أشار الكاتب فريد زكريا – في مقال له بصحيفة الواشنطن بوست نشر في الخامس والعشرين من شهر أبريل الماضي – إلى أن ردود فعل الرئيس الأمريكي باراك أوباما والإدارة الأمريكية إزاء الأوضاع السياسية والتظاهرات التي اندلعت في مصر وليبيا وأوكرانيا دائمًا ما تكون محل ترقب من الجميع باعتبار أن الدور الأمريكي حيال هذه القضايا دور محوري وهام، وهو ما يتطلب من الإدارة الأمريكية وضع إستراتيجية طويلة المدى للتعاطي مع تلك الأزمات بعد انقضائها كأحد معايير السياسة الخارجية في الوقت الراهن.

واعتبر الكاتب أن الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي أوباما لبعض دول القارة الآسيوية الشهر الماضي كانت جزءًا من الإستراتيجية الأمريكية في تعاطيها مع الملف الآسيوي الذي لا يشهد تقدمًا ملموسًا, مضيفًا بأن التحدي الأكبر في محور السياسة الأمريكية تجاه آسيا يأتي من قبل الكونجرس الأمريكي والرأي العام في الولايات المتحدة وليس من قبل الإدارة.

وأوضح الكاتب أن الركيزة الأساسية لسياسة الرئيس أوباما تستند على الحكمة وهو النهج الذي سارت عليه السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ عهد الرئيس السابق بيل كلينتون, كما أن الدبلوماسية الأمريكية تشتمل علي محورين أساسيين هما الردع والمشاركة, وبالرغم من أن غالبية الدول الآسيوية وكذا الولايات المتحدة الأمريكية تسعى نحو بناء علاقات اقتصادية قوية وعميقة مع الصين, إلا أن الكاتب نوّه في هذا الصدد إلى أن الولايات المتحدة تضع نصب أعينها في ذات الوقت كبح جماح الصين في مزيد من التوسع الإقليمي وهو ما نجحت فيه الإدارة الأمريكية الحالية؛ حيث تمكنت بحرفية من الاحتفاظ بعلاقات قوية مع الصين جنبًا إلى جنب مع اتخاذ خطوات من شأنها ردع الطموحات الإقليمية الصينية والرغبة في التوسع.

وألمح الكاتب إلى أن الرئيس الأمريكي لم يعطِ من جانبه الوقت الكافي للتعاطي مع الإستراتيجية الخاصة بالمحور الآسيوي؛ حيث قام بإلغاء رحلتين للمنطقة في الوقت الذي لم يقم فيه بزيارة الصين منذ العام الأول من فترة رئاسته الأولى, كما أن فريق إدارته خلال فترة رئاسته الثانية يفتقر إلى مزيد من الخبراء بالشئون الآسيوية بالرغم من أن نجاح الرئيس الأمريكي، فيما تبقى له من فترة رئاسية مرهون بمدى التقدم والنجاح علي الصعيد الآسيوي حسبما أكد الكاتب.

وأكد الكاتب على أن الفرصة لا تزال سانحة أمام الولايات المتحدة لإنجاز تقدم ما في آسيا خاصة إذا ما تم إنجاز اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإستراتيجية عبر المحيط الهادئ التي اعتبرها الكاتب واحدة من أكبر الاتفاقيات التجارية في العالم منذ عقود، والتي ستضم معظم الاقتصاديات الرئيسية في آسيا وربما تمتد لتشمل الصين كذلك, وبالرغم من أنها ستعمل أيضًا على تعزيز المبادئ والقواعد الأمريكية حول التجارة الحرة والمفتوحة في جميع أنحاء العالم, إلا أن الرئيس أوباما لا يزال عاجزًا عن الحصول على صلاحيات كافية من شأنها أن تفسح المجال أمام التفاوض بشأن أي اتفاق خاصة مع تراجع الدعم المتوقع من الحزب الديمقراطي للاتفاقية والضعف الذي يعتري مواقف الحزب الجمهوري حيال اتفاقيات التجارة مما أفقد اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإستراتيجية عبر المحيط الهادئ أهميتها بالرغم من كونها اتفاقية طموحة وعظيمة.

وأضاف الكاتب أن أهم ما يقف كحجر عثرة أمام تحقيق إستراتيجية أمريكية جادة يتمثل في عرقلة الجمهوريين لاقتراح تقدمت به الإدارة الأمريكية للكونجرس لإجراء إصلاحات في صندوق النقد الدولي الذي يعتبر إصلاحه خطوة نحو ترسيخ الدور الأمريكي في المستقبل.

ووفقًا للكاتب, هيمنت الولايات المتحدة وأوروبا على المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي, بيد أنه ومع تنامي النفوذ الآسيوي في المشهد الدولي, اقترحت الإدارة الأمريكية منح مزيد من الأصوات للدول الآسيوية في المجلس وهي الخطوة التي يقف الجمهوريون عقبة أمام إنفاذها بالرغم من أن الأصوات المضافة ستحد من صلاحيات الدول الأوروبية، ما حدا ببعض الدول الآسيوية مثل الصين وإندونيسيا وسنغافورة أن تنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها دليلاً على أن الحكومات الغربية لن تفسح لها المجال أمام مشاركة حقيقية في إدارة المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة والبنك الدولي التي سعت الولايات المتحدة من جانبها لإنشائها بعد الحرب العالمية الثانية.

وحذر الكاتب من مغبة الاستمرار في عدم اتخاذ الخطوات اللازمة لتوسيع تلك المؤسسات لتشمل القوى الناشئة في قارة آسيا خاصة مع تنامي الأصوات الآسيوية ومنها الصين الداعية إلى إنشاء مؤسسات خاصة بها طالما استمر التجاهل الغربي لتوسيع المشاركة الدولية في إدارة المؤسسات, داعيًا إلى استغلال الفرصة قبل فوات الأوان.

عرض التعليقات
تحميل المزيد