يواصل تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) صولاته في الجوار الإيراني، كما يهدد الكونجرس الأمريكي بعقوبات جديدة على الجمهورية الإسلامية، لكن المسؤولين الإيرانيين يظلون مشغولي البال بتحدٍ آخر يؤرقهم منذ عقود: ما يسمونه الإسلام الأمريكي، أو ما يمكن ترجمته بالإسلام السني أحيانًا، والإسلام العلماني أحيانًا أخرى.

الإسلام الأمريكي ليس الإسلام الذي يمارسه المسلمون في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه إسلام تراه الجمهورية الإسلامية نسخة منزوعة التوجه السياسي، منحرفة عن الإيمان الحقيقي ومفرغة من المشاعر الثورية التي تقود الجمهورية الإسلامية.

قال عنه المرشد الأعلى علي خامنئي عام 2010: «الإسلام الأمريكي إسلام شعائري فقط، غير مبال أمام الطغيان.»

Untitled

خلال أكثر من ثلاث عقود مرت على الثورة الإسلامية، استخدمت الجمهورية الإسلامية هذا المصطلح لوصف الأمم الإسلامية التي تبدو خانعة أمام القوى العظمى مثل أمريكا. لمكافحة هذه النسخة المنحرفة من الإسلام كما تراها إيران، أحيا النظام الإيراني مصطلحا يفضله كثيرًا الأصوليون حول العالم الإسلامي: «الإسلام الحقيقي».

تحاول إيران دائمًا إضفاء طابع مقدس على جميع أفعالها وسياساتها، لهذا يبقى من المهم تمامًا أن تظل إيران محتكرة للنسخة الحقيقية النقية من الإسلام. في كتاب شبه رسمي صدر حديثًا بعنوان: «صراع نسختين من الإسلام»، يناقش الكاتب هذا الانقسام السياسي والديني، برؤية مستمدة من الجزء الـ 21 من «صحيفة الإمام»، وهي مجموعة من أقوال المؤسس الراحل للجمهورية الإسلامية: روح الله الخميني.

«صراع نسختين من الإسلام» يهدف إلى الدفاع عن نظام الجمهورية الإسلامية دفاعًا عالميًا بالتأكيد من جديد على مكانتها كبطل «الإسلام الحقيقي».

عام 1979 كان «خامنئي» الشاب يؤم مؤقتًا صلاة الجمعة في مدينة طهران. خلال خطبته بعد اغتيال آية الله مرتضى مطهري، أشاد «خامنئي» بمسيرة مطهري «على طريق الإسلام الأصلي والصحيح»، مضيفًا: «لقد أثبت لنا أعداءنا أنهم ضد الإسلام»، من المهم إذا أن يظهر دائمًا رموز الثورة على أنهم ممثلو الإسلام الأصلي، تمامًا كالثورة نفسها.

بدأت الجمهورية الإسلامية فور تأسيسها بالخلط بين أعدائها وأعداء الله. خلال حرب العراق وإيران التي استمرت بين عامي 1980 و 1988، سيعلن الخميني أن «هذه حرب على الإسلام، وأن الله عز وجل لن يسامح أولئك الذين يقفون ضد دينه.» سيظهر الخميني أيضًا ازدراءً كبيرًا للمملكة العربية السعودية التي دعمت العراق ضد إيران، وسيصفها متهكمًا بالمتعطشة للدماء والتي تدعم مؤسساتها الوهابية الدينية، نفس الإسلام الأمريكي اللعين. ليظهر الصراع الدائم بين السعودية وإيران في احتكار تمثيل الإسلام تمثيلاً صحيحًا، إذ تعتبر إيران مركزًا ومنارة للإسلام الشيعي، بينما تحمل السعودية نفس المكانة بالنسبة للإسلام السني.

استمر نفس الخطاب حتى بعد وفاة الخميني عام 1989. بل اتخذ أبعادًا أخرى. عام 1990 حاول «روحاني آذري إيراني» نشر النسخة الإيرانية من الإسلام في أذربيجان، قائلاً: إذا لم يلقن الإسلام للساعين إليه بطريقة صحيحة فإن هؤلاء سيتحولون إلى الإسلام الأمريكي، وسيحملون في قلوبهم نسخًا مشوهة من الإسلام. في الحقيقة كثيرًا ما تتجنب التصريحات الرسمية إشارات واضحة لكلمات مثل سنة وشيعة، تحاول إيران أن يبدو الإسلام الشيعي هو الإسلام الصحيح بالبداهة، لهذا تروج دائمًا لمحاولاتها نشر المذهب الشيعي بعمليات نشر «الإسلام الصحيح».

في العام الذي يليه حملت خطابات «آية الله خامنئي» خلف الخميني نغمة تحذيرية من «الإسلام الأمريكي»، حيث كرر مرارًا أن خطر هذا النوع «المُتساهل» من الإسلام ليس أقل خطرًا من العسكرية الأمريكية أو أدواتها السياسة، لتستمر نفس النغمة مسيطرة على سياسات إيران الخارجية والأمنية لعقود قادمة.

من الصعب العثور على أي كيان أو تنظيم إسلامي استطاع أن ينجو من نقد طهران اللاذع. الإعلام الرسمي الإيراني يعتبر مثلاً الحكومة التركية -وهي ذات ميول إسلامية- بأنها الوجه الآخر لعملة الإسلام الأمريكي. بينما يصف طالبان وتنظيم القاعدة بأنهما التعبير الحقيقي عن التشويه الحديث للإسلام.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

لمواجهة هذه الانحرافات المتصورة، اعتبر حجة الإسلام علي سعيدي، ممثل خامنئي في الحرس الثوري الإسلامي أن قدر إيران هو تقديم الإسلام النقي المحمدي للعالم.

اليوم يتصاعد الشد والجذب بين رأيين، يحاول أحدهما التقليل من النبرة الأيديولوجية في الخطابات السياسية الإيرانية ويؤكد الآخر على ضرورة استمرار نفس «المنهج الثوري» و«عدم الانحناء للغرب». عام 2012، في مناظرة مع إبراهيم أصغرزاده – أحد محتجزي الرهائن في حصار السفارة الأمريكية عام 1979 والذي اعتنق مؤخرا آراءً إصلاحية- أصر حسين شريعتمداري – محرر جريدة «كيهان» المتشددة وأحد المقربين من خامنئي-، أصر على قوله «إننا في صراع بسبب هويتنا، سينحسر هذا الصراع ليبقى احتمالان فقط: إما أن نتخلى نحن عن الحكم بإسلامنا النقي، ما يعني أن نتبنى إسلامًا خاضعًا للقهر، أو أن تتخلى أمريكا عن مزاجها المتعجرف.»

كتب محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني وكبير المفاوضين في قضية البرنامج النووي الإيراني، كتب في مذاكراته: «أنا أؤمن أننا لا وجود لنا دون أهدافنا الثورية».

ظريف يتحدث الإنجليزية بطلاقة ويحمل شهادة دكتوراه من جامعة أمريكية، هو ربما لا يجسد في كلامه نفس أسلوب الخطاب الذي نسمعه من رجال الدين والقادة العسكريين الإيرانيين الأكثر تشددًا، لكن أطروحته الأساسية تبقى حاملة نفس المعنى، «إن لدينا مشكلة أساسية مع الغرب وخاصة أمريكا، هذا لأننا نحمل على عاتقنا مهمة ذات أبعاد عالمية».

إن موقع الجمهورية الإسلامية من الصراع الحضاري العالمي وكذلك الصراع داخل الإسلام نفسه -وهو صراع له نفس الأهمية- يساعد في شرح الإخفاقات الدبلوماسية الإيرانية في الماضي وكذلك تعثرات المستقبل. استشرافا للقادم، فإن المفاوضين الغربيين يجب أن يدركوا أنه حتى في حال حدوث توافق نووي شامل -وهو أمر ضعيف الاحتمال- ستواصل إيران تتبع أهدافها الدينية في محاربة ما تسميه الإسلام الأمريكي، لتفرض رؤيتها لإسلام واحد صحيح، وتدعم معادلتها الصفرية، وجودها أو نظرتها إلى العالم.

المصادر

عرض التعليقات
s