ينطلق الرئيس الفلسطيني محمود عباس من مبدئه ” إيش نقعد نسوي بدون مفاوضات”، كما قال في إحدى تصريحاته الصحفية تعليقًا على عقد لقاءات متواصلة مع الجانب الأمريكي – الراعي الرسمي للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية – والتي جمعت الطرفين الفلسطيني والأمريكي والتي كانت مكثفة جدًّا.

فمع الإعلان عن استئناف مفاوضات التسوية السلمية في 19 يوليو/ تموز 2013 من قبل وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، بعد توقف استمر ثلاث سنوات، قال كيري إن الهدف الأمريكي هو الوصول إلى اتفاق للوضع النهائي في تسعة أشهر، إلا أن اقتراب التسعة أشهر على الانتهاء دون أن تتحقق الرؤية الأمريكية قلص الآن الطموحات الأمريكية إلى محاولة صوغ إطار عمل للمفاوضات غير ملزم بحلول موعد انتهاء تلك المهلة.

ويسجل الآن على الموقف الأمريكي من عملية المفاوضات أنه أصبح يقترب من المواقف الأكثر يمينيّة في إسرائيل، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الاعتراف بالدولة اليهوديّة والقدس والاستيطان واللاجئين، واستمرار وجود القوات الإسرائيليّة على الحدود والمعابر؛ حيث يُعدُّ من بين أبرز العقبات التي تواجه المفاوضات مطلب نتنياهو أن يعترف عباس بإسرائيل دولة يهودية، ومنها كذلك إعلان إسرائيل أنها لن تعود إلى حدود عام 1967.

عباس وأوباما ونتنياهو في إحدى الجولات


 

لماذا الأمريكان؟!

يبرز الدور الأمريكي في المفاوضات مع تمكين العرب والأوروبيين وغالبيّة مناصري القضيّة الفلسطينيّة من التنصل، بحجة أن القيادة الفلسطينيّة وضعت كل بيضها في السلة الأمريكيّة، وتمترست وراء القرار الفلسطيني المستقل ذاهبة فيه إلى حد إعفاء العرب من مسئولياتهم، ولم تستخدم العامل الدولي والمزايا السياسيّة والقانونيّة والأخلاقيّة التي يتيحها لها القانون الدولي وعشرات القرارات المناصرة للقضيّة الفلسطينيّة.

وينادي بعض الفلسطينيين بتمديد المفاوضات رغم فشلها بحجة أن الرفض سيحمّل الفلسطينيين مسئوليّة فشل الجهود الأمريكيّة في ظل وضع عربي أقل ما يقال عنه إنه غير مناسب للفلسطينيين، وهذا سيفتح الباب لقطع المساعدات الأمريكيّة، وربما إلى إغلاق مكتب المنظمة في واشنطن، وإخراج المنظمة من دائرة اللاعبين السياسيين في المنطقة، وربما سيؤدي إلى وقف أو تقليل مساعدات أوروبيّة ودوليّة أخرى؛ وهو ما سيفتح الباب لمزيد من انقسام الفلسطيني، كما يقول المحلل الفلسطيني د. هاني المصري، وسيفتح الباب أيضًا لانسحاب الإدارة الأمريكيّة من المساعي المبذولة لحل الصراع وإطلاق يد إسرائيل ضد الفلسطينيين ووقف تحويل العائدات الجمركيّة للسلطة.

نتنياهو مع أوباما



عباس مع أوباما

أهم اللقاءات التي جمعت الرئيس عباس بمسئول أمريكي كانت أول أمس؛ حيث التقى بالرئيس الأمريكي أوباما لبحث آخر المستجدات في عملية التفاوض، ورغم أن أوباما عرض على الرئيس عباس أفكارًا متعددة لإنقاذ محادثات السلام كما قيل، إلا أنهما لم يقدما أي جديد من اقتراحات يمكن أن تساهم في “حلحلة” بعض النقاط الخلافية بين الفلسطينيين والإسرائيليين في اتفاق الإطار الأمريكي، قبيل شهر ونصف من انتهاء مهلة المفاوضات.

وسجل الصحفيون في هذا اللقاء قول أوباما عن المفاوضات إنها “أمر صعب جدًّا وينطوي على تحديات كبرى، يجب اتخاذ قرارات صعبة والقيام بمجازفات إذا أردنا إحراز تقدم”، لكن أوباما الذي أشاد بعباس باعتباره مسئولاً “نبذ على الدوام العنف وسعى باستمرار إلى حل دبلوماسي وسلمي يتيح الوصول إلى دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب بسلام وآمن” خيب آمال عباس الذي توقع عرض اتفاق إطار في هذا اللقاء؛ حيث يحدد اتفاق الإطار المفترض الخطوط العريضة للتسوية السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والذي يتفاوض عليه وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، مع الطرفين لإقناعهما بمواصلة المفاوضات بعد 29 أبريل/ نيسان المقبل، الموعد المحدد أصلاً لانتهاء العملية التفاوضية، وكان من المتوقع أن يتسلم الجانب الفلسطيني صيغة مكتوبة رسمية لاتفاق الإطار الذي يفترض أن يكون وزير الخارجية الأمريكي أعده لتقديمه للفلسطينيين والإسرائيليين، وهذا ما لم يحدث!!

ويقول الكاتب الفلسطيني، هاني عوكل، إن ما جرى في واشنطن مجرد طرح أفكار ومحاولة لفهم ما في جعبة الطرف الفلسطيني، وإلى اللحظة لم يقدم أوباما ما يسمى باتفاق الإطار الذي عكف جون كيري على إعداده منذ فترة، وعلى الأرجح أن الأمريكان يحاولون استثمار ما تبقى من الوقت لإيجاد أرضية مشتركة يمكن أن تؤهلهم لتمديد المفاوضات.

الرئيس الفلسطيني مع الرئيس الأميركي


 

كيري مع عباس

مباشرة بعد لقاء أوباما بعباس، التقى الأخير بوزير الخارجية الأمريكي كيري لتبادل الآراء وتقديم أفكار بشأن احتمالات تحريك المفاوضات، وحث كيري في لقائه جانبي التفاوض على اتخاذ قرارات صعبة لكسر الجمود، وطالب كيري في هذا اللقاء عباس على “اتخاذ القرارات الصعبة التي ستكون ضرورية” قبل الموعد النهائي للتوصل لاتفاقية سلام مع إسرائيل.

وبات الموقف الأمريكي مكررًا في هذا اللقاء كما اللقاءات الأخرى، والجديد هو أن واشنطن تبدو أكثر ميلاً نحو تمديد مهلة المفاوضات، من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، اللذين يتبادلان الاتهامات، مما ينبئ بتدهور المحادثات أكثر مما يشير إلى التمهيد لتسويات في المستقبل.

فكل ما يحاول كيري فعله هو الضغط على الطرف الفلسطيني لمعرفة أقصى ما يمكن أن يقدمه، وإيجاد الطرق المناسبة لاستكمال المفاوضات وتمديدها، وفي حال تمكن الأمريكيون من الضغط على الطرفين لتمديد المفاوضات فعلى الأرجح أنهم أي الأمريكان لن يفلحوا في جمع الفلسطينيين والإسرائيليين على سلام يلبي جميع رغباتهم.

عباس مع كيري في لقاء تفاوضي



أسوأ اللقاءات

ووُصِف لقاء عُقِدَ في السادس والعشرين من فبراير الماضي بأنه “الأسوأ” بين عباس ومسئول أمريكي هو كيري، فقد اضطر عباس لترك محادثات استمرت يومين في باريس بسبب غضبه من مقترحات كيري لاتفاق إطار بين إسرائيل والفلسطينيين؛ حيث اقترح كيري على عباس بناء عاصمة فلسطينية في حي بيت حنينا، وليس في شرقي القدس بأكملها، كما طلب الفلسطينيون.

واقترح كيري أيضًا أن تحافظ إسرائيل على 10 كتل استيطانية كجزء من تبادل أراضي، كما طلب كيري من الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل كوطن للشعب اليهودي، وهنا لم يجد عباس بدًّا من وصف مقترحات كيري بـ”المجنونة” وهدد بـ”قلب الطاولة” والتراجع عن المرونة التي أظهرها لتسهيل الجهود التي تقودها الولايات المتحدة.

وكان لقاء آخر لكيري مع عباس قد عُقِد في 2013/12/11 وصف بأنه “أسوأ من سيئ”، قدم فيها كيري أفكار تمثل تراجعًا كاملاً عن الأفكار التي قدمها المبعوث الأمني الأمريكي السابق جيم جونز وخاصة فيما يتعلق بمنطقة الأغوار، ومنها المطالبة بـ”وجود إسرائيلي في غور الأردن لمدة 10 سنوات يتم خلالها تأهيل قوات أمنية فلسطينية لتولي المسئولية في المنطقة”.

كيري في نهاية جولة تفاوضية لرام الله



الوصول للخطوط الحمراء

في الثالث من يناير الماضي، كانت الزيارة العاشرة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري للأراضي الفلسطينية، وجاءت بهدف إعطاء دفعة لمفاوضات التسوية؛ وتقليص الفجوات في المواقف المتعلقة باتفاق الإطار المقترح الذي سيحدد الخطوط العريضة للمفاوضات الخاصة بالوضع النهائي، وكان الجانب الفلسطيني لا يملك المزيد ليقدمه، كونه وصل إلى “الخطوط الحمراء” والتي لا مجال للتلاعب بها إطلاقًا، على عكس الجانب الإسرائيلي الذي يمتلك الكثير ليقدمه من أجل الوصول إلى اتفاق إطار يضمن عدم المساس بحقوق الشعب الفلسطيني.

وجاءت هذه الزيارة في محاولة أمريكية لتقريب وجهات النظر باتجاه اتفاق يتضمن القضايا الأساسية والنهائية، إلا أنه في ظل استمرار التعنت الإسرائيلي لم يتوقع لمحاولات كيري النجاح في هذه الجولة كما غيرها.

كيري مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي



عرض التعليقات
تحميل المزيد