أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، أمس الثلاثاء، تسليم 10 طائرات أباتشي هجومية لمصر كان من المفترض أن يتم تسليمها في سبتمبر الماضي، وكانت الولايات المتحدة قد علقت تسليمها إلى مصر ضمن قرارات تعليق المساعدات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ضد النظام المصري في أعقاب فض اعتصام رابعة العدوية.

وقال الأميرال جون كيربي، المتحدث باسم البنتاجون، وهو يروي ما دار في محادثة هاتفية بين هاجل ووزير الدفاع المصري الفريق أول صدقي صبحي: “نعتقد أن طائرات الهليكوبتر الجديدة هذه ستساعد الحكومة المصرية في التصدي للمتطرفين الذين يهددون الأمن الأمريكي والمصري والإسرائيلي”.


وكانت الإدارة الأمريكية قد أوقفت في 24 يوليو الماضي توريد 4 طائرات من طراز “F-16
كان قد حان وقت تسليمها للقوات المسلحة المصرية احتجاجًا على الانقلاب على الرئيس المنتخب، وفي 15 أغسطس الماضي أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن إلغاء مناورات “النجم الساطع” مع مصر احتجاجًا على أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، وفي 18 أغسطس أعلنت واشنطن عن وقف المعونات الاقتصادية السنوية لمصر والمقدرة بـ250 مليون دولار، قبل أن يقرر أوباما إيقاف كل المساعدات لمصر بصورة مؤقتة وتعليق تسليم طائرات الأباتشي، ودبابات من طراز إبرامز، وصواريخ هاربون، وقطع غيار لدبابات إيه 1 إم 1، ووقف تحويل مبلغ 260 مليون دولار “مساعدات اقتصادية” للقاهرة، ومبلغ 300 مليون دولار وديعة ائتمانية لشراء معدات عسكرية.

المفارقة أن قرار استئناف توريد الطائرات إلى مصر قد تزامن مع تصريح المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، جنيفر بساكي، إن الوزير جون كيري أبلغ نظيره المصري نبيل فهمي في مكالمة هاتفية، الثلاثاء، أنه لم يستطع حتى هذه اللحظة أن يشهد “باتخاذ مصر لخطوات تدعم الانتقال الديمقراطي”.

ما هي خطة “شروط” الولايات المتحدة لاستئناف المساعدات؟

071103-N-9909C-003

وترتبط الخطة التي يعتمدها الكونجرس الأمريكي لاستئناف المساعدات مع مصر بشهادة وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري؛ حيث تقضي الخطة بتقسيم المساعدات إلى 4 شرائح تكون الأولى منها غير مشروطة “ترتبط باتفاقية السلام”، وتسلم على الفور وتكون التالية مشروطة بأن تشهد وزارة الخارجية بأن حكومة القاهرة تدعم عملية سياسية لا إقصائية وتفرج عن السجناء السياسيين وتدعم المجتمع المدني ولا تحيل المدنيين للمحاكمات العسكرية، بينما ترتبط الشريحة الثالثة بعملية إجراء انتخابات ديمقراطية وتشكيل حكومة جديدة أما الرابعة فتتعلق بمسائل حقوق الإنسان والأقليات، وسبق لساسة بوست أن رصدت تفاصيل قضية المعونة الأمريكية إلى مصر في هذا التقرير.

ويفترض أن يقدم كيري شهادته المكتوبة إلى الكونجرس اليوم –الأربعاء – وقال كيرى إنه سيشهد أن مصر توفي بالتزاماتها فيما يخص معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ولكنه لا يستطيع أن يشهد في الوقت الحالى أن مصر تسير في طريقها للانتقال نحو الديمقراطية، ورغم ذلك جاء قرار الاستئناف – الجزئي – للمساعدات العسكرية قبل شهادة جون كيري المفترضة.

من الذي تدعمه الولايات المتحدة بين طرفي النزاع في مصر؟


يظل موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الانقلاب العسكري من أكثر الموضوعات التي تثير جدلاً بين المصريين، فمن جهة – وكما قالت الواشنطن بوست فى مقال سابق لها – فإن الإعلام المصري في مرحلة ما بعد الانقلاب يقود حملة دعائية تحريضية يقوم مركزها على كراهية أمريكا؛ حيث يُسوِّق عرّابو الانقلاب لممارسات الانقلاب داخليًّا تحت شعار معارضة الولايات المتحدة والوقوف في وجه التدخل الأمريكي في شئون مصر.

من جهة أخرى يذهب أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي إلى أن الانقلاب العسكري في مصر لم يكن ليتم دون دعم أمريكي أو على الأقل مباركة أمريكية، ويستدلون على ذلك بموقف الدبلوماسية الأمريكية الرخو تجاه نظام الانقلاب في مصر رغم القوانين الأمريكية التي تُحتِّم اتخاذ مواقف ديبلوماسية واقتصادية صارمة أقلها إيقاف المساعدات الاقتصادية للدول التي تعتمد الانقلابات العسكرية كوسيلة لتداول السلطة، إضافة إلى تصريحات وزير الخارجية جون كيري التي قال فيها إن حركة الجيش جاءت استجابة لمطالب شعبية وأنه رغم كون الرئيس المخلوع محمد مرسي قد جاء عبر انتخابات نزيهة إلا أن الشعب المصري قد خرج يطالب برحيله.

وإذا كانت مواقف السياسيين الأمريكيين تعاني تخبطًا – تفرضه عليه القوانين التي تحظر دعم النظم الانقلابية – فإن المواقف الأمنية تبدو مستقرة وواضحة إلى حد كبير كما يقول المراقبون؛ حيث يزعمون أن المحددات التي تحكم السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط هي محددات أمنية في المقام الأول وهو ما عبر عنه رئيس الأركان الأمريكي، مارتن ديمبسي، في جلسة تنصيبه في 17 يوليو الماضي بُعيد الانقلاب العسكري على حكومة محمد مرسي في 3 يوليو، عندما سُئِل عن رأيه في الدعوات المطالبة باتخاذ موقف ضد مصر يشمل إيقاف المساعدات على خلفية الانقلاب العسكري، فأجاب أنه إذا كان علينا أن نتخذ موقفًا فيجب أن نعيد الأمور إلى نصابها في أقصر وقت ممكن لأنه من الضروري أن نحافظ على علاقتنا بالقوات المسلحة المصرية.



ولم تكن تصريحات ديمبسى فقط هي التي تؤيد استقرار موقف القادة الأمنيين تجاه العلاقات مع النظام المصري، فتصريحات وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في حواره الشهير مع جريدة واشنطن بوست في أغسطس الماضي حين سُئِل إذا ما كانت الولايات المتحدة قد علمت بشأن تحرك الجيش المصري “الانقلاب” قبل وقوعه، فأجاب بأنه كان يُطلِع وزير الدفاع الأمريكي شاك هيجل على كل التطورات يومًا بيوم خلال الأيام السابقة لانقلاب 3 يوليو.

كما يبدو أن الاتصالات بين هيجل والسيسي لم تتوقف في مرحلة ما بعد 3 يوليو؛ حيث ينشر الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الأمريكية بانتظام سلسلة من التقارير المقتضبة عن محادثات هاتفية يجريها وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيجل مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسى وهي المحادثات التى لم تتوقف حتى عقب مجزرة فض اعتصام رابعةالعدوية، وسبق لساسة بوست أن رصدت تفاصيل هذه المكالمات في هذا التقرير.

ما هي أهم دلالات الموقف الأمريكي؟

(1) رغم أن الموقف السياسي الأمريكي من الانقلاب العسكري في مصر والنظام المؤقت الذي جاء على خلفيته يبدو مضطربًا – بل ومتناقضًا – إلا أن موقف الولايات المتحدة على المستوى الأمني يبدو واضحًا وراسخًا، فالتواصل بين وزيري الدفاع المصري والأمريكي متواصل منذ عهد حكم مرسي وطبيعة الملفات المطروحة في نقاشاتهما متنوعة بين السياسي والاقتصادي والأمني، ورغم تعليق المساعدات العسكرية الأمريكية لفترة إلا أنه سرعان ما تم استئنافها من جديد تحت شعار دعم الحرب على الإرهاب في سيناء وحتى قبل استكمال الشروط الأمريكية لاستئناف المساعدات “كشهادة جون كيري”.

(2) وتبدو مباركة الولايات المتحدة “الأمنية” واضحة للانقلاب، بل إنه كان على علم بتفاصيله قبل وقوعه، وظل الاتصال قائمًا بين هيجل والسيسي طوال فترة ما بعد الانقلاب حتى في أشد فترات الخلاف السياسي بين النظام العسكري في مصر والولايات المتحدة على خلفية مجزرة فض اعتصام رابعة العدوية، ورغم اضطراب الموقف السياسي في بعض الأحيان إلا أنه سرعان ما يعود ليستقيم مع الموقف الأمنى والإستراتيجي.

(3) كذلك يبدو أن وزارة الدفاع الأمريكية قد تسلمت الملف المصري برمته، وأن الولايات المتحدة تتعامل مع مصر كملف أمني في المقام الأول، وتأتي المواقف السياسية تابعة للأولويات الأمنية وليس العكس، لذا فالمسار الأول للتواصل المصري الأمريكي الآن هو عن طريق وزارة الدفاع وليس عن طريق وزارة الخارجية.

(4) يبدو أمن سيناء أهم الملفات الحاضرة فى العلاقات بين البلدين، وترتبط سيناء لدى الأمريكيين بأهم ملفين يحكمان علاقتها بمصر وهما أمن إسرائيل وقناة السويس، لذا نجد التنسيق الأمني المصري الأمريكي ضد ما يدعونه بالإرهاب في سيناء حاضرًا بقوة على مائدة حوارات هيجل والسيسي إضافة إلى حضوره ضمن مسببات استئناف المساعدات العسكرية.


(5) تحرص الولايات المتحدة على خروج الانتخابات الرئاسية المصرية بمشهد مقبول حتى يتسنى لها أن تستأنف علاقاتها السياسية مع مصر بأريحية، لكن يبدو أن المنطق الذي تدير به سلطة الانقلاب الأمور يحرج الولايات المتحدة كثيرًا ويهز صورتها، فمع ترشح قائد الانقلاب إلى مقعد الرئاسة فى ظل منافسة مع مرشح وحيد، وفى ظل دعم أجهزة الدولة الكاملة له لا يبدو الاستحقاق الرئاسي أكثر من ديكور ديمقراطي يهدف إلى شرعنة طرق قائد الانقلاب إلى رأس السلطة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد