لا شك أن حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً، جريمة اقشعرت لها جميع الأبدان في كل أنحاء العالم، فقد تم وصف هذه الجريمة بالهمجية والوحشية والقساوة والرجوع إلى عصور الظلام، رغم تكرار هذه الجريمة كل يوم في دول كثيرة: بورما وأفريقيا الوسطى وفلسطين ومصر وسوريا في ظل تجاهل إعلامي متعمد.

للقراءة أكثر حول هذا الموضوع: دول تباد شعوبها حرقًا ولا بواكي لهم

لكن ليست داعش هي أول من قامت بذلك، بل هناك أمم من التي تعد “متقدمة” الآن سواءً على المستوى المادي أو الإنساني بمقاييس العصر الحالي، قد ارتكبت مثل هذه الأفعال في رحلتها نحو “التقدم والتطور”، ففي أمريكا كانت تقام حفلات التعذيب والحرق في حق الأفارقة السود على يد الأمريكان البيض، لكن الفرق بينهم وبين داعش، أن كاميرات الــ HD لم تكن قد اخترعت بعد لتوثيق هذه الحوادث بالإضافة أنه لم يقدر لها الانتشار والذيوع مثل ما انتشرت قصة الطيار الأردني نتيجة التكتم الحاصل، إلا أن آثار هذه الجرائم وثقت على بعض صفحات الجرائد الباقية حتى الآن وعلى الطوابع البريدية، حيث كانت صور الأجسام السوداء المحترقة واحدة من أكثر الصور ذيوعاً وانتشاراً في الثقافة الأمريكية في القرن ال19 وبدايات القرن العشرين، وهنا في هذا التقرير نسلط الضوء على بعض هذه الحوادث المسكوت عنها.

سام هوس: ضحية الإعلام الكاذب

دائماً ما كانت الصحف المملوكة لأشخاص بيض في الجنوب الأمريكي مليئة بالأخبار العنيفة المفبركة والمبالغ فيها، وفي إحدى أعداد هذه الجرائد تم التضخيم من شأن مشاجرة وقعت بين العامل الأسود “سام هوس” ورئيسه الأبيض، والتي تحولت بعد ذلك من خلال التضخيم والتهويل من مجرد مشاجرة إلى حادثة اغتصاب هوس لزوجة الرجل الأبيض.

قام عدد من الأشخاص بتعقب سام والإمساك به بعد محاولته الهروب، اجتمع حوالي 2000 شخص منهم من جاء مستقلاً القطار من أطلانطا لتنفيذ الإعدام على هوس رغم عدم وقوفه أمام قاض لمحاكمته، أنكر هوس التهم الموجهة له إلا أنه لم يستطع الاستمرار في ذلك عندما تم قطع أذنيه الاثنين على يد قادة التجمع الغوغائي الذين قاموا بعد ذلك بتجريده من ملابسه وبتر أصابعه وعضوه التناسلي وسلخ جلد وجهه، ثم قاموا بعد ذلك بربطه في شجرة بالسلاسل وإحاطته بمجموعة من الأخشاب التي تم إغراقها بالكيروسين، ثم تم إحراقه حتى الموت، كانت الكلمة الوحيدة التي تتردد على لسان هوس أثناء الإعدام “يا إلهي، يا يسوع”، وبعد خروج روحه، تم انتزاع قلب وكبد هوس من جسده، بل لم يكتفوا بهذا، فقد تم تقطيعها وتقسيمها بين الحشد، بل قاموا ببيع فتات عظمه وأنسجته لمن لم يستطع المجيء لمشاهدة عملية الإعدام الوحشية !

إنَّ واقعة تعذيب وحرق “سام هوس” على يد الأمريكان البيض التي نحن بصددها، هي واحدة من أكثر الوقائع بشاعة وقسوة في التاريخ الإنساني، بل تساوي نفس قساوة واقعة معاذ الكساسبة إن لم تكن أشد.

جيسي واشنطن: عندما يباع الإنسان قطعاً

جيسي واشنطن بعد حرقه

حشود ضخمة مكونة من رجال ونساء وأطفال تقدر أعدادهم بعشرة آلاف انتقلت بسرعة إلى الجسر لمشاهدة عملية الإعدام، إلا أنهم عندما علموا بتغيير المكان إلى ساحة المدينة، توجهوا إلى هناك فوراً، ممسكين بأيديهم أي شئ وجدوه أمامهم حتى ينالوا شرف المشاركة في إعدام جيسي الذي قام البعض بضربه بالمعاول والطوب والهراوات والبعض طعنه وجرحه أثناء اقتياده من رقبته بسلسلة حديد إلى الشجرة التي تم ربطه فيها بسلاسل حديدية وهو غارق في دمائه من رأسه حتى أخمص قدميه.

لكن يبدو أنَّ هذا لم يكن كافياً للحشود المتعطشة للدماء، فقد قام الغوغاء بإخصاء جيسي وقطع أصابعه، ثم قاموا بتجميع الحطب والصناديق الخشبية الجافة وكل ما يسهل إشعاله، ثم قاموا برفعه في الهواء من رقبته مما كان سبباً في تدلي لسان جيسي من فمه، بعد ذلك قام الغوغاء بإشعال النار وشي جيسي عليها صعوداً وهبوطاً مراراً وتكراراً لمدة ساعتين متصلتين.

طابع بريد بصورة جيسي بواشنطن

وبعد عملية الشي، تم سحل جسد جيسي المتفحم على الأرض إلى سوق المدينة وبيع بعض أعضاء جسده كهدايا تذكارية منها أسنانه التي يذكر أحد المؤرخين أن بعض الأطفال قاموا باقتلاعها من فم جيسي، كما تم تعليق المتبقي من جسده في المدينة، وفي آخر اليوم تم دفنه.

لورا وابنها: اغتصاب ثم شنق

لورا

أم وابن تم إعدامهما خارج إطار القانون في 25 مايو 1911 بولاية أوكلاهوما، حيث أدينا في حادثة قتل، وتم احتجازهما في الحجز بجانب المحكمة التي سيعرضان عليها. إلى أن قام 40 شخصاً باقتحام الحجز وخطف لورا وابنها، ومن ثمة قام المختطفون باغتصاب لورا ثم قاموا بإعدامها هي وابنها شنقاً من أعلى الجسر بنهر كندا الشمالي.

يذكر بعض الشهود أن في اليوم التالي تجمع المصورون لأخذ صور لجثة لورا المعلقة والتي تم بيعها كطوابع بريد لاحقاً، ويذكر أنه لم يتم معاقبة أي من الجناة الذين قاموا بقتلها، بل قام بعض القتلة بتأليف الأغاني تفاخراً بهذه الواقعة.

Lynching: الإعدام خارج نطاق القانون

lynching، والتي تعني جريمة القتل الجماعي للفرد دون استناد إلى أي دليل، ودون المرور في محاكمة، ودون الاستناد إلى أي باب قانوني. ويعود هذا المصطلح إلى عهد الثورة الأمريكية، عندما أمر القاضي الأمريكي “شارلس لينش” في فيرجينيا، بعقوبات خارج إطار القانون ضد ما يسمى بـ “الموالين” (وهم المستوطنون الأمريكيون الذين بقوا موالين لمملكة بريطانيا في الجنوب)، قبل اندلاع الحرب الأهلية، كما تم تطبيق هذه العقوبات على السود المطالبين بتحرير العبيد.

وتبلغ عملية الإعدام هذه دائماً مبلغاً عظيماً من العنف، فالأمر لا يعني القتل فقط، بل التعذيب بكل الوسائل الممكنة قبل القتل، كالحرق والبتر والخصي والجلد والاغتصاب، وتكون على مرأى ومسمع الآلاف من الناس، والذين يكونون مشاركين أيضاً في عملية الإعدام بما يستطيعون وبما تجود به أنفسهم، ففي بعض الأحيان يقوم بعض المتفرجين بإطلاق النار مئات المرات على الجثة في ظل هتاف الجمهور المتكون من جميع الأعمار بما فيهم الأطفال في ظل أجواء احتفالية، كما يقوم بعض الناس بالحصول على أعضاء الضحية وهو ما زال حياً، ففي 31 يناير عام 1930 وقبل أن يتم حرق “جايمس إروين” حياً، تم اقتلاع أسنانه بالكماشة وقطع أصابع يديه وقدميه وإخصائه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد