب ومُحذّر، ففي الوقت الذي يُطالب فيه البعض بتعديلات دستورية، انتقد رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إدريس اليزمي، السبت، تأخر الحكومة والبرلمان في تفعيل الدستور وإرساء الآليات التشاركية؛ واعتبر أن تأخر المغرب في إرساء الديمقراطية له ثمن؛ يؤديه من مكانته على المستوى الدولي، مؤكّدًا أن «المغاربة يرغبون في المشاركة في السياسات العمومية والتسيير وليس فقط المشاركة في الانتخابات والإدلاء بالصوت مرة كل خمس سنوات».

وقال اليزمي، خلال الجلسة الافتتاحية لليوم الدراسي الذي احتضنه مجلس المستشارين حول تحديات وآفاق الديمقراطية بالمغرب، إن أبرز التحديات التي يواجهها المغرب في المرحلة الراهنة هو  إرساء المنظومة التشاركية المنصوص عليها في الدستور المغربي، داعيًا إلى تسريعها من قبل الحكومة والبرلمان. وأضاف أن «المعارك التي سيعرفها المغرب خلال هذه المرحلة هي معركة المناصفة والمساواة، وتحدي ديمقراطية الأجيال، وإدماج الشباب في مراكز القرار».

من جهته؛ يرى الباحث حسن كاوز، في أحد نصوصه التي تحدّث فيها عن الموضوع، أن التعديل الدستوري ضروري شر لا بد منه «حتى ولو كان في شكل عملية جراحية تجميلية لإزالة التشوّهات الخلقية أو المكتسبة، لأن الغرض الأسمى من ذلك هو الحفاظ على سير المؤسسات، وسيادة القانون، والعيش في مجتمع عادل وديمقراطي»، وفق تعبيره.

أوّل الفصول التي تحتاج تعديلًا هو الفصل 47 الذي يتحدث فقط عن تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب. ويعتبر كاوز الدستور لم يُفصل بالشكل الكافي مجال تدبير الشأن العام وآلياته، وأحال في كثير من الأحيان إلى القوانين التنظيمية الموازية وهو ما لا يُمكن به الإجابة على الأسئلة الدستورية التي طرحت خلال أزمة تشكيل الحكومة أو خلال الأزمات التي يمكن أن تطرأ مُستقبلًا.

ويطرح في هذا السياق فرضية تعادل حزبين أو ثلاثة في نتائج الانتخابات التشريعية، ويتساءل عن المدة الزمنية القصوى التي من المفترض أن تكون ممنوحة للحزب المتصدّر للانتخابات في سعيه لتشكيل الحكومة الجديدة، وماذا عن إشكال إعفاء رئيس الحكومة، وليس استقالته، لسبب جسيم غير وارد الآن، وهي كلها مسائل لم يجب عليها الدستور المغربي الحالي.

ويشير الباحث المغربي أيضًا إلى الفصول الدستورية 49 و91 و92 المتعلقة بالتعيين في المناصب العليا، سواء على مستوى المجلس الوزاري أو المجلس الحكومي، أي على مستوى صلاحيات رئيس الدولة ورئيس الحكومة، والتي يُقدّر أنها تحتاج تعديلًا باعتبار أن التعيين الإداري التقليدي القائم على الولاءات السياسية يجب أن يحل محلها ما يسميه التعيين الإداري الديمقراطي القائم على الكفاءة العلمية والخبرة المهنية والميدانية، وفق تعبيره.

 

المصادر

تحميل المزيد