تقرير حكومي أمريكي صدر مؤخرًا كشف عن فشل ذريع في البرنامج الأمريكي لمكافحة المخدرات في أفغانستان. التقرير يكشف أن الولايات المتحدة الأمريكية أنفقت 7 مليار دولار للقضاء على هذه الزراعة لكن دون جدوى.

ما هي قصة الأفيون؟ وما هي أهميته في أفغانستان؟ ولماذا تحاربه الولايات المتحدة؟

الأفيون

الأفيون عبارة عن مادة مخدرة يتم استخراجها من نبات اسمه الخشخاش. تحتوي مادة الأفيون على عدة مواد ممزوجة ببعضها أشهرها المورفين وهو مادة مسكنة قوية جدًا لكنها تسبب الإدمان عند كثرة الاستخدام.

عند إحداث بعض التفاعلات الكيميائية على المورفين نحصل في النهاية على أحد أقوى أنواع المخدرات على الإطلاق وهو الهيروين.

من ضمن المواد الهامة الأخرى المكونة للأفيون توجد مادة الكوديين وهي مادة تستخدم في الطب لعلاج السعال، ومادة بابافيرين التي تستخدم في علاج المغص الشديد مثل المغص الكلوي، ومادة نوسكابين التي المستخدمة في علاج السعال أيضًا.

مما سبق يتضح زراعة الخشخاس ليست كلها سيئة بل هي مطلوبة كثيرًا لاستخداماته الطبية وبالفعل هناك عدد من الدول تقوم بزراعته بشكل سليم، لكن المشكلة تكمن في زراعة الخشخاش غير القانونية التي دائمًا ما تتم لأغراض صناعة المخدرات وأشهرها الهيروين.

في عام 1980م كان إجمالي إنتاج الأفيون القانوني وغير القانوني حولي 2000 طن. في عام 2002م ارتفع الإنتاج ليصل إلى 5000 طن في الوقت الذي كان يبلغ سعر الكيلوجرام الواحد 300 دولارًا أمريكيًا بالنسبة للمزارع و800 دولار للتاجر و16 ألف دولار للبيع في الشوارع للمستهلكين.


أفغانستان

دولة أفغانستان هي المنتج الأول للأفيون في العالم بنسبة 80% تقريبًا من إجمالي الإنتاج العالمي.

خلال فترة حكم حركة طالبان للبلاد شهد إنتاج الأفيون تراجعًا حادًا بنسبة 94% في السنة الأخيرة من حكم الحركة نتيجة قرار الحركة بمنع زراعته.

بعد الغزو الأمريكي والبريطاني لأفغانستان عادت زراعة الأفيون للانتعاش والازدهار من جديد لتصل مساحة الأراضي المزروعة إلى 740 كيلومتر مربع.

بلغ إنتاج أفغانستان من الأفيون عام 002م حوالي 1278 طن ثم تضاعف هذا الرقم عام 2003م ليتضاعف مرة أخرى عام 2004م ليصل إنتاج أفغانستان من الأفيون ما نسبته 76% من إجمالي الإنتاج العالمي، ويمثل 60% من إجمالي المواد المنتجة من أفغانستان.

في عام 2006م وصل إنتاج أفغانستان إلى 6100 طن، تمثل 82% من إجمالي الإنتاج العالمي طبقًا لإحصائيات الأمم المتحدة. في هذا العام بلغت إجمالي قيمة الهيروين المصنع حوالي 3,5 مليار دولار، تحصل المزارعين على إجمالي 700 مليون دولار منه.

من أجل تحويل الأفيون إلى هيروين يلزم معالجة الأول بمادة كيميائية تسمى (أسيتيك أنهيدريد)، ورغم القيود الدولية على تداول هذه المادة إلا أن المادة يتم تهريبها إلى أفغانستان في اتجاه معامل معالجة المخدرات.

الجديد في الأمر يتعلق بأحدث التقارير حول زراعة وإنتاج الأفيون في أفغانستان لعام 2013م والذي أوضح أن المزارعين هناك قاموا بزراعة 209 ألف هكتار بالأفيون مقابل 193 ألف هكتار عام 2007م.

بلغت قيمة الإنتاج عام 2013م مبلغ 3 مليار دولار.

السبب وراء هذه الزيادة التي ربما تكون قد ارتفعت بالفعل هذا العام نتيجة تدهور الحالة الأمنية يعود إلى حفر آبار مياه جديدة سمحت للمزارعين بزراعة 200 ألف هكتار جديدة في جنوب غرب البلاد خلال آخر 10 سنوات.

خريطة توضح أماكن زراعة الخشخاش

زراعة الأفيون أفضل

أظهر تقييم مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة لمشروع تنمية البدائل التابع للأمم المتحدة بين عامي 1997م و 2000م في ثلاث مناطق من إقليم قندهار، أنه على الرغم من نجاح المشروع في رفع محاصيل المزروعات القانونية كالقمح والكمون والفاصوليا والبصل والفواكه بنسبة 90%، إلا أن هذه التحسينات لم تكن كافية وقادرة على جعل هذه المحاصيل المشروعة أكثر ربحًا من زراعة الخشخاش.

هذا بالإضافة إلى أن عمر محصول الخشخاش أقصر، وحصاده يسبق حصاد القمح، مما يتيح للفلاحين أن يضاعفوا المحاصيل من خلال زراعة الذرة بعد حصاد الخشخاش.

سبب آخر يتمثل في أن الخشخاش يقاوم الأحوال الجوية، مما يجعله محصولًا معتمدًا أكثر من القمح.

وبالنسبة للمزارعين فإن زراعة الأفيون تكون مربحة بنسبة 10 مرات أكثر من زراعة القمح.

والخشخاش أيضا سهل التخزين، والنقل، والبيع، مما يوفّر للمزارعين الفقراء وسيلة سهلة للحصول على دخل سلس.

إنتاج الأفيون في أفغانستان

الحرب الأمريكية على الأفيون

تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بشن حرب شرسة على زراعة الأفيون في أفغانستان.

السبب وراء هذه الحرب الأمريكية يعود إلى خشيتها من أن تستخدم أموال الأفيون في تمويل الإرهاب والفصائل المسلحة داخل البلاد على حد زعمها.

تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة صرفت حوالي 7 مليار دولار من أجل القضاء على هذه الزراعة، لكن جميع المؤشرات تدل على الفشل الذريع لأمريكا.

إقليم “نانغارهار” تم إعلانه عام 2008م إقليمًا خاليًا من الخشخاش من قبل الأمم المتحدة. لكن خلال عامي 2012م و2013م ارتفع فيه إنتاج الخشخاش أربعة أضعاف.

السبب الرئيسي لازدهار هذه الزراعة يعود إلى الفقر المدقع في أفغانستان، وطبقًا لما أعلنه مساعد وزير الدفاع الأمريكي عندما قال: “من وجهة نظري، يعود الفشل لعدم دعم الحكومة الأفغانية لهذه الجهود، الفقر والفساد والإرهاب وارتباطها بتجارة المخدرات، وللافتقار لفرص البدائل المعيشية التي تكفل عائدات موازية أو أعلى لتعويض زراعة الخشخاش، جميعها عوامل مساهمة بمشكلة المخدرات بأفغانستان”، فإن الحل هنا لا بد أن يكون حلًا تنمويًا شاملًا لهذه البلد المنهوبة الخيرات.

في عام 2008م نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرًا يربط بين زيادة زراعة وإنتاج الأفيون في أفغانستان وبين تقويض العملية الديموقراطية في البلاد. والسبب وراء ذلك طبقًا للتقرير هو أن زراعة الأفيون تزود حركة طالبان بالمال والعتاد العسكري. جاء هذا التقرير في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة العمليات العسكرية لحركة طالبان ضد القوات الأجنبية في البلاد وبلغ فيه إنتاج أفغانستان من الأفيون معدلًا قياسيًا بلغ 93% من إجمالي إنتاج الأفيون حول العالم.

الحل

رسم ديباك لال أستاذ التنمية الدولية بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس وكاتب من الهند في تقرير له في مارس 2013م صورة مبسطة لحل فعال لمشلة الأفيون في أفغانستان فقال:

“لا يمكن الانتصار في حرب أفغانستان إلا من خلال تحطيم اقتصاد المخدرات أثناء مواجهة طالبان. وستكون الاستجابة العقلانية بالنسبة إلى وكالات التنمية التابعة للناتو هي استخدام الأموال التي ينفقونها الآن في جهود التنمية الاقتصادية التي يبذلونها في أفغانستان، والتي باءت بالفشل، وكذلك الأموال التي ينفقونها في مكافحة المخدرات لشراء محاصيل الأفيون والخشخاش وغيرهما من أنواع المخدرات من المزارعين والدخول مباشرة في منافسة مع طالبان وكبار تجار سوق المخدرات. كما يمكن إلزام المزارعين بأن يضعوا نسبة العشرة بالمائة من دخلهم المتأتي من زراعة الخشخاش، والتي يقومون الآن بتقديمها إلى طالبان، أن يضعوها في ودائع للتنمية، تدار بأيادٍ محلية، ويكون مقرها محليًا أيضًا، وتستخدم في تجديد البنى التحتية الزراعية المدمرة، والتي يمكن بمرور الزمن أن يرتفع مستوى إنتاجها من المحاصيل الأخرى البديلة بشكل يمكنها من التحوّل نحو المحاصيل غير الممنوعة”.

ويضيف الكاتب “أما الأفيون الذي يُشترى من المزارعين مباشرة، فيمكن أن تستخدمه وكالات التنمية الغربية لتوفير مسكّن المورفين لتسكين الآلام الناجمة عن مختلف الأمراض الفتاكة، بما فيها الإيدز وهذا ما يحدث في العديد من أنحاء العالم، ولا سيما في مناطق جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. ويرى تقرير منظمة الصحة العالمية أن 4,8 مليون شخص في العام، من المصابين بأمراض السرطان على اختلاف درجاته من المعتدل إلى الشديد، لا يحظون بالعلاج الملائم. وكذلك الحال بالنسبة إلى 1,4 مليون مصاب بمرض الإيدز في المراحل الأخيرة من المرض”.

ويختم الكاتب قائلًا: “إن أي فائض من الأفيون يمكن تخزينه للمستقبل ليستخدم للأغراض الطبية، وكذلك للسيطرة على أسواق المهدئات. ولكن مثل هذه الحلول العقلانية لمشكلة طالبان وإلحاق الهزيمة بها، من خلال قبول اقتصاد المخدرات في أفغانستان واستخدامه لأجل النصر بدلًا من المخاطرة بالحرب على الإرهاب، مثل هذه الحلول لا يمكن تحقيقها إلا إذا تخلّت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا عن حربها على المخدرات التي استمرت عقودًا من الزمن”.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد