برغم مرور أقل من أسبوعين على تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه استطاع أن يصل بالعلاقات بين بلده، والمكسيك لمرحلة كبيرة من التوتر غير المسبوق، للدرجة التي جعلت الرئيس المكسيكي يلغي زيارته للولايات المتحدة الأمريكية للقاء ترامب التي كان من المزمع إقامتها هذا الأسبوع.

ربما يظن الكثيرون أن المكسيك ستكون الخاسرة وحدها من توتر العلاقات مع جارتها؛ لأنها الطرف الأصغر، ولكن الحقيقة أن أمريكا أيضًا لديها ما تخسره سواءً في مسألة المهاجرين غير المقيدين قانونيًّا، أو بتوتر العلاقات مع المكسيك.

 

1- هل المهاجرون غير المقيدين قانونيًّا عالة على الاقتصاد الأمريكي؟

هاجم ترامب المهاجرين القادمين من المكسيك، واصفًا إياهم بالمجرمين، وتجار المخدرات، ومغتصبي النساء؛ مما يجعلهم محل خطورة كبيرة على المجتمع الأمريكي، وبناءً عليه وضع ترامب معالجة المشكلة على رأس أجندته الانتخابية.

يعيش ما يقرب من 34 مليونًا من ذوي الأصول المكسيكية في الولايات المتحدة اليوم، منهم 22.5 مليون ولدوا في أمريكا و11.5 مهاجر من المكسيك. يشكل المهاجرون غير المقيدين قانونيًّا 18% من عدد المهاجرين المكسيكيين، و55% من إجمالي عدد المهاجرين غير المقيدين قانونيًّا في أمريكا.

أبرز الإجراءات التي قال ترامب إنه سينفذها فيما يخص مسألة الهجرة غير الشرعية، هي تكوين قوة ترحيلات تعمل على ترحيل المهاجرين غير المقيدين قانونيًّا، وبناء جدار على طول الحدود الأمريكية المكسيكية، وزيادة عدد قوات حرس الحدود لمنع تسلل أي مهاجر غير شرعي لأمريكا. هتافات «ابنِ الجدار» تكررت كثيرًا في مؤتمراته الانتخابية، ولذلك كان أول قراراته التنفيذية المتعلقة بالهجرة هو البدء في إنشاء هذا الجدار.

ما تغفله إجراءات ترامب، ويجهله أغلب مؤيديه أن كل التقارير تشير إلى أن عدد المكسيكيين العائدين إلى المكسيك من أمريكا خلال السنوات التسع الأخيرة منذ نهاية الأزمة الاقتصادية أكبر من عدد المهاجرين من المكسيك لأمريكا خلال نفس الفترة الزمنية.

أرقام مركز بيو البحثي تشير إلى أن صافي عدد المهاجرين المكسيكيين بين عامي 1995 و2000 كانت حوالي 2.3 مليون مهاجر، بمعنى أن عدد المكسيكيين الذين دخلوا الولايات المتحدة الأمريكية خلال تلك الفترة يزيد على عدد العائدين بـ2.3 مليون. هذا الرقم أصبح بالسالب فيما بين عامي 2005 و2010، حيث أصبح عدد العائدين يزيد على عدد المهاجرين بـ22 ألفًا، ليتسع الفارق بالسالب أكثر فيما بين 2009 و2014 ويصبح عدد المكسيكيين العائدين لديارهم أكثر من عدد المهاجرين لأمريكا بـ 140 ألفًا.

معاداة المكسيك

المصدر: مركز بيو البحثي

 

يغفل ترامب ومؤيدوه دور المهاجرين غير المقيدين قانونيًّا في الاقتصاد الأمريكي. المهاجرون غير المقيدين قانونيًّا يشكلون ما يقرب من 5.5% من القوى العاملة في أمريكا، وفقًا لأرقام مركز بيو البحثي.

وفي الواقع، حذرت وزارة الزراعة الأمريكية في السابق من أن ترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين سيكون له أثر بالغ في زراعة الخضراوات والفاكهة في أمريكا، حيث يشكل المهاجرون غير المقيدين قانونيًّا 53% من العاملين في مجال زراعة المحاصيل في أمريكا. ولاية أريزونا الأمريكية تقدم مثالًا قريبًا على التأثير السلبي لرحيل المهاجرين غير المقيدين بأعداد كبيرة منها بعد تشديد القوانين الخاصة بالهجرة، إذ فقدت الولاية 40% من عدد المهاجرين غير المقيدين قانونيًّا فيما بين 2007 و2012. صحيح أن إنفاق الولاية على التعليم والرعاية الصحية انخفض بانخفاض عدد المهاجرين، ولكن إجمالي الناتج المحلي للولاية انكمش أيضًا خلال تلك الفترة بسبب نقص العمالة، كما تشير أرقام وول ستريت جورنال.

معاداة المكسيك

المصدر: وول ستريت جورنال

 

يجادل الكثيرون من معارضي الهجرة بأن أمريكا تنفق الملايين لتعليم المهاجرين غير المقيدين، وتوفير الرعاية الصحية لهم، بينما يمكن توفير تلك النفقات، ومعها فرص عمل للأمريكيين أنفسهم، لكن هذا الرأي يتجاهل حقيقة أن المهاجرين يدفعون ضرائب تدخل خزانة الولايات، وصندوق التضامن الاجتماعي، فوفقًا للنيويورك تايمز، فإن المهاجرين غير المقيدين قانونيًّا يدفعون ما يمثل 10% من صندوق التضامن الاجتماعي بقيمة 300 مليار دولار، كما أن ترحيل العمالة من المهاجرين غير المقيدين قانونيًّا لن يوفر فرص عمل أكثر للأمريكيين؛ لأنه سيصحبه انكماش في اقتصاد عدد من الصناعات، وبالتالي تناقص فرص العمل، فولاية تكساس مثلًا ستخسر 2.1% من إجمالي ناتجها المحلي لو تم ترحيل المهاجرين الذين يمثلون 6.3% من القوى العاملة في الولاية الجنوبية.

2. ماذا تخسر أمريكا بمعاداة المكسيك؟

تستفيد المكسيك بلا شك من علاقاتها التجارية، والاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن ذلك لا يعني أن أمريكا لا تحقق فائدة من علاقاتها بجارتها الجنوبية، تجعلها تفكر مرتين قبل معادة المكسيك.

حجم التجارة البينية بين الجارتين بلغ 550 مليار دولار في 2013. المكسيك هي ثاني أكبر سوق للصادرات الأمريكية بعد كندا، ويتساوى حجم ما تستورده المكسيك من منتجات أمريكية مع ما تستورده كل دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة من أمريكا. تعتمد وظائف ما يقرب من ستة مليون أمريكي على التجارة مع المكسيك. حتى الصادرات المكسيكية لأمريكا تفيد الاقتصاد الأمريكي، إذ تحتوي 40% منها على مدخلات أمريكية، كما أن المكسيك هي ثالث أكبر مورد للنفط الخام للولايات المتحدة، وأكبر مستورد للمنتجات البترولية الأمريكية.

كل تلك الأرقام تشير إلى مدى التعاون الاقتصادي بين البلدين، وهو ما يضرهما معًا بتوتر العلاقات بينهما، ولكن التعاون الاقتصادي ليس كل ما يربط البلدين، فالبلدان مرتبطان معًا أيضًا باتفاقيات أمنية لمكافحة تجارة المخدرات والسلاح.

تمنح أمريكا المكسيك مئات الملايين من الدولارات لمساعدتها في حربها ضد العصابات، ففي ما بين عامي 2008 و2016 بلغ حجم المساعدات الأمنية الأمريكية للمكسيك 2.6 مليار دولار، ولكن الإدارة الأمريكية كانت تعلم أنه لو امتنعت عن مساعدة المكسيك، فإن ذلك يعني تزايد قوة العصابات المكسيكية، وهو ما سيؤثر بالسلب في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا: هل هناك دور خفي لتجارة المخدرات وراء جدار ترامب الحدودي مع المكسيك؟

 

 

3. من سيدفع تكلفة بناء الجدار؟

ظل ترامب طوال حملته الانتخابية يردد أنه سيقوم بتشييد جدارًا حدوديًّا، وأن المكسيك ستدفع تكلفة إنشاء هذا الجدار، وهو ما لم يأخذه الكثيرون، ومنهم الرئيس المكسيكي وإدارته على محمل الجد، لكن جدية ترامب تجاه تحميل المكسيك تكلفة بناء الجدار بدت واضحة في تصريحاته بعد توليه الرئاسة، وبعد إصداره مرسومًا تنفيذيًّا ببدء إنشاء الجدار.

الرئيس المكسيكي إنريكي بيينا نييتو بدا منزعجًا من تصريحات ترامب لدرجة إلغائه للقاء الذي كان من المزمع عقده مع ترامب.

بالتأكيد ترفض المكسيك دفع تكلفة جدار حدودي ترغب أمريكا في بنائه، هذا أمر منطقي يمكننا فهمه، ولكن إذا كان الأمر كذلك فما هي خطة ترامب؟

معاداة المكسيك

المصدر: الجزيرة

 

الجدار الذي يريد ترامب بناءه سيمتد بطول ألف ميل تقريبًا ليغطي نصف الحدود الأمريكية المكسيكية، بينما تقوم العوائق الطبيعية وسياج حدودية بالمهمة في المسافة المتبقية. بناء الجدار سيتكلف وفقًا لترامب ما بين 10 و12 مليار دولار، ولكن الرقم الحقيقي يبدو أكبر كثيرًا. السياج الحدودية الموجودة حاليًا، والتي تغطي 650 ميلًا تكلف بناؤها سبعة مليارات دولار، وهو ما يعني أن جدارًا يغطي مسافة أكبر، سيتكلف أكثر.

الواشنطن بوست أجرت تحقيقًا، وقدرت التكلفة الحقيقية بـ25 مليار دولار. صحيح أن هذا المبلغ ضئيل جدًّا مقارنةً ببند النفقات في الميزانية الأمريكية البالغ 3.7 تريليون دولار، ولكن مشكلة ترامب أنه وعد ناخبيه بأنه سيجبر المكسيك على دفع تكلفة الجدار.

في النهاية، سلم ترامب بأن الجدار سيشيد بأموال دافعي الضرائب الأمريكية، ولكنه أصر أنه سيتم تحصيل التكلفة من المكسيك لاحقًا. أحد الاقتراحات لتحصيل تكلفة الجدار من المكسيك هي فرض ضريبة على الواردات المكسيكية بقيمة 20%؛ مما يوفر مليارات الدولارات لأمريكا، مقارنةً بالعائد من التعريفة الحالية على الواردات المكسيكية البالغ حوالي 340 مليون دولار سنويًّا.

لكن هذا الحل يغفل أمرين: أولًا فإن المكسيك من المتوقع أن ترفع بالمثل التعريفة الجمركية على الواردات الأمريكية البالغ حجمها 236 مليار دولار سنويًّا، كما أن زيادة التعريفة الجمركية على الواردات المكسيكية سيجعل المستوردين الأمريكيين يبحثون عن مصادر أخرى غير المكسيك؛ مما يقلل من إجمالي الواردات المكسيكية، والجمارك عليها بالتبعية.

الحل الثاني هو فرض رسوم على التحويلات النقدية التي يقوم بها المكسيكيون في أمريكا لبنوك في المكسيك، والتي تبلغ حوالي 25 مليار دولار، ولكن وقتها سيلجأ المكسيكيون للتحويل عبر دولة ثالثة، أو بطرق غير مباشرة؛ مما سيقلل من إجمالي التحويلات أيضًا.

التسهيلات الضريبية الممنوحة للاستثمارات الأمريكية في المكسيك ورقة أخرى قد تضغط بها المكسيك على إدارة ترامب. فقد بلغت تلك الاستثمارات في المكسيك 102 مليار دولار في 2013، ومن الممكن أن ترد المكسيك بفرض ضرائب عليها.

هناك اقتراحات أخرى مثل زيادة رسوم الفيزا على المكسيكيين، وفرض رسوم على السيارات والأفراد عند عبورهم للحدود، ولكنها لن تكون كافية لسداد تكلفة الجدار بكل تأكيد.

يحذر المراقبون من أن إدارة ترامب للعلاقات بين البلدين قد تتسبب في أزمة اقتصادية في المكسيك، الأمر الذي سيؤدي لزيادة الهجرة غير الشرعية بدلًا من تقليلها، مثلما حدث في منتصف التسعينات فيما يعرف بأزمة التيكيلا.

اقرأ أيضًا: «تايم»: نظام «ترامب» العالمي الجديد

من المنتظر أن تشهد الأسابيع القليلة القادمة تطورات في ملف المهاجرين المكسيكيين غير المقيدين، وفي بناء الجدار الحدودي، وتعديل بنود اتفاقية نافتا بين أمريكا، والمكسيك، وكندا. كلها ملفات شائكة يحتاج التعامل معها للدراسة، والتأني، والكياسة في التصرف، وهي أمور لا يبدو أن الرئيس الأمريكي الجديد يتحلى بها في نظر المراقبين؛ مما قد يؤثر حتمًا في العلاقات بين الجارتين التي كانت قد شهدت تحسنًا كبيرًا منذ تسعينات القرن الماضي.

اقرأ أيضًا: مترجم: «دونالد ترامب» ضد العالم

عرض التعليقات
تحميل المزيد