أساليب ثلاثة:

كيف يمكن للإدارة العسكرية الأمريكية الرد على التوسع الرأسي و الأفقي للتنظيمات الجهادية حول العالم عموما وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصا؟

كان الرد بأن على أمريكا مواجهة الازدياد المطرد في أعداد التنظيمات الجهادية بالتزامن مع خفض أعداد القوات العاملة في أفغانستان، هذا يتفق مع الإستراتيجية المستقبلية طويلة الأمد التي أعلنها البنتاجون في تقريره الذي يصدر كل 4 سنوات، بضرورة إعادة تمركز الثقل العسكري الأمريكي تجاه منطقة المحيط الهادي في آسيا والتي تتجه لتصبح أكبر مركز للتجارة و السياسة في العالم، والتي ستشهد تنافسا لابد منه بين أمريكا وبين الدول الصاعدة هناك.

هذا التوجه ربما قد يحمل قدرا من التجاهل للخطر القادم من الشرق الأوسط على المدى القريب، حيث تنشط التنظيمات المسلحة ذات النمط الجهادي، مستفيدة من تطورات الربيع العربي وانحسار أو فشل الدعوات السلمية في العديد من دول الربيع العربي بعد أن جوبهت تلك الدعوات السلمية بالآلات العسكرية، لهذا جاء تقريرمؤسسة راند الأخير مقترحا على الإدارة الأمريكية ثلاثة أساليب للتعامل مع هذا الخطر دون اللجوء لعمليات موسعة كبيرة كتلك في أفغانستان2001 أو العراق 2003 تجنبا لمزيد من النفقات العسكرية التي لم تعد متوفرة للبنتاجون كتلك التي كانت متوفرة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

أولى هذه الإستراتيجيات هي إستراتيجية “الاشتباك”تستند على محورين حيث المحور الأول: قيام قوات أمريكية خاصة بضرب القواعد المالية واللوجيستية و السياسية لهذه التنظيمات الجهادية وتجفيف منابع وشبكات الإمدادات سواء كان هذا بعمليات برية خاصة أو بعمليات جوية باستخدام الطائرات بدون طيار أو الطائرات المقاتلة، والمحور الآخر يقوم على إقامة جيش محلي قوي مؤيد للنفوذ الأمريكي ليقوم من بعد ذلك باستكمال الحرب ضد هذه التنظيمات.

أغلب عمليات اصطياد القيادات الجهادية تم باستخدام عمليات خاصة اتسمت بالطابع المخابراتي كالقبض على “خالد شيخ محمد” في باكستان 2003، و اغتيال “أبي مصعب الزرقاوي” في العراق 2006 و “أسامة بن لادن” 2011 و “أنور العولقي” في اليمن 2011 و اختطاف “أبي أنس الليبي” من ليبيا 2013 وغيرهم من القيادات التنظيمية للقاعدة والتنظيمات الجهادية عموما.

ثاني هذه الإستراتيجيات هي إستراتيجية “التنسيق” حيث تقوم الولايات المتحدة بدعم الحكومات المحلية بالمستشارين العسكريين و التمويل و المعلومات في سبيل محاربة التنظيمات الجهادية التي على أراضيها أو أراض مجاورة. ربما قد تظهر هذه الإستراتيجية بأنها غير مكلفة مقارنة بالإستراتيجية الأولى، إلا أنه من ضمن عيوبها هو اعتماد أمريكا الكامل على الحكومات المحلية التي هي بطبيعة الحال متغيرة، سواء كان هذا التغير في أهداف الحكومة المحلية، كحكومة باكستان التي نقلت اهتمامها من تعقب قيادات القاعدة، لمقاتلة “طالبان باكستان”، أو كان هذا التغير في هيكل تلك الحكومات ذاتها كالتغير الذي حدث في مصر وليبيا عقب ثورتي25يناير و 11 فبراير حيث تمت إزالة النظامين المصري والليبي الذين كانا صماميْ أمان الإدارة الأمريكية ضد التنظيمات الجهادية في الشمال الأفريقي.

الإستراتيجية الثالثة “تحقيق التوازن دون التدخل” هذه الإستراتيجية هي ما اتبعتها أمريكا في السيطرة على الخليج العربي في الفترة بين الحرب العالمية الثانية و حرب الخليج 1990، حيث تقوم بالأساس بالاعتماد المتكامل على الحكومات المحلية القوية، تبرز هذه الإستراتيجية عندما يكون هناك حكومات قوية في المنطقة.

السمة المميزة للإستراتيجيات الثلاث، هي التأكيد على عدم الزج بأعداد كبيرة من القوات الأمريكية ذات النمط التقليدي، حيث أثبتت شواهد التاريخ أن إدخال أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين في مواجهة التنظيمات الجهادية خصوصا يخدم أهداف هذه التنظيمات، فعلى سبيل المثال في غزو العراق 2003 تسببت الأعداد الكبيرة

للجنود الأمريكيين في شوارع العراق لإثارة الحمية الجهادية لدى مختلف المسلمين في أنحاء العالم عموما والعراق خصوصا، مما سهل على المقاومة العراقية بشقيها الجهادي و القومي آنذاك تجنيد المزيد من المؤيدين والاستفادة من الحاضنة الشعبية الكارهة للاحتلال في تنمية قدراتها القتالية، تجلى ذلك في ولاية الأنبار ذات الأغلبية السنية حيث تعدى عدد الهجمات ضد قوات التحالف 50 هجومًا في اليوم الواحد أثناء انتفاضة الأنبار ضد الاحتلال الأمريكي في منتصف أغسطس 2006، مما دعى تقريرًا استخباراتيًا أمريكيًا للقول بأن أي زيادة في أعداد القوات العاملة في الأنبار سيؤدي فقط لزيادة أعداد الوفيات وفرص الاختطاف لجنود التحالف.

كما أن العامل الرئيسي في تحديد أي من هذه الإستراتيجيات الثلاث هو مقدار توفر حكومات محلية قوية حلفية في المنطقة المراد التدخل فيها، فعلى مقدار قوة الحكومة المحلية سيقل التدخل الأمريكي العسكري.

“ولكني أريد للشعب الأمريكي أن يعي كيف أن هذه الحملة ستكون مختلفة عن مثيلاتها في أفغانستان أو العراق, حيث أن هذه العمليات لن يتم فيها استدعاء جنود أمريكيين يقاتلون على أراضٍ غير أمريكية– 10/9/2014

من خطاب أوباما للشعب الأمريكي عن الضربات في العراق وسوريا.

تعتمد الإستراتيجية التي أعلن عنها أوباما في عشية الذكرى الثالثة عشرة لأحداث9/11 على أربعة محاور:

  1. ستقوم أمريكا بتنسيق ضربات جوية موسعة ضد تنظيم الدولة الإسلامية على الأراضي العراقية والسورية معا، وكما أوضح مسئولون فيما بعد أن هذه الحملة قد تستمر لسنوات.
  2. طلب أوباما من الكونجرس الموافقة على نصف مليار دولار لتجهيز و تدريب بعض قوات المعارضة السورية “المعتدلة”.
  3. سيتم إرسال 400+ مستشار أمريكي للعمل على دعم القوات العراقية في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
  4. سيتم التنسيق مع العديد من الشركاء والحلفاء في المنطقة.


من إسلام آباد لصنعاء إلى مقديشيو:

تقترب الإستراتيجية الأمريكية المعلنة لتلك الإستراتيجيات التي اتبعتها أمريكا في عملياتها في باكستان في منطقة القبائل الحدودية و في اليمن ضد “تنظيم القاعدة في الخليج العربي” و في الصومال ضد “تنظيم شباب المجاهدين”

إسلام آباد:

عقب احتلال القوات الأمريكية لأفغانستان 2001، اضطرت قيادات طالبان و تنظيم القاعدة لإعادة الانتشار في أماكن أخرى، و التمدد في مناطق أخرى.

كان من ضمن تلك المناطق هي منطقة القبائل في شمال غرب باكستان على الحدود الأفغانية-الباكستانية.

في 2004 أعلن ما عرف إعلاميا حينها ب”حرب الطائرات بدون طيار” “Drone War” في منطقة القبائل الباكستانية، بدأت تلك الحرب في عهد جورج بوش الابن و استمرت واستعرت خلال عهد باراك أوباما حيث وصلت تلك الهجمات لذروتها بعد 6 سنوات من بدايتها في 2010. كانت إستراتيجية تلك الضربة هو القضاء السريع على قيادات القاعدة الهاربة في مناطق القبائل بمعدل أسرع من معدل محاولة إنشاء قيادات ميدانية جديدة، بحيث يصل التنظيم لمرحلة فراغ قيادي لا يستطيع عندها الاستمرار في العمليات القتالية/النوعية.

إحصائية بمعدل ضربات الطائرات بدون طيار في باكستان

اتسمت هذه الضربات بارتفاع معدل القتل و الإصابة بين المدنيين الباكستانيين خصوصا الأطفال، حيث أن كل ذكر في عمر يسمح له بحمل السلاح متواجد في منطقة طيران الطائرات بدون طيار كان يتم اعتباره من ضمن المقاتلين المشروع استهدافهم.

وعلى غير المتوقع تسببت تلك الضربات لقيادات القاعدة ولقيادات طالبان باكستان في منطقة القبائل، بصداع مزمن للحكومة الباكستانية حيث أن طالبان باكستان لم تجد من تستطيع أن ترد عليه غير قوات الحكومة الباكستانية التي كانت تؤيد تلك الضربات في بدايتها، كما تسببت هذه الضربات التي كانت تقوم بها أمريكا منفردة دون التنسيق مع حكومة باكستان إلى تعطيل المفاوضات بين حكومة باكستان و مقاتلي طالبان باكستان مما دعا “نواز شريف” لمطالبة أمريكا بوقف تلك الهجمات التي تتسبب بمزيد من “الإرهاب” ضد حكومة باكستان المركزية، كما تزيد من السخط الشعبي كرد فعل لتزايد معدل الإصابات بين المدنيين.

صنعاء:

في 2009 تم الإعلان عن اندماج الفرعين اليمني و السعودي -بعد الحملة الشرسة التي خاضتها السعودية ضد تنظيم القاعدة على أراضيها- لتنظيم القاعدة لتشكيل ما يسمى ب “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” بدا هذا التنظيم هو الأشرس من بين فروع تنظيم القاعدة حول العالم حيث عُرف هذا الفرع بعملياته المباشرة تجاه الأهداف الأمريكية كعملية المدمرة USS Cole في أكتوبر 2000 وغيرها من محاولات تفجير الطائرات الأمريكية.

ما إن تم هذا الاندماج حتى بدأت المقاتلات الأمريكية في قصفها لأماكن التنظيم، بالتنسيق مع الجيش اليمني المحلي للقيام بعمليات تمشيط في أماكن تمركز التنظيم.

أثناء ثورة اليمن 2011 وأثناء معركة “زنجبار” بين قوات الرئيس اليمني حينها “علي صالح” وبين قوات من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، تمخض عنها تنظيم جديد عرف ب”أنصار الشريعة”.

التحول العملياتي البارز في مسيرة “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” هو تحوله من مجرد تنظيم له خلايا يقوم ببعض العمليات النوعية مثل ضرب مدمرة أو تفجير طائرة أو ضرب تمركز للجيش اليمني، لتنظيم ميداني يسعى للسيطرة على الأرض وإعلان حكم الشريعة، فيما يظهر بأنه محاولة لتأسيس إمارة إسلامية خصوصا في جنوب اليمن و محاولة التنظيم تسويق نفسه على أنه مشروع مسلح مضاد للمشروع الحوثي المسلح أيضا، خصوصا بعد فشل الحركات الإسلامية الديموقراطية كـ”التجميع اليمني للإصلاح” المحسوب على الإخوان المسلمين في مواجهة المشروع الحوثي المسلح.

إحصائية بمعدل ضربات الطائرات بدون طيار في اليمن

مقديشيو:

في 2006 وبعد سيطرة تنظيم “اتحاد المحاكم الإسلامية” على مقديشيو، قامت الحكومة الانتقالية الصومالية مدعومة بالجيش الأثيوبي والضربات الأمريكية بدحر قوات “المحاكم” وإعادة السيطرة على جنوب الصومال ومقديشيو و تشتيت القوة العسكرية لتنظيم “اتحاد المحاكم”

تزامن ذلك السقوط لاتحاد المحاكم ، تصاعد لقوى أكثر تشددا من داخلها، جاء ذاك التصاعد من منظمة مستقلة بداخل الاتحاد سميت حينها بحزب الشباب، تطورت فيما بعد السقوط الكامل للمحاكم الإسلامية ل”حركة الشباب المجاهدين”

قامت “حركة الشباب المجاهدين” باستقطاب الكثير من المقاتلين الأجانب ذوي الخبرة القتالية، وكونت الكثير من شبكات الإمداد في الجنوب الصومالي والدول المحيطة بها، وأنشأت شبكات تواصل مع “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” و “تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي”.

في 2009 تنامت قدرات “الشباب” وسيطرت على أجزاء واسعة من الجنوب و الوسط الصومالي، مما دفع العديد من الدول الأفريقية لتكوين تحالف و الدخول في حرب مفتوحة مع “الشباب”، وكللت هذه الجهود بنجاح هذا التحالف في 2011 في دحر التنظيم من أبرز مناطق نفوذه في الجنوب الصومالي، ولكن بالرغم من هذا الانتصار إلا أن “الشباب” أبدوا ديناميكية عالية وتحولوا لحروب عصابات الهدف منها هو استنزاف قوات التحالف الأفريقي و الحفاظ على وجودهم.

انحسر الدور الأمريكي في توفير الشرعية الدولية للتحالف الأفريقي العسكري من خلال الأمم المتحدة، ومن خلال القيام بعمليات اصطياد لقيادات حركة “الشباب”.

يتبين من الممارسات الثلاث السابقة للإستراتيجية الأمريكية في “الحرب على الإرهاب”، أنه في بعض الحالات كانت تلك الإستراتيجية تتعارض مع أهداف الحكومات المحلية وتسببت في بعض الأحيان في ازدياد السخط الشعبي كالحالة الباكستانية، أو في إجبار التنظيمات الجهادية على التصرف بشكل معين كالانتقال من حالة التنظيم المنغلق على نفسه لحاله التنظيم الجماهيري كالحالة اليمنية، أو إجبار التنظيمات الجهادية على الانتقال لنمط حروب العصابات كما في حالة “الشباب المجاهدين” مما ساهم في تعقيد الوضع أكثر في الحالات الثلاث.

لذا، هل الخلل الظاهر لنا سببه الإستراتيجية نفسها أم سببه الأداء العسكري الأمريكي وعجزه عن تطبيق تلك الإستراتيجيات؟


فرنسا في مالي (Operation Serval)

تسبب تدفق الأسلحة الذي حدث بعد الثورة الليبية، في تقوية و إعادة تنظيمات عديدة في منطقة شمال مالي من بينها عدة تنظيمات إسلامية، التي اندفعت في السيطرة على شمال مالي. في أكتوبر 2012 أعلنت حكومة مالي أنها فقدت السيطرة بالكلية على شمال مالي، وأن “باماكو” العاصمة صارت في خطر الوقوع بيد التنظيمات الإسلامية.

جاءت الاستجابة سريعة هذه المرة، تم قولبة هذه الاستجابة بالقرار 2085 لمجلس الأمن والذي نص على تشكيل تحالف أفريقي مدعوم دوليا، يقوم بضرب هذه التنظيمات الإسلامية بريا ويساهم الجيش الفرنسي بالدعم الجوي والبري و المخابراتي.

عند الإعلان عن الانتهاء من العمليات الحربية في يوليو 2014 كانت القوات الفرنسية-الأفريقية قد استعادت كل الأراضي في شمال مالي، بل استطاعت القوات الفرنسية ضرب مراكز القوة لدى تلك التنظيمات مما يمنعهم من تمثيل خطر كالذي كانوا يمثلونه من قبل.

بالرغم من أن العقبات التي واجهتها فرنسا في عمليتها في مالي بالتأكيد أقل من العقبات التي تواجهها أمريكا في العراق و سوريا، إلا أن فرنسا قامت بنموذج مصغر ناجح لما تريد أمريكا أن تفعله، مما قد يجبر الأمريكان على الاستفادة من العبر و الدروس الفرنسية في مالي.

أولى هذه الدروس: أنه يمكن للقوات النظامية المجهزة تجهيزًا تكنولوجيًا حديثًا نسبيًا، أن تقضي بأريحية شديدة على التنظيمات المسلحة التي تريد أن تقاتل وتتحرك كقوات نظامية، ففي الأيام الأولى للعمليات العسكرية، استطاع الجيش الفرنسي تدمير شبكات و مناطق الإمداد لتلك التنظيمات والتي استغرق بناؤها عدة سنوات.

أما الدرس الثاني: بالرغم من الهجمات الجوية الشرسة التي شنها الجيش الفرنسي على معسكرات التدريب، و أماكن تخزين الذخيرة، و الشبكات اللوجيستية وبالرغم أيضا من عمليات القوات الخاصة التي كانت تتم خلف خطوط العدو بهدف زعزعة استقراره وشل تحركاته و إزعاجه، إلا أن للقوات البرية التقليدية عاملا كبيرًا في الحسم العسكري. ففي خلال أيام من بدء العمليات الجوية، تقدمت القوات البرية من العاصمة “باماكو” تجاه شمال مالي للقضاء على أي مقاتلين إسلاميين مازالوا موجودين ولم ينسحبوا، كان لذلك التحرك كبير الأثر، حيث منع ذلك التحرك محاولة نقل الحرب لحرب عصابات فكان من مهام القوات البرية عند دخولهم أي قرية هو تتبع وتعقب أي من المقاتلين الإسلاميين خوفا من اندساسهم داخل المدنيين وتحريضهم مجددا بالقيام بتمرد مسلح. وكان لأن تكون طليعة هذه القوات البرية أغلبها من الأفارقة أو من الجيش المالي ، كبير الأثر في عدم شعور السكان المحليين بأن هذه القوات هي قوات استعمارية أو قوات احتلال.

أما الدرس الثالث فكان هو التزام فرنسا طويل الأمد بالتواجد في شمال مالي خصوصا، ومنطقة الساحل الأفريقي عموما، فمثلا في عملية “احتلال العراق” في 2003 وقبل معركة بغداد انهارت أغلب وحدات الجيش العراقي المتبقية، وظن الأمريكان حينها أن هذا الانهيار يعني تفكك هذه القوات تماما، ولكن هذا الانهيار كان بداية إعادة دمج للكثير من القيادات العسكرية بين الشعب العراقي، فكثير من ضباط البعث و الخبراء العسكريين في الجيش العراقي كانوا جزءًا معتبرًا من نواة المقاومة العراقية فيما بعد، وتكرر مثل هذا الأمر من قبل في حرب “احتلال أفغانستان” 2001 حيث انهارت حكومة طالبان المركزية، ولكن كان هذا الانهيار هو ببساطة عملية “صهر” بين منتسبي حركة طالبان وبقية الشعب الأفغانستاني، حيث اندلعت فيما بعد المعارك بين قوات التحالف و حركة طالبان من جديد.

أدركت فرنسا أن تدخلها السريع وتحقيق النصر عن طريقه بالتأكيد سيعمل على انهيار التنظيمات الإسلامية هناك، ولكن هذا الانهيار سيكون فقط مرحلة انتقالية، حيث لهذه التنظيمات شبكات تمتد في جنوب ليبيا وتخترق الجزائر لغرب النيجر، وتستطيع الانتشار أيضا في العديد من دول وسط غرب أفريقيا، مما بالتأكيد سيمنحها القدرة على إعادة تنظيم صفوفها والاستفادة من أخطائها وإعادة الهجمة مرة أخرى.

ولمنع تكرار هذا السيناريو، أعلنت فرنسا عن عملية عسكرية جديدة (Operation Barkhane) تمتد “لسنوات” سيتم فيها مواجهة بقايا هذه التنظيمات بعمليات استخباراتية و بقوات مدربة على خوض حروب العصابات.


العقبات الأمريكية:

بالرغم من اختلاف هذه الحملة الأمريكية في العراق وسوريا عن الحملات التي خاضتها أمريكا من قبل في باكستان و اليمن والصومال أو التي خاضتها فرنسا في مالي، إلا أنها ستخضع لنفس الظروف التي خضعت لها تلك الحملات، و استخلاص العبر و الدروس من تلك الحملات سيقودنا لتحديد الموقف الأمريكي في هذه الحملة.

التردد الأمريكي في التعامل مع الملف السوري خصوصا من بعد “عسكرة” الثورة السورية في 2011 تجلت آثاره في بداية توجيه الضربات لتنظيم “الدولة”، فهل هدف الضربات فقط هو دحر قوات التنظيم عن “أربيل” المدينة ذات البعد الإستراتيجي؟ أم الحد من قدرات تنظيم الدولة عموما؟ أم الحد والقضاء على أغلب الجماعات المسلحة ذات النمط الجهادي في سوريا؟

تختلف الإستراتيجية الأمريكية عن الإستراتيجية الفرنسية في مالي، ففرنسا ذهبت أولا لمجلس الأمن لتحصل على غطاء دولي، ثم اتفقت مع الحلفاء الأفارقة المحليين ووضعت خطتين واحدة قصيرة الأمد و أخرى طويلة الأمد، وبدأت تدفع بقواتها على الأرض ولم ترهب أرقام الخسائر غرف العمليات عن اتخاذ قرارات بزيادة أعداد القوات الفرنسية ، على عكس أمريكا التي أجبرت على (1) التحرك السريع ضد قوات تنظيم “الدولة الإسلامية” ولم توضع إستراتيجية محددة للعمل عليها في ظل النقص الهائل في المعلومات فالقدرات الاستخباراتية الميدانية للأمريكان ضعيفة إلى حد ما، مما حدا لوضع أغلب تحركات أمريكا في خانة رد الفعل، (2)عدم توفر حلفاء محليين في المنطقة وفي ظل ذلك يتملك الخوف صانعي القرار خوفا من تكرار سيناريو المستنقع الأفغاني/العراقي/الفيتنامي، (3) مع شبه انعدام للرؤية في مرحلة ما بعد الحملة الأمريكية.

1- بدأت الضربات الجوية الأمريكية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” عندما حاولت قوات الأخيرة التقدم تجاه “أربيل” مع عجز قوات “البشمركة” عن التصدي لزحف قوات التنظيم. مع الوقت اكتشفت أمريكا أن هذه الضربات لا تؤثر في صلب التنظيم، بسبب أن التنظيم نقل عقر داره لسوريا خصوصا في الشمال بالتحديد في محافظة الرقة السورية، والتي اتخذها التنظيم مقرًا له في الحكم والتي تحتوي أيضا على العديد من آبار البترول التي تدر ملايين الدولارات على التنظيم يوميا.

سيظل التحرك الأمريكي يقع في خانة رد الفعل، فأمريكا الآن تحاول انتهاز أي فرصة أو خلق فرصة لانتهازها في محاولة خلق طرف حليف على الأرض، يتضح ذلك من الدور الأمريكي في معارك “كوباني” بين قوات الحماية الكردية و تنظيم “الدولة الإسلامية” ومحاولة ربط مجهودات الجبهة الكردية السورية بالجبهة الكردية العراقية من خلال ربط المجهود الحربي للبشمركة العراقية مع قوات حزب العمال الكردستاني وقوات الحماية الكردية في ظل تعنت الحكومة التركية في التدخل العسكري حسب الشروط الأمريكية.

2- الحالة الفرنسية في مالي إذا ما قورنت بالحالة الأمريكية في العراق والشام ستتضح العديد من العقبات التي تواجه الأمريكان وتعيقهم فعليا عن إعادة تطبيق السيناريو الفرنسي فمثلا لا يتوفر لأمريكا الحلفاء المحليون الذين كانوا متوفرين في الحملة الفرنسية في مالي. فالجيش العراقي -الأمريكي تدريبا وتسليحا- قد فرت منه فرق كاملة أثناء المعارك مع تنظيم “الدولة الإسلامية” تاركا خلفه سلاحه ودباباته، والقوة الفاعلة في المنطقة “إيران” بالتأكيد سيكون هناك ثمن باهظ لتعاونهم هم ومليشياتهم، وبالطبع سيطمعون في مزيد من النفوذ في المنطقة وهذه إستراتيجية أثبتت فشلها بعد إطلاق يد إيران في المنطقة بعد غزو العراق 2003. لذا بدأت أمريكا حملتها منفردة دون حليف محلي سوى اجتماعات مع العديد من الدول العربية والتي التزمت بتقديم دعم مخابراتي و مالي في بعض الأحيان. الحلفاء المحليون والقوة البرية الذين هم كانوا عماد الحملة الفرنسية في القضاء على التنظيمات الإسلامية البدائية -إذا ما قورنت بقدرات تنظيم الدولة- ليسوا متوفرين لأمريكا، فلا أوباما يستطيع أن يطلب من الكونجرس 25 ألف جندي أمريكي من أجل التدخل في منطقة لم يمضِ على انسحابه منها 3 سنوات، ولا يستطيع أن يستخلص طرف حليف له من ضمن عشرات الأطراف المتصارعة في سوريا على الخصوص.

3- كان لفرنسا رؤية في مرحلة ما بعد الحملة في مالي، حيث سحب سريع لعماد القوة البرية الفرنسية لمنع التحول لحرب عصابات و زيادة الخسائر، ثم البدء في عمليةٍ هدفها تصفية القيادات الميدانية التي لم تستطع قتلهم في العملية العسكرية الموسعة الأولى.

أما في حالة أمريكا، فليس هناك أي رؤية -على الأقل حتى الآن- لمرحلة “ما بعد القضاء على التنظيمات ذات النمط الجهادي في العراق وسوريا” فهذه التنظيمات تحتوى على أعداد كبيرة من الخبرات والقيادات والمقاتلين الأجانب الذين يستطيعون بسهولة إعادة الانتشار في أي دولة وسيطة أخرى لإعادة تشكيل نفس الخطر، أو ببساطة أن يرجع كل فرد لأماكن النزاعات في وطنه حاملا معه أفكاره و معتقداته وخبراته لينفذها على أرضه مثلما حدث بعد الاجتياح الأمريكي لأفغانستان.

ربما كان لدى أمريكا -كالمعتاد- رفاهية اختيار موعد بدء العمليات العسكرية، ولكنها الآن ليس لديها تلك الرفاهية المتمثلة في التحكم في تطورات المعركة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد