«هل يمكننا -فقط- أن نعيش سويًا في سلام؟!»، سؤال طرحه مواطن إفرو-أمريكي في أحد التسجيلات الوثائقية لأحداث الشغب والعنف التي وقعت في ولاية لوس أنجلوس عام 1992، عقب تبرئة ضباط شرطة أمريكيين قاموا بتعذيب بعض المواطنين السود في السجون، ويرد المسلسل التلفزيوني «قصة جريمة أمريكية» عن هذا التساؤل من خلال سرد درامي مُطعم بأحداث موثقة تلفزيونيًّا لواحدة من أشهر القضايا الجنائية الأمريكية، إذ أطلق عليها محاكمة القرن، بعد أحداث الشغب بعامين فقط، لتخبرنا أحداث المسلسل بإجابة واضحة عن السؤال المطروح: «كلا.. سيكون من الصعب العيش سويًا بسلام».

أقرأ أيضًا: أحداث الشغب نتيجة عنصرية الشرطة الأمريكية

الموسم الأول من مسلسل «قصة جريمة أمريكية»، الذي أنتج العام الماضي، تدور أحداثه حول قضية قتل كان المتهم فيها «أو جي سمبسون» لاعب كرة أمريكية وممثل من أصحاب البشرة السوداء؛ إذ تم اتهامه بقتل زوجته السابقة وصديقها بطريقة وحشية، عن طريق طعنات متعددة للاثنين، وإلقاء جثتيهما في المدخل الأمامي لمنزل نيكول، زوجته السابقة.

لاعب كرة القدم أو جي سيمبسون في إحدى جلسات القضية بالمحكمة

تم توجيه التهم لـ«أو جي»؛ وفقًا للأدلة التي وجدتها الشرطة الأمريكية في ولاية لوس أنجلوس، والأدلة التي تم جمعها من مسرح الجريمة، ومن منزل أو جي، كلها تشير بأصابع الاتهام للزوج السابق أو جي، صاحب الشعبية والقاعدة الجماهيرية الكبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من كونه لا يعد من مناصري تحرير أصحاب البشرة السوداء من أنياب العنصرية، إلا أن لون بشرته كان كافيًا منذ البداية ليتعاطف معه كل السود في الولايات المتحدة، لتبدأ سلسلة من الأحداث التي تخرج قضية القتل من الإطار الجنائي، إلى قضية رأي عام، مُنذرة بأحداث شغب جديدة، لم تكن مستعدة لها أمريكا في هذا الوقت، مع بعض الخسائر المادية والبشرية التي دفعت ثمنها في عام 1992.

https://www.youtube.com/watch?v=P43WZd611WA

كيف تشعل النار في ولاية كاملة لتنقذ موكلك؟

في صباح السابع عشر من يونيو (حزيران) عام 1994، اعتقلت الشرطة الأمريكية بولاية لوس أنجلوس «أو جي سمبسون» من أمام منزله أمام الأعين المذهولة لجماهيره، والعدسات المتلصصة للإعلام، وبعد أيام من حبسه على ذمة التحقيق أدرك محاميه الخاص روبرت شابيرو أن الاعتماد على الطرق القانونية التقليدية لن تكون في صالح «أو جي سمبسون»، ولذلك قرر أن يسير بالقضية في طريق آخر حين أدرك أن أحد الضباط الذين عاينوا مسرح الجريمة، له تاريخ مشين مع أصحاب البشرة السوداء، وتورط في وقائع تعذيب للسود من قبل.

وبناءً على استراتيجية السير بالقضية في طريق محاربة العنصرية ضد السود؛ كان تعيين المحامي الأمريكي ذي البشرة السوداء جوني كوكران، أمرًا مفروغًا منه.

وعلى الرغم من أن أحداث القضية تدور حول جريمة قتل، تبرهن كل وقائعها على تورط « أو جي سمبسون»، إلا أن بطل الأحداث الحقيقي كان كوكران.

المحامي جوني كوكران

لا بد من محامٍ أسود

أدرك روبرت شابيرو ضرورة وجود جوني في فريق المحامين المعني بالدفاع عن أو جي، خاصة وإن كانت الخطة هي تجاهل الجوهر الرئيسي للقضية، وتحوليها إلى حرب بين السود، والشرطة الأمريكية، مستغلًا شعلة النار المختبئة تحت رماد الشغب الذي ضرب لوس أنجلوس من عامين فقط، ومكانة جوني كونه المدافع الأول عن حقوق السود في الولايات المتحدة خلال هذا الوقت، خاصة المشاهير منهم، تجعله المرشح الأكبر في النفخ بهذه النيران، ولكن مع تأكيد شابيرو، أنه هو رئيس فريق المحامين، ضمانًا لأن يعود الفضل إليه في نهاية المحكمة بعد الحصول على البراءة، الأمر الذي وافق جوني عليه في البداية، ومن ثم أزاح شابيرو من طريقه، ليجلس على قمة الفريق، الذي كاد أن يشعل النيران في ولاية كاملة، لتبرئة موكل واحد، ومن أجل الأمجاد الشخصية.

النجم جون ترافولتا في دور روبرت شابيرو في مسلسل قصة جريمة أمريكية- الموسم الأول

«لا سلام إلا في وجود العدل». شعار جوني الذي كاد أن يحرق لوس أنجلوس

فريق الدفاع عن أو جي اعتمد في دفاعه على عوامل لا تتصل بالجريمة من الأساس

في البداية كان على جوني أن يشعل حماس الشارع والرأي العام بالشكل الذي يسمح بتشتيت ذهنهم عن السبب الأساسي في القضية وهي جريمة القتل، وقدم له أو جي تلك الفرصة على طبق من ذهب، عندما ضمن لفت انتباه الرأي العام، حين حاول الهروب من الشرطة بعد اتهامه بالجريمة، من خلال مطاردة سيارات من أشهر المطاردات التي عاشتها أمريكا على الهواء مباشرة حتى تم القبض عليه.

وبعد تولي جوني القضية، كانت قلوب مجتمع البشرة السمراء مع أو جي بالفعل، رافضين فكرة قيامه بتلك الجريمة، وهذا سمح له باستغلال العامل الثاني في القضية، وهو تقديم دليل براءة ضئيل وغير مقنع للمحكمة أمام أعين المشاهدين.

جلسات المحكمة كانت تذاع على الهواء، فاستغل جوني عثور الشرطة على قفاز تعود ملكيته لأو جي ملطخ بدماء الضحية، وبحيلة صغيرة، دفع جوني المدعي العام أن يطلب من أو جي ارتداء القفاز أمام أعين العالم.

ليظهر أو جي وهو يحاول ارتداء القفاز الذي بدا صغيرًا على يده، ولكن ضف إلى ذلك مبالغة أو جي في محاولة ارتداء القفاز، الأمر الذي أعطى للقلوب المناصرة لأو جي دليلًا مرئيًّا يجعلهم يصدقون براءته، فيدرك جوني أن المطلوب في تلك اللحظة، هو النفخ أكثر في النيران.

اختار صانعو المسلسل وضع القفاز على البوستر الدعائي نظرًا للدور الكبير الذي لعبه في القضية

«السجن تفوح منه رائحة السود»

التسجيلات الصوتية لـلضابط العنصري مارك فورمان، كانت منحة سماوية -كما أطلق عليها جوني- إذ احتوت تلك التسجيلات الصوتية على اعترافات مشينة بقتل وتعذيب السود في السجون الأمريكية على يد ضباط شرطة لوس أنجلوس، مؤكدًا -فورمان في التسجيلات- «كان السجن تفوح منه رائحة الزنوج.. لسيل دمائهم على أرضها وحوائطها على مدار ثلاثين عامًا»، بحسب تعبيره.

«قناص دالاس» والبوح بلغة الرصاص.. ما لا تعرفه غالبًا عن الجرح الأسود الأمريكي


الضابط الأمريكي مارك فورمان

تلك التصريحات كانت مؤلمة نفسيًّا للمجتمع بشكل عام، ولكنها على كل حال كانت رأي شخص واحد لا يخفي كونه عنصريًّا، ولذلك قرر القاضي، ألا يقوم بعرض تلك التسجيلات كاملة على هيئة المحلفين، مكتفيًا بثلاثة تصريحات فقط من 13 ساعة مدة التسجيلات؛ الأمر الذي أثار حنق كراكون وأدخله في حالة من الغضب، دفعته أن يطلق تصريحات هدفها الواضح هو التحريض على الشغب، وجاوبه أفراد الشعب -سواء كان أسود أو متضامنًا أبيض- بحمل صورة فورمان في الشوارع وأمام المحكمة، راسمين له شاربًا يشبه شارب هتلر، هاتفين بغضب ضد القضاء والشرطة.

هيئة المحلفين.. و«الموكب الجنائزي»

تخيل رقعة من الشطرنج، وفوقها القطع البيضاء والسوداء، وجوني يجلس خلف الفريق الأسود، ومارشا كلارك، المدعي العام، تجلس خلف القطع البيضاء، وتبدأ اللعبة التي استمرت لما يزيد على مائة يوم؛ إذ يقوم كل منهما بإخراج أحد أعضاء هيئة المحلفين الذي له مصلحة مع أو جي، أو ضده.

بدأت اللعبة بـ12 محلفًا أساسيًّا و12 احتياطيًّا، ليتبقى بعد تحريك جوني ومارشيا للقطع، أربعة أعضاء فقط من الفريق الأساسي، وخلال تلك اللعبة، لم يستطع فريق هيئة المحلفين الضغط النفسي الناتج من عزلهم عن الحياة في أحد الفنادق، إذ كان غير مسموح لهم بالحديث مع بعضهم البعض عن القضية، أو في الهاتف مع أسرهم، أو حتى مشاهدة التلفاز حتى لا يتأثر حكمهم، الأمر الذي نتج عنه حادثة شهيرة هي الأولى من نوعها في تاريخ القضاء الأمريكي، إذ حضر أعضاء هيئة المحلفين للمحكمة، مرتدين ملابس سوداء وكأنهم في عزاء، وهو ما وصفه الإعلام بالموكب الجنائزي. هذا الموكب الجنائزي الذي سيحكم فيما بعد ببراءة أو جي، متجاهلين جميع الأدلة الجنائية التي قدمها المدعي العام، مثل تحليل الحمض النووي وفصيلة الدماء، وأدلة جنائية عن اتصالات هاتفية للضحية أجرتها قبل جريمة القتل بعامين، وهي تستنجد بالشرطة أكثر من مرة لتعرضها للضرب على يد أو جي، مخبرة إياهم: «إنه بالخارج.. يريد قتلي».

الضغط الإعلامي.. وأشهر قصة شعر في تاريخ أمريكا الحديث

ظنت مارشا كلارك، المدعي العام في هذه القضية، أن النساء في هيئة المحلفين وبين صفوف الشعب، سيكون لديهن بعض التعاطف تجاة امرأة مثلهن، تعرضت بالفعل وبالدلائل إلى العنف المنزلي، والذي تلاه اشتباه في جريمة قتل من قِبل زوجها، ولكن الواقع كان يحمل لمارشا مفاجأة، فالنساء في جميع الاستفتئات السرية صوتن ضد مارشا، وعبرن عن كرههن لها، مؤكدات أنها شخصية قاسية.

حين تفوقت ليبيريا على أمريكا! ما لا تعرفه عن معاناة المرأة الأمريكية

وعلى الجانب الآخر، كانت مارشا تعيش صراعًا داخليًّا لما تمثله تلك القضية لها من إحياء لماضٍ قاسٍ، تعرضت فيه للاغتصاب وهي في سن المراهقة، وصراعًا لكي يتم تطبيق العدالة على الجاني، إلى جانب صراعها القضائي مع زوجها السابق على حضانة أبنائها، أضِف إلى ذلك الضغط الإعلامي الذي وقع عليها، من تسريب صور عارية لها من قبِل زوجها السابق، وسخرية إحدى الإعلاميات من مظهر ملابسها، وقصة شعرها المُجعدة؛ لتدرك مارشا أن النساء في هذه القضية لم يأخذن صفها، بل أشرن بأصابع الاتهام إليها بتهم ليس لها علاقة بالإطار القانوني في القضية.

وخضعت مارشيا بالفعل لهذا الضغط، إذ ظهرت في إحدى الجلسات بقصة شعر جديدة، الأمر الذي يعتبر نقطة في بحر من القرارات القانونية والسياسية التي تم اتخاذها في تلك القضية تحت تأثير القلق من رد فعل الرأي العام، والضغط الإعلامي.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=HMyUT9Muq_8″ width=”800″ height=”450″ ]

ولكن، ما كانت تمر به مارشا على المستوى الشخصي والمهني في هذه الفترة من حياتها، كان بمثابة حرب، فازت فيها «بكل شيء» كما أخبرتها إحدى زميلاتها عند استلام قرار المحكمة بالوصاية الكاملة لها على أبنائها، إلى جانب توطيد العلاقة الشخصية التي نشأت بينها وبين المحامي كريس داردن صاحب البشرة السمراء، والذي كان يشاركها في الدفاع عن حق ضحايا أو جي، والذي تحدثت عنه بشكل أكثر تفصيلًا العام الماضي، في لقاء تليفزيوني مع الإعلامية إلين ديجينيرس.

أثناء توجيه هذه القضية من جريمة قتل إلى قضية رأي عام، وتأكيد الصوت الإعلامي بالعنصرية ضد السود، كان روبرت كاردشيان، الصديق المقرب إلى أو جي، والذي يتحلى بقدر من النزعة الإيمانية، واقعًا تحت صراع نفسي لم يستطع أن يتخلص منه بسبب ما قد يقدم الإعلام عليه.

روبرت كارشيان- المصدر: موقع يوتيوب

إذ أراد كارشيان الانسحاب من فريق الدفاع عن أو جي، بسبب شكوكه الدفينة أن صديق عمره قام بجريمة القتل بالفعل، وهذا لعدم وجود أي مشتبهين آخرين في ارتكاب الجريمة، ولكنه كان يدرك أن انسحابه من تلك القضية، قد يؤدي إلى تثبيت التهمة على صديقه، نظرًا لما سيتناوله الإعلام عن انسحابه في ظل هذه الظروف، ورغم العلاقة الوطيدة التي تجمعهما، ولكنه فيما بعد أعرب للإعلام عن الشكوك التي كانت تدور في نفسه، والتي ظهرت واضحة على شاشات التلفاز لحظة النطق بحكم براءة أو جي، فقد كانت نظرة الذهول والخوف على وجة روبرت، ولم يستطع أن يخفيها وهو يقف بجوار أو جي بالمحكمة، وكأنه أدرك الجُرم الذي شارك فيه من تضليل للعدالة.

لم تكن شكوك كاردشيان بعيدة عن الواقع، فقد تمت إدانة أو جي في محاكمة مدنية، قام برفع دعوتها، والد الضحية الثانية رون جولدمان وبعض أفراد عائلة نيكول، وفي هذه المحاكمة، التي لم توثق تلفزيونيًّا، لم يتم إدراك اسم مارك فورمان في الأدلة المقدمة للمحكمة، نظرًا لأن تلك التسجليات ليس لها علاقة بالجريمة، وحكمت المحكمة لصالح عائلة جولدمان، بمسؤولية أو جي عن جريمة القتل، وحصلت أسر الضحايا على حكم بتعويضات تصل إلي ما يقرب من 50 مليون دولار.

و في عام 2007، أظهر أو جي التعالي الذي شعر به بعد تبرئته من جريمة قتل؛ إذ تم القبض عليه في لاس فيجاس بتهمة الخطف والسطو المسلح.

ولكن هذه المرة كان من الصعب أن يخرج حُرًّا، ولذلك حكمت المحكمة بحبسه 33 عامًا. وحسب ما تتناوله وسائل الإعلام، وعلى الرغم من الأدلة التي لا تكف عن الظهور لتثبت التهمة على أو جي، إلا أنه من المقرر أن يحصل على إطلاق صراح مشروط في شهر أكتوبر (تشرين الثاني) من العام الجاري، وتنتشر الشائعات في بعض وسائل الإعلام عن احتمالية مشاركة أو جي في مسلسل تليفزيوني واقعي عن قصة حياته.

النجم كوبا جودينج جونيور الذي قام بدور أو جي في الموسم الأول

مسلسل ««American Crime Story تم إنتاجه العام الماضي، ومن المقرر أن يقدم كل موسم منه قضية واقعية شغلت الرأي العام في الولايات المتحدة، وقد أعلن القائمون على المسلسل انضمام النجمة بينبول كروز في القصة القادمة، والتي من المفترض أن تتناول مقتل مصمم الأزياء الشهير جياني فيرساتشي.

قام بدور أو جي في الموسم الأول النجم الأسمر كوبا جودينج جونيور، بينما قام بدور جوني كوكران الممثل كورتني فانس، وقامت بدور مارشيا كلارك النجمة سارة بولسن. صُنّاع المسلسل هما سكوت ألكسندر، ولاري كاراسوسكي، اللذان كتبا الفيلم الشهير رجل على القمر، الذي قام ببطولته جيم كاري.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد