حين يكون المسيح أبيض، ومريم بيضاء، والله أبيض، والجميع أبيض، فهذه قومية بيضاء - مالكولم إكس

خلال الفترة الماضية، لم تنشغل وسائل الإعلام العالمية بخبر أكثر من انشغالها بالأحداث الأخيرة في ولاية دالاس الأمريكية، التي أسفرت عن استهداف قناص لـ11 شرطيًا، قُتل خمسة منهم، وأصيب ستة آخرون، على خلفية الانتقام من قتل الشرطة الأمريكية لرجلين أسودين، هما ألتون ستيرلينج (37عامًا) في ولاية لويزيانا، وفيلاندو كاستيل (32 عامًا) في ولاية مينيسوتا.

أثارت مشاهد قتل المواطنين السود، في الولايات المتحدة الأمريكية، دهشة العديد من المتابعين حول العالم، الذين كانوا يمتلكون تصورًا عن الولايات المتحدة، باعتبارها جنة الحريات، وأنها نجحت في حل مشكلة العنصرية تمامًا، حين استطاع باراك أوباما، وهو من أصول إفريقية، أن يصير رئيسًا للبلاد.

في الواقع، ربما تزداد الدهشة أكثر، حين تعرف أن هذه لم تكن المرة الأولى في السنوات الأخيرة القليلة، التي تُتهم فيها الشرطة الأمريكية بالتعامل الذي يصفه البعض بالوحشي، مع المواطنين السود، حيث شهدت مدينة فيرجسون بولاية ميزوري، وبالتيمور ونيويورك، حوادث مشابهة أيضًا، في العامين الأخيرين، وبات إطلاق الشرطة الأمريكية النار على مواطنين سود، مشهدًا مألوفًا في السنوات الأخيرة، بالنسبة للعديد من المتابعين.

مصدر الصورة: brookings))

في هذا الرسم التوضيحي، يظهر أن فرصة الترقي الاجتماعي والحصول على دخل أفضل، بالنسبة للسود أقل بكثير منها للبيض في الولايات المتحدة الأمريكية. 51% من السود الذين يولدون في الشريحة الأدنى من حيث توزيع الدخل، يقبعون في تلك الشريحة حتى سن الـ40، في حين أن 23% من المواطنين البيض، الذين يولدون في هذه الشريحة، يظلون فيها حتى نفس العمر.

على جانب آخر، يوضح لنا الشكل التالي، أن الفجوة بين متوسط ثروة الأسرة ذات البشرة البيضاء والأخرى ذات الأصول الإفريقية كبير، وقد تفاقم الوضع أكثر وأكثر بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

مصدر الصورة: brookings))

أهداف الشرطة الأمريكية في تدريبات إطلاق النار هي صور مواطنين سود!

قبل أقل من عامين، من قيام قناص دالاس ميكا جونسون، بقتل خمسة من رجال الشرطة، انتقامًا لمقتل الرجلين ذوي الأصول الإفريقية والبشرة السوداء، وتحديدًا في يناير (كانون الثاني) من عام 2015، نشرت هيئة الإذاعة الوطنية بالولايات المتحدة الأمريكية (NBC)، معلومات عن أن رجال شرطة مدينة ميامي بولاية فلوريدا، يستخدمون صور الأمريكيين السود كأهداف أثناء تدربهم على الرماية وإطلاق الرصاص.

صورة تظهر فيها وجوه مواطنين أمريكيين سود كأهداف لإطلاق النار

الجرح الغائر الذي سنتعرف على أعماقه بعد قليل، كان يتسع أكثر وأكثر خلال العامين الماضيين، وحين انتشرت مقاطع قتل اثنين من المواطنين السود، على أيدي قوات الشرطة الأمريكية في أقل من 24 ساعة، انفجر الغضب، على هيئة هبة «فورية».

تمثلت هذه الهبة في شقها الأول، عبر مظاهرات صاخبة، في شوارع كل من ولايات مينيسوتا ولويزيانا وإلينوي وفلوريدا وبنسلفانيا وميشيجان وواشنطن وبنسلفانيا، بالإضافة إلى المئات الذين تظاهروا في نيويورك، حيث قامت الشرطة باعتقال العشرات من المتظاهرين الذين عطلوا الطريق.

وتمثلت بشقها الثاني في اعتلاء ميكا جونسون، الشاب الأسود، الذي كان يعمل في مساعدة الأطفال المعاقين عقليًا قبل قتله في أحداث دالاس، لسطح إحدى المباني، حيث استخدم بندقية القنص، لإطلاق الرصاص على جنود الشرطة، في السابع من يوليو (تموز) الجاري، تحديدًا في الساعة 1:45 بتوقيت جرينتش.

وبحسب المفكر المصري أسامة القفاش، فإن «الفورية» هي صفة أساسية من صفات الهبة الجماهيرية، التي لا يتم التخطيط لها، وإنما تعبر عن انفجار لحظي بعد تراكم الغضب في النفوس، نتيجة سياسات ممنهجة.

فالفورية وفقًا للقفاش، هي «تعبير شعوري خالص وغير عقلاني»، فجمهور الفورية المشارك في الهبة قد لا يتحرك بهذا الشكل في حالات أخرى كثيرة، لأن الفورية هي تعبير عن شعور مختزن داخلي، يأتي الحدث ليفجره فورًا، بمعنى أن الإعداد يتم على مستوى شخصي، وتتكاثر الجماهير في الشارع، لتُحدث الهبة نتيجة لأن الشعور المختزن الذي انفجر يكون شعورًا عامًا رغم كونه ذاتيًا، فالانفجار يحدث في لحظة كرد فعل على حدث ما، ومن ثم يصير الحدث هو القشة التي قسمت ظهر البعير.

ويضيف المفكر المصري في تحليله للهبات الجماهيرية، أن الصفة الثانية فيها التي تأتي إلى جانب الفورية، هي «العملية»، حيث يُعبّر عن الانفجار بشكل عملي، بمعنى أن ثمة شكلًا عمليًا ملموسًا وفعالًا كتعبير عن الانفجار، وعدم القدرة على كبت الشعور العام، سواء كان هذا الشعور سعيدًا أو مدمرًا. فالعملية أيضًا هي صفة لاعقلانية، بحسب القفاش، تمثل رد الفعل العشوائي الذي يريد أن يظهر بصورة ملموسة، يحدث مثلًا على هيئة جماهير في الشارع دون تنظيم أو تخطيط، وأحجار تلقى على واجهات المحلات والرموز التي تكون محط الغضب، أو الشعور المكبوت الجماهيري.

ينطبق هذا التحليل الذي كتبه أسامة القفاش منذ نحو عامين عن الهبات الجماهيرية؛ على ما حدث قبل نحو أسبوع في الولايات المتحدة الأمريكية، التي ينظر إليها العديد من سكان العالم باعتبارها قلعة الحريات والمساواة أمام القانون، غير أن هذه المرة لم تتمثل الهبة فقط في حجارة ملقاة، وإنما أيضًا في رصاص، لم يجد الشاب الأسود ميكا جونسون، لغة غيره ليعبر بها عن انفجاره.

لكن يبقى السؤال: بعد هذه السنوات العديدة من نجاح حركة الحقوق المدنية، في إقرار ما سمي بحقوق السود في الولايات المتحدة، وبعد وصول رجل أسود إلى البيت الأبيض في سابقة تاريخية، ما الذي شكل في الباطن كل هذا الغضب المكبوت الذي تم التعبير عنه في تلك الهبة؟

أعداء الأسئلة الجذرية

عادة حين تواجه الدول مثل تلك الهبات، تنتشر الدعوات بالحفاظ على الوحدة الوطنية، وعادة أيضًا ما يتم تحميل المتظاهرين والمطالبين بالإصلاح، مسؤولية الخسائر الحادثة جراء هبتهم، ويتم توجيه المسار إلى التغافل عن الأسباب العميقة لما حدث.

وحدث هذا الأمر بشكل ما في الولايات المتحدة بعد أحداث دالاس، حيث حمّل بعض من ينتمون للحزب الجمهوري، حركة «حياة السود تهم»، التي برز اسمها بشدة بعد تصاعد الاحتجاجات؛ مسؤولية ما جرى من خسائر، ودعوا إلى حظر الحركة، وإدراجها كمنظمة إرهابية تحض على العنصرية، فيما انتشرت آراء في الولايات المتحدة، تحمل الرئيس باراك أوباما مسؤولية هبة السود ضد الشرطة، بسبب حديثه المتكرر عن ضرورة إصلاح المؤسسة الأمنية، خصوصًا فيما يتعلق بتعاملها مع الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية.

وبدلًا من تكثيف الحديث عن الأسباب العميقة لما حدث، كثف السياسيون خلال الأسبوع الماضي، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، تبنيهم لخطاب دعوة الأمريكيين للوحدة، ونبذ التفرقة.

حوادث فردية أم عنصرية مُمأسسة؟

«حين يكون المسيح أبيض، ومريم بيضاء، والله أبيض، والجميع أبيض، فهذه قومية بيضاء» – مالكولم إكس.

بمناسبة مقولة مالكوم إكس هذه، فإن متابعي الموسيقى في الولايات المتحدة الأمريكية في الثمانينيات، ربما يتذكرون جيدًا الحملة الكاثوليكية القوية التي تعرضت لها الفنانة الأمريكية مادونا في عام 1989، نتيجة إظهارها المسيح على هيئة رجل أسود في أغنيتها .«Like a Prayer»

في عام 2015، قُتل تسعة أمريكيين من أصل إفريقي، وهم مجتمعون في خشوع، يتلون الكتاب المقدس ويعلقون عليه، في «كنيسة إيمانويل الأسقفية الميثودية للأفارقة»، بوسط تشارلستون، بولاية ساوث كارولينا.

لم تملك آنذاك السياسية الأمريكية الشهيرة، ووزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، سوى أن تعترف بعد ثلاثة أيام من الحادث قائلة: «إنه لمن قبيل المخادعة أن نصف مأساة كهذه على أنها واقعة فردية، ونصدق أننا في أمريكا اليوم تركنا التعصب خلفنا إلى حد كبير، وأن العنصرية المؤسسية لم يعد لها وجود.. لا تزال العنصرية تمثل صدعًا عميقًا في أمريكا».

وبحسب الباحث سيف دعنا، في مقال له في الأخبار اللبنانية، فإن الأسس التي بنيت عليها الولايات المتحدة الأمريكية منذ نشأتها، ووجهتها بعد ذلك، جعلت أهم وظيفة لأدوات ومؤسسات الدولة، العمل على إخضاع الأقليات، بشكل يحافظ على امتيازات البيض دائمًا.

وربما تدعم رؤية سيف، الرسوم التوضيحية التي بدأ بها هذا التقرير، بالإضافة إلى الإحصاءات المدهشة التي سنذكرها بعد قليل.

يرى دعنا، أن أجهزة الأمن والشرطة والحرس الوطني، في الولايات المتحدة، لم تصمم للحفاظ على النظام فقط، وإنما بالأساس أيضًا، من أجل إخضاع الأقليات، عبر قهرهم بالعنف المفرط والترهيب الدائم، لإجبارهم دائمًا على القبول نفسيًا باللامساواة غير المحتملة، والمكانة الدونية، والإقرار الضمني بتميز العرق الأبيض.

وتؤكد الأرقام، أنه في خلال الفترة من 2005 إلى 2012، كانت الشرطة الأمريكية تقتل سنويًا من السود 96 شخصًا، وهذا وفق أرقام مكتب التحقيقات الفيدرالية، حيث أن 18% من هؤلاء لا تتجاوز أعمارهم 21 عامًا.

من جهة أُخرى، يمثل السود 40% من عدد المسجونين في الولايات المتحدة، رغم أن نسبتهم من إجمالي السكان لا تتعدى 13%، وفي حين أن نسبة السود ممن يتعاطون المخدرات في الولايات المتحدة، لا تتعدى 13%، إلا أن السود يمثلون 37% ممن يقبض عليهم في جرائم متعلقة بحيازة المخدرات، و56% ممن يسجنون بتهم متعلقة بالأمر نفسه، ورغم أن نسبة الأحداث السود في الولايات المتحدة الأمريكية، لا تمثل أكثر من 16% من إجمالي عدد الأحداث في البلاد، إلا أن نسبتهم في السجون تبلغ 37%، علمًا بأنه في مدينة فيرجسون على سبيل المثال، وعدد من المدن الأخرى، عام 2013، كانت نسبة عدد المخالفات التي ارتكبها البيض حوالي 34%، في حين النسبة بخصوص السود كانت قد بلغت 22%.

ويرى العديد من المراقبين، أن هذه الأرقام السابقة، الخاصة بنسبة السود في السجون، تعود بالأساس، لكون الشرطة تقوم بالتفتيش العشوائي لهم، أكثر مما تفعل مع أي عرق آخر، ففي مدينة فيرجسون مثلًا عام 2013، بلغت حالات التفتيش بين صفوف السود 92%. هذا بالإضافة إلى أن القضاة الأمريكيين يحكمون على السود بعقوبات أقسى بكثير، وأطول في المدة، من تلك التي يحكمون بها في حق البيض، هذا بالإضافة إلى الحوادث التي يقتل فيها رجال الشرطة مواطنين من أصل إفريقي، ثم تتعمد الشرطة التستر على المتورطين.

قبل اندلاع أحداث دالاس بأكثر من عامين، قالت ليكسار كوامي، المتحدثة باسم منظمة الحقوق المدنية، إنه في حالات كثيرة تقوم الشرطة الأمريكية بإطلاق النار على أمريكيين سود غير مسلحين، دون أن تُعاقَب الشرطة على هذا، وكما يقول الباحث الاجتماعي هانت، بنبرة ساخرة: «لم نسمع أبدًا من قبل عن استهداف الشرطة لشباب من ذوي البشرة البيضاء… فثمة فكرة سائدة في المؤسسات القمعية الأمريكية، تقول إن الرجال السود يشكلون خطرًا ينبغي ترصده».

نعود إلى الباحث سيف دعنا، الذي يرى أن مؤسسات الدولة والمجتمع في الولايات المتحدة الأمريكية، لا تعاني فقط من العنصرية الفردية، وأن الأمر يتعدى ذلك إلى العنصرية المُمأسسة، فمعاملة الفرد حسب عرقه ولونه، هي سياسة مؤسسية في المحاكم ودوائر الشرطة ومؤسسات الدولة، بحسب دعنا، وحين ينخرط الشرطي أو المسؤول، حتى لو أنه لا يحمل أفكارًا عنصرية، في الدائرة المؤسسية، فإنه سيتلون بلون العمل «الروتيني»، المخترق بالتنميط العنصري، وسيمارسه باعتباره إحدى ركائز روتينه العملي.

في الواقع يشكك الكثير من المؤرخين من الأساس، في الفكرة الشائعة عن أن الحرب الأهلية الأمريكية كانت من أجل إنهاء العبودية، ويرون أنها كانت حربًا بين من يتبنون مصالح متعلقة بالاقتصاد الزراعي في الجنوب، ومن يرتبطون بمصالح متعلقة بالاقتصاد الصناعي في شمال البلاد، وفي الحقيقة أيضًا لم تبدأ الحرب من الشمال، كما هو شائع، من أجل تحرير العبيد، وإنما من بدأها كان الجنوب الأمريكي، الذي أعلن انفصاله، ولم تصدر وثيقة تحرير العبيد في الشمال، إلا بعد عامين من الحرب، وكانت ثمارها واضحة، بانضمام 190 ألف جندي لجيش الشمال.

كان الصراع نتيجة لظروف اقتصادية بالأساس، فلم يكن من الممكن أن تسير موازين القوى على نفس النحو بين الجنوب والشمال، فوجودهما معًا كان معيقًا لتراكم رأس المال، وقد تحول العبيد المزارعين المُحررين فيما بعد إلى عمال بالمصانع، حيث يرى العديد من المؤرخين أنهم عاشوا في ظروف قاسية جديدة، لا تختلف جذريًا عن حياة العبودية في المزارع.

ولاحظ مالكوم إكس (1925 – 1965)، مفارقة قد تبدو مدهشة في عصره، حيث رأى أن الجنوب المُستعبِد، لم يخسر في الحرب الأهلية كما يقال، فقد تنبه إكس، إلى تركيبة مجلس النواب، والتأثير الكبير الذي يحظى به ممثلو الجنوب في الكونجرس، الذين عرفوا بالـ«ديكسيكراتس»، وكانوا يؤيدون الفصل العنصري والقوانين العنصرية.

حيث رأى العديد من المفكرين، أن الجنوب قد خسر الحرب عسكريًا، لكن أثرياءه لم يخسروا نفوذهم على الإطلاق، بل ربحوا في مرحلة ما بعد الحرب، واستطاعوا أن يفرضوا على السود، مكانة لا تختلف كثيرًا عن مكانة العبيد، وسلبوهم معظم حقوقهم الأساسية كبشر.

جدير بالذكر هنا أنه على الرغم من مرور أكثر من 60 عامًا، على حظر الفصل العنصري في المدارس الأمريكية عام 1954، لكن الواقع الآن لا يختلف بشكل كبير عن الماضي البعيد في منتصف القرن المنصرم، فما زال الطلاب السود يرتادون مدارس غير تلك التي يرتادها البيض، ففي عام 1968، كان 76% من الطلاب السود، يرتادون مدارس غير مدارس البيض، والآن لا يزال 74.1% من الطلاب السود يرتادون مدارس ذات أغلبية لا تنتمي إلى العرق الأبيض، ويجب هنا ملاحظة الاختلاف في مستوى الخدمات التعليمية، بين مدارس الأغلبية البيضاء، ومدارس الأعراق الأخرى.

وربما صارت الأزمة منذ انتصار الجنوب، في معركة ما بعد الحرب، ملتصقة ببنية المجتمع الأمريكي بأكمله، وبمؤسساته، وطريقة حياته اليومية، فكلما أٌعطي السود حقًا باليمين، منذ ذلك الحين، يُسلب منهم بشكل لا يظهر واضحًا، باليسار.

لغة الأرقام لا تكذب

بحسب الباحث الأمريكي، ريتشارد ريفيز، فإن «ممارسة القتل ضد الأمريكيين السود، وما يترتب على ذلك من ردود فعل غاضبة، ما هي إلا تداعيات تظهر على السطح، بعيدًا عن تلك التداعيات الاقتصادية والاجتماعية العميقة للتمييز العنصري في المجتمع الأمريكي، بمفهوم أوسع وأشمل».

ويضيف الباحث الأمريكي: «كون الأرقام تؤكد حقيقة أن واحدًا من كل أربعة أمريكيين سود، يعيش في فقر شديد، مقارنة بواحد من أصل كل 13 أمريكيًّا أبيض، حيث إن السود يعيشون في أكثر المناطق فقرًا بالبلاد».

ربما تكون المعلومة الأشد أهمية في هذا السياق، أن معظم حالات الانتحار في الولايات المتحدة الأمريكية، هي في أوساط السود، وأن نسبة البطالة بين السود تبلغ حوالي ضعفي نسبتها بين البيض، علمًا بأنه في عام 1963 كانت معدلات البطالة بين السود تبلغ 10.9%، وبحلول عام 2012، ارتفعت هذه النسبة إلى 12.6٪ بين السود، بالإضافة إلى أن نسبة توظيف المتعلمين السود، مقارنة بالبيض تبلغ 25%.

وجدير بالذكر هنا، أنه في ضاحية سانت لويس الأمريكية، التي يمثل السود فيها ثلثي عدد السكان، يتقلد منصب رئيس البلدية فيها، رجل أبيض البشرة، وما هو أهم، أنه من بين 53 شرطي يعملون في المدينة، يوجد 50 شرطيًا أبيض البشرة.

الرأسمالية والعنصرية

«لا يمكن أن توجد رأسمالية بدون عنصرية»–مالكوم إكس.

يقول المفكر الأردني – الفلسطيني، جوزيف مسعد، أستاذ السياسة بجامعة كولومبيا الأمريكية: «في الواقع فإن الحقوق التي تُعطى في الغرب الرأسمالي، على أية حال، ليست سوى حقوق رسمية وغير ملموسة ولا مادية، إلا لدى الطبقات العليا في المجتمع، التي تمتلك وسائل الإعلام أو إمكانات الوصول إليها، والتي تموّل الحملات الانتخابية، وما إلى ذلك».

يقول مسعد ذلك، استحضارًا للفكرة التي تقول بأن «منح الحقوق المدنية والسياسية، في نفس الوقت الذي لا تُمنح فيه حقوق إنسان مادية وملموسة، يجرد الإنسان من أي حقوق على الإطلاق».

في حوار سابق له مع مقدم العروض الكوميدية، مارك مارون، قال الرئيس باراك أوباما، إن إرث العبودية، مازال حاضرًا في كل مؤسسة في حياة الأمريكيين، وبطريقة ضاحكة، قال أوباما، أن هذا لا يزال جزءًا من الحمض النووي الأمريكي.

في الواقع يختلف اليساريون بشدة مع طرح أوباما، باعتبار أنه بذلك يحجب الرؤية الحقيقية للأشياء، حين يعتبر أن العنصرية هي شيء وراثي، لازال كامنًا في الجوهر الأمريكي.

يرى اليساريون، أنه لا يمكن فهم تلك العنصرية الكامنة، إلا عبر تشريح الواقع الاجتماعي والاقتصادي الفعلي، المتمثل في العلاقات الطبقية والمصالح الاجتماعية، وما بها من خلل بنيوي، يُنتج هذا التشوه العنصري.

ويرون أنه من أجل استمرار الحفاظ على الثروة والسلطة في أيدي القلة، تتبع الرأسمالية المتوحشة، من وجهة نظرهم، التي تطوع الدولة بآلتها القمعية، سياسات فرق تسد، بين الطبقة العامة، وبالتالي هي لا يمكنها البقاء، إلا عبر تشتيت تلك الطبقة، بالعنصرية الدينية أو العرقية، من ثم فبالنسبة للراديكاليين، لا إجابة على إنهاء العنصرية المستقرة في المجتمع، إلا عبر محاربة الرأسمالية.

ويؤكد هؤلاء الراديكاليون، على أن المكاسب التي تثبت الأرقام والأدلة من وجهة نظرهم، أنها لم تكن جوهرية أو جذرية، وهي التي حصل عليها السود، في منتصف القرن الماضي، ترافقت مع حزمة شرسة من السياسات الاقتصادية، التي حاربت العمال والفقراء، وزداتهم فقرًا وبؤسًا، علمًا بأن القطاعات الأكثر فقرًا في المجتمع الأمريكي، هي ذات الأصول الإفريقية.

وبالنسبة للباحث الأمريكي في العلوم الاجتماعية، دارنيل هانت، فإن ظاهرة عنف الشرطة المفرط ضد السود، لها جذور عميقة، يقول هانت: «لدينا رئيس أسود، لكن معظم الأمريكيين السود يعانون حاليًا من سوء الأحوال الاقتصادية، أكثر مما كانوا عليه قبل 20 عامًا. إنهم مهمشون في جميع مجالات الحياة: فنسبة البطالة بينهم زادت خلال عقود إلى ضعف نسبتها بين البيض، كما أن مدخولهم المالي أقل بنسبة الثلث من متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة، ونسبة السود الفقراء أكثر بثلاث مرات من البيض، كما أن الاعتقالات والعقوبات في أوساطهم أكثر منها لدى البيض».

جدير بالذكر هنا، أن حركة «أرواح السود تهم»، حين تدعو إلى إيقاف عنف الشرطة ضد السود، تتحدث عن رغبتها في عقد اجتماعي جديد، أشبه بالعقد الاجتماعي الذي أقامه الرئيس الأمريكي الراحل روزفلت، بناء على النظرية الكينزية، التي تقول بتدخل الدولة في الاقتصاد، بالدرجة التي تمنع الرأسمالية من التوحش.

لماذا لا يتمتع مالكوم إكس بالاحتفاء الذي يتمتع به مارتن لوثر كينج؟

«وصول أوباما للحكم، هو أسوأ ما حدث بالنسبة للأمريكيين، إذ سيحرم انتخابه السود من التكلم عن العنصرية المُمأسسة في المجتمع الأمريكي» -جوزيف مسعد.

قبل حصول السود، على ما سمي بالحقوق المدنية، والتي كان لوثر كينج، من أهم المناضلين الذين طالبوا بها، في ستينيات القرن المنصرم، لم يكن مسموحًا للسود بأن يرتادوا معظم المرافق العامة، كالمطاعم والفنادق والشواطئ ودور السينما والمكتبات، وكانت بعض المنشآت العامة، تعلق لافتات مكتوب عليها: «ممنوع دخول الزنوج والكلاب».

لكن يرى العديد من المحللين أن الحقوق المدنية التي اكتسبها السود، لم تغير حياتهم وأوضاعهم بشكل جذري، حيث كانت الدعوة لها دعوة إصلاحية، أكثر من كونها جذرية، أو مرتبطة بالأعماق الاقتصادية والاجتماعية للأزمة، كما سبق وبينا في الأجزاء السابقة من التقرير، وأنها استُغلت أيضًا من جانب آخر، لتشكيل مظهر براق عن الحالة الحقوقية بالولايات المتحدة، شكلت غطاء للرأسماليين كي يمرروا سياسات قاسية، فيما يخص الجوانب الاقتصادية من القضية.

Untitled.png1

وبشكل عام يرى العديد من المحللين، أن ما حصل عليه السود، جعلهم غير قادرين بعد ذلك على المطالبة الجدية، بإلغاء العنصرية المُمأسسة في المجتمع الأمريكي.

وفي استطلاع أجرته شبكة «CBS»، بمناسبة مرور ما يقرب من 50 عامًا على حركة الحقوق المدنية، عبر 88% من السود المجيبين على الاستطلاع، بأن هناك ممارسات عنصرية مازالت تمارس ضدهم، وهو ما أكده 66% من البيض المستجوبين أيضًا.

وبحسب دارنيل هانت، الباحث في العلوم الاجتماعية، فإن الاضطرابات التي تأتي بعد مقتل رجال سود على يد الشرطة: «ما هي إلا نتيجة لحرمان الأمريكيين الأفارقة من حق المشاركة في تقرير المصير»، حيث يؤكد هانت، أن هذا يبدو كما كان سابقًا في سنوات الأربعينيات، حين نشطت حركة الحقوق المدنية.

حتى فيما يخص سياق النضال النسوي، بحسب ما تذكره المفكرة والكاتبة النسوية الأمريكية، بيل هوكس، فإنه منذ ثمانينيات القرن الماضي، كانت النخبة النسائية البيضاء، في حركة تحرير المرأة أكثر جاذبية لوسائل الإعلام، من النسويات السود وحتى البيض من الطبقة العاملة، واللاتي ساهمن، بحسب هوكس، في تطوير الانتقادات الاجتماعية الأكثر عمقًا في الحركة.

كل ما سبق ذكره، شديد الاتصال مع السؤال الأساسي، «لماذا لم يتمتع مالكوم إكس الراديكالي بالاحتفاء الذي تمتع به مارتن لوثر كينج؟»، وبالإضافة إلى كل ما سبق توضيحه من حيث الإطار العام، فإن الإجابة المحدد نجدها حاضرة عند أستاذ السياسة بجامعة كولومبيا الأمريكية جوزيف مسعد.

يقول جوزيف: «لقد قوبل إصرار مالكوم إكس، على أنه ينبغي على الأمم المتحدة أن تفرض العقوبات على الولايات المتحدة لانتهاكاتها لحقوق الإنسان للمواطنين الأمريكيين من أصل إفريقي بالازدراء، مما أدى في وقت لاحق إلى احتفاء وتقدير رسمي له أقل بكثير مما حازه مارتن لوثر كينغ، الذي كان في نهاية المطاف راضيًا على قصر نضال السود في الولايات المتحدة، على مفهوم الحقوق المدنية».

عرض التعليقات
تحميل المزيد