لم تمنح الولايات المتحدة الأمريكية الطب النفسي أهمية كأفرع الطب المختلفة إلا متأخرًا، فمع بداية القرن العشرين كانت مستشفيات الأمراض العقلية تُعرف بـ«مصحات المجانين»، وكان الأطباء يفشلون في تشخيص المرضى؛ مما ساهم في خلق واقع سيئ للمرضى، بل إن المسؤولين في تلك المصحات النفسية حبسوا المرضى ضد إرادتهم، وعرضوهم للضرب والاختناق والحبس الانفرادي، وغالبًا ما كانت أماكن إقامتهم تشبه زنازين السجن أكثر من غرف المستشفى.

لم يمتلك المرضى رفاهية مغادرة المستشفى

في الأيام الأولى لمستشفيات الأمراض العقلية لم يختر المرضى الدخول إلى المستشفى، كان الدخول قسريًا من جانب الأهل والأقارب وما شابه ذلك، ولأي سبب يراه مقدم الطلب كالغباء مثلًا، بل إن القوانين سمحت باقتياد إليزابيث باكارد في القرن التاسع عشر وتحديدًا عام 1860 إلى مستشفى الأمراض العقلية ولمدة ثلاث سنوات لأنها اتبعت دينًا مخالفًا لدين زوجها.

كان من المفترض أن يتغير وضع مرضى المصحات النفسية في القرن العشرين، لكن استمرت القوانين التي تسمح باقتياد المرضى في الولايات المتحدة الأمريكية حتى ستينات القرن العشرين، ففي عام 1964؛ أصدرت ولاية واشنطن معيارًا للالتزام المدني ينص على وجوب تشخيص الفرد كمصاب بمرض عقلي قبل أن يتم نقله إلى المستشفى ضد إرادته.

سمح القانون للعائلات بـ«شراء» الحبس للأقارب الذين لا يريدون التعامل معهم، وفي الأغلب كان المريض يمكث في مؤسسات الطب النفسي لفترات طويلة، ففي عام 1904 كان 27.8% من مرضى الطب النفسي في الولايات المتحدة قد مكثوا عامًا في المستشفيات على الأقل، أما الغالبية العظمى فكانوا من الحالات طويلة الأجل، المروع في هذه النسب أن المرضى كانوا قد اقتيدوا هناك بدون تشخيص مؤكد وبالتالي فإن فرضية أن نسبة كبيرة من المرضى لم تكن مريضة أصلًا ربما تكون صائبة.

أغرب التجارب الطبية «المقززة».. أحدهم بلع قيء مريض وآخر شرب «كوب كوليرا»

فئران تجارب.. الملاريا مكافأة مريض الزهري

كان مرض الزهري بشكل عام شبحًا فظيعًا في عصر خالٍ من المضادات الحيوية، وكان المرض الذي ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي غير قابل للشفاء، ويؤدي إلى الوفاة في ذلك الوقت، أما مرضى الزهري العصبي فكانوا منبوذين، ويُنظر إليهم أطباؤهم بازدراء، وفي أوائل القرن العشرين في أمريكا كان هناك من 5% إلى 10% من مرضى المصحات النفسية تم اقتيادهم قسرًا بسبب مرضهم بالزهري.

Embed from Getty Images

واحدة من أغرب النظريات الطبية في القرن العشرين أكدت أنه يمكن أن يُعالج مريض الزهري بواسطة طفيليات الملاريا، فمريض الزهري يرقد على السرير بين الأطباء ليمنحوه مرض الملاريا كمحاولة علاجية، بالطبع لم تنجح تلك المحاولات وزادت الأمور سوءًا، وكان المرضى الذين استخدموا كفئران تجارب لهذه النظرية في أمريكا، هم المرضى النفسيون الموجودون قسرًا في المصحات النفسية.

كانت المصحات النفسية في أمريكا تجري للمرضى الجدد بعض الفحوصات الروتينية قبل توزيعهم في عنابرهم، ومن بين هذه التحاليل؛ تحليل مرض الزهري، وإذا وجد الطبيب أن المريض مصابًا بالزهري؛ على الفور يقرر حقنه بطفيليات الملاريا القاتلة.

العنصرية وتحديد النسل.. أزمات نفسية جديدة للمرضى

في المصحات النفسية في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن العشرين؛ استخدم الأطباء العنصرية لحرمان السود من العلاج، ولوضعهم وحدهم في مصحة خاصة بهم.

في أوائل القرن العشرين استخدم الأطباء طرقًا وقائية للحد من الأمراض العقلية على حد ذكرهم، كانت تلك الإجراءات قاسية، ومنها التعقيم القسري، وأجروا عمليات جراحية للنساء والرجال بهدف إصابتهم بالعقم وحرمانهم من الإنجاب طوال الحياة، واستهدف الأطباء فئات معينة من المرضى لإخضاعهم لهذه الطرق الوقائية؛ وهم: «المهاجرون، السود، الفقراء، الأمهات العازبات، والمعاقون».

فصل الأفارقة الأمريكيون في عهد جيم كرو؛ في مصحات نفسية خاصة بهم، وتلقوا من الحكومة تمويلًا أقل بكثير من المصحات النفسية للبيض، وبالتالي عانوا من الاكتظاظ داخل المستشفيات، بالإضافة إلى سوء المعاملة، والظروف المؤسفة، ووجدت لجنة تحقيق في عام 1909 أن المصحات النفسية الخاصة بالأفارقة الأمريكيين في ولاية ماريلاند كانت واحدة من أسوأ منشآت الولاية، ووجدوا أن المرضى هناك كانوا ينامون على الأرض، مع الحد الأدنى من الفراش، وغالبًا ما كانوا مقيدين، وكانت لديهم مساحة صغيرة فقط للتريض خلال اليوم.

تقييد وتعذيب.. هكذا عالج الأطباء المرضى

كانت العلاجات المبكرة للأمراض العقلية وحشية، مثلًا استخدمت المصحات الإنجليزية في القرن التاسع عشر جهازًا دوارًا؛ يدور بالمريض بسرعة عالية، وشمل العلاج أيضًا مكواة ساخنة، فكان يسخن الحديد حتى الاحمرار ثم يتم وضعه على رأس المريض وذلك لـ«تنبيه حواسه»، وكان في الواقع يصيب المريض بحرق كبير وفقط.

Embed from Getty Images

استمرت المصحات النفسية في القرن العشرين داخل أمريكا باستخدام العلاجات غير الإنسانية ضد المرضى، شمل ذلك «كرسي التقييد» لضبط النفس، والذي أعد خصيصًا للمرضى العنيفين؛ كانت ذراعا الكرسي أجوفين لتدخل فيهما يد المريض وبالتالي سهولة تقييده، بالإضافة إلى حزام لتقييده من الوسط، وفي النهاية قيد لرِجل المريض، ولم يكن الكرسي علاجًا فعالًا بقدر ما كان تعذيبًا، بل إن نسخًا أخرى من نفس الكرسي استخدمت للتعذيب في السجون.

وقد شمل علاج مرضي المصحات النفسية في الولايات الأمريكية حتى ثلاثينيات القرن العشرين؛ الأصفاد الحديدية، وعصبة العينين، والقيود على الجسم، وقيود اليدين والكاحلين، وكان الهدف منها أيضًا علاج المريض من العنف، وتعليمه ضبط النفس، وبحلول نهاية الثلاثينات اعتبرت ولاية نيويورك الأمريكية أن هذه الأشياء «عفا عليها الزمن».

حبس انفرادي.. شهادات من المصحات النفسية

في نهاية القرن التاسع عشر وتحديدًا في عام 1887، دخلت الصحفية الأمريكية نيلي بلي مصحة نفسية كمريضة لتوثيق ظروف المرضى في الداخل، وأبلغت عن سوء معاملة الأطباء للمرضى، شمل ذلك الحبس الانفرادي، وانتقدت بلي الطريقة التي عومل بها المرضى كسجناء قائلة: «يقفل كل باب على حدة، وتحظر النوافذ بشدة، بحيث يكون الهروب مستحيلًا».

لم يختلف الأمر كثيرًا في القرن العشرين، لذا حاول بعض الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية إخفاء حالتهم لتجنب إرسالهم إلى المصحات؛ وتعرضهم لسوء المعاملة، وقد كتب أحد المرضى في مستشفى ولاية أوريجون الأمريكية عام 1936: «حين يتصرف شخص بطريقة غريبة، يأخذونه ويلقونه في مستشفى المجانين».

كان هذا المريض السالف ذكره قد عانى قليلًا من اضطرابات نفسية بسبب العمل المُجهد المستمر؛ مع عيشه في غرفة صغيرة وسقف منخفض، مما سبب له خوفًا من الأماكن المغلقة، وداهمته هلوسة انطباق الجدران عليه من كل جانب، وبات في حالة عصبية، وكان يحتاج المساعدة، وأرسل إلى مستشفى ولاية أوريجون للعلاج، وقد قال في شهادته: «استيقظت على صراخ حاد وسمعت الحاضرين يهرولون في القاعة، وعلمت أن بعض المرضى؛ كان يتعرضون لهجوم؛ جلست في السرير وأنا أعرق وكنت خائفًا».

الطعام: بيض وحليب يكفي

لم يكتف أطباء وممرضو ومشرفو مستشفيات الأمراض العقلية أحيانًا عند حد المعاملة اللاإنسانية التي عاملوا بها المرضى، بل حرموهم من الطعام، أو بالأحرى تناولوا طعامهم، ومنحوهم أقل من القليل.

في عام 1906 خضعت مصحة سانت إليزابيث للأمراض العقلية للتحقيق في الكونجرس الأمريكي؛ بسبب إساءة معاملة المرضى، وأدلى الدكتور هاري هامر شهادته عن الطعام المقدم في المصحة، قال إنهم أعطوا المرضى نظامًا غذائيًا ضئيلا للغاية من البيض والحليب، فقد أعطوا لما يقارب من 125 إلى 130 شخصًا؛ حوالي 17 دستة من البيض يوميًا؛ أي ما يقارب 205 بيضة، و35 جالونًا من الحليب، أي ما يوازي 120 لترًا، مما يعني أن نصيب كل فرد من الطعام يوميًا كان لترًا من الحليب وبيضة ونصف بيضة في أحسن التقديرات.

ذكر دكتور هامر أيضًا أن الموظفين اشتكوا من صعوبة تناول اللحم بسبب السمن النباتي، وأضاف هامر في شهادته أن مرضى الصرع جلسوا على طاولة خاصة في قاعة الطعام، وأضاف: «لم يُسمح لهم بالحصول على أي شيء نعتقد أنه سيزعجهم؛ سواء اللحم البقري العادي أو الملفوف، وأيضًا الطعام الدسم الذي لا يهضم».

عذاب المرضى النفسيين في مصر.. «ساسة بوست» يكشف معاناتهم عن قرب

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد