هل سيصوِّت يهود أمريكا لترامب؟ فمنذ وصوله للبيت الأبيض قدم خدمات عدة لإسرائيل، من أبرزها نقل السفارة الأمريكية للقدس والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، الذي عارضته إسرائيل بقيادة رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو.

وفي عام 2016 وفي أثناء أحد اللقاءات الانتخابية، وجَّه أحد المؤيدين سؤالًا استنكاريًّا لترامب عن موقفه من دعم إسرائيل والحماية الأمريكية لها، ليرد ترامب دون تردد أو تفكير قائلًا: «إسرائيل حليف مهم جدًّا للولايات المتحدة… وسوف نحميها بنسبة 100%».

ضغط ترامب في سنوات حكمه على الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل، مبرزًا صهره جاريد كوشنر المسوِّق الأول لما سمي إعلاميًّا بـ«صفقة القرن»، ولكن على ما يبدو أن هذه التحركات من ترامب ليست كافيةً ليهود الولايات المتحدة ليصوِّتوا له، فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن منافسه الديمقراطي جو بايدن سيحصد أكثر من 70% من أصوات المجتمع اليهودي الأمريكي في الانتخابات القادمة.

لماذا لن يصوِّت يهود أمريكا لترامب؟

قال ترامب في أغسطس (آب) 2019، إن: أي يهودي يصوِّت للحزب الديمقراطي يفتقد «المعرفة والولاء تجاه اليهود وإسرائيل». ويعرف ترامب جيدًا أنه على الرغم من الامتيازات التي قدمها لإسرائيل على طبق من ذهب، فإن حصته من أصوات المجتمع اليهودي الأمريكي لن تتعدى 30%.

بشكل واضح وصريح، سبب انخفاض أسهم ترامب عند يهود الولايات المتحدة هو دعمه لأيديولوجية «سيادة البيض»، التي ترى أن الرجل الأبيض المسيحي في مرتبة أفضل وأعلى من بقية الأجناس والأعراق والأديان. رأينا في المناظرة الرئاسية الأولى هذا العام عندما وجَّه مدير المناظرة سؤالًا لترامب عن دعمه لجماعات السيادة البيضاء التي تمارس العنصرية على كل ما ليس أبيض مسيحيًّا، رفض ترامب شجب مثل هذه الجماعات وقال لهم «استعدوا». أغضب التصريح الكثير من المنظمات اليهودية في أمريكا، ومن ضمنها كانت مؤسسة اللجنة اليهودية الأمريكية التي  أصدرت بيانًا تشجب فيه تصريح ترامب وتقول فيه «إن المتعصبين والعنصريين ومعادي السامية يفرحون برفضك إدانة نظرية تفوق البيض».

Embed from Getty Images

إيفانكا ترامب في افتتاح السفارة الأمريكية بعد نقلها للقدس واعتراف أمريكا بالقدس عاصمةً لإسرائيل، في في منتصف 2018

أعلن ترامب قرار نقل سفارة الولايات المتحدة للقدس لاعتباره أن القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي. ولهذه النقلة أهداف سياسية عديدة، من أهمها توثيق العلاقات الأمريكية مع إسرائيل، أهم حليف للولايات المتحدة في المنطقة. وربما فعل ترامب ذلك ليكون – كما قال – الرئيس الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الذي وعد بنقل السفارة ونفَّذ وعده.

ولكن في عهد ترامب ارتفعت أرقام جرائم العنصرية ومعاداة السامية ضد يهود أمريكا بشكل كبير، ففي عام 2019 سجلت حوالي 2107 حالة، في رقم لا سابقة له في السنوات الماضية. تضمنت الاعتداءات الإهانة اللفظية، والتحرش، والإيذاء الجسدي، وأعمال تخريب للمتلكات ودور عبادة مملوكة للمجتمع اليهودي في ولايات مختلفة. وشهدت أمريكا بين عامي 2018- 2019 أعمال عنف مسلح استهدفت اليهود: مثل الهجوم الذي نفذه متطرفون بيض في أكتوبر (تشرين الأول) 2018 على معبد يهودي في ولاية بنسلفانيا، والذي أودى بحياة 11 شخصًا، ووصفت «سي إن إن» الهجوم بأنه «الأكثر دموية» ضد اليهود في تاريخ أمريكا. 

وليست هذه الحادثة الوحيدة؛ فقد شهد عام 2019 مثلًا اقتحام متجر للطعام اليهودي، وأُطلق النار على العاملين فيه ليقتل خمسة أشخاص بينهم ضابط شركة. وسبقتها حادثة اقتحام لمعبد يهودي قُتلت فيه امرأة وجُرح آخرون، وتزيد الطين بلة تصريحات ترامب للجماعات اليمينية وجماعات التفوق العرقي الأبيض، إما مشجعة، وإما مدافعة عنهم.

تاريخيًا.. يهود أمريكا مع الديمقراطيين

لم يتمكن أي من المرشحين الجمهوريين لرئاسة الولاية المتحدة من استمالة أصوات أغلبية المجتمع اليهودي على مر التاريخ، ولعل الرئيس الجمهوري، رونالد ريجان، هو من حصد أكبر نسبة عندما صوت له 39% من يهود الولايات المتحدة في انتخابات الرئاسة عام 1980، ولكن هذه النسبة جاءت مع فوز ريجان الساحق ضدَّ منافسه الديمقراطي آنذاك، جيمي كارتر، ويذكر أن سياسات كارتر تجاه إسرائيل والشرق الأوسط حفَّزت مخاوف لدى المجتمع اليهودي الأمريكي دفعته للتصويت لخصم كارتر.

Embed from Getty Images

صورة تجمع رونالد ريجان، الرئيس الأمريكي الأسبق ومناحم بيجن رئيس الوزراء الإسرائيلي

مال يهود أمريكا للديمقراطيين تاريخيًّا، لماذا؟ يجاوبنا مارك شولمان، صحافي أمريكي مختص بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية ويكتب عن المجتمع اليهودي الأمريكي، يعتقد شولمان أن يهود أمريكا يميلون للحزب الديمقراطي لأن الجمهوري كان لسنوات مصدرًا لمعاداة السامية، ومثَّل فئة محددة من المجتمع الأمريكي لا تحترم اليهود.

ويستشهد في مقاله باقتباس من الكاتب الأمريكي ريتشارد ريفز: «ترعرت على موائد الجمهوريين، وسمعت كثيرًا أن اليهود طيبون ومفيدون إن وُضعوا في وظائف محددة تناسب قدراتهم العقلية، مثل أن يشغل اليهودي منصب مساعد مدير، أو سكرتير، أو حتى باحث في شركة من شركات وول ستريت، طالما لم يكن الكثير منهم في هذه المناصب».

وفي مقال طويل نشره إيرك يوفي، رئيس لجنة الإصلاح اليهودي الأمريكية، على موقع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بعنوان «لماذا سوف يحصد جو بايدن أكبر نسبة من أصوات اليهود في التاريخ؟»، يوضح يوفي في المقال أن اليهود بوصفهم أقلية في أمريكا، هم ليبراليون كلاسيكيون، يقدرون الاستقرار والتماسك الاجتماعي، ولذا يخشون من الفقر وعدم المساواة وأثرها في المجتمع الأمريكي، وما قد تؤدي إليه من صراع مجتمعي سينتهي إلى إيذائهم كيهود، كما حصل خلال السنوات الماضية لإدارة ترامب.

تحوُّل في المجتمع اليهودي الأمريكي

في أغسطس 2019، شكلت مجموعة من الجماعات والمؤسسات اليهودية الأمريكية المعارضة للاحتلال الإسرائيلي ولسياسات السيادة البيضاء في الولايات المتحدة تحالفًا انتخابيًّا بهدف واحد، إسقاط دونالد ترامب في الانتخابات القادمة. تعكس هذه الجماعات والحركات اليهودية تطورات وتحولات داخل المجتمع اليهودي الأمريكي، وخلافًا لما ذكره إيرك يوفي من أن المجتمع اليهودي ليبرالي كلاسيكي يسعى للاستقرار، تكشف هذه الجماعات عن تحولات واتجاهات جديدة لدى يهود أمريكا، خاصةً الشباب منهم.

ومن بين تلك الجماعات:

1-أصوات يهودية من أجل السلام- Jewish  Voices for Peace

أُسست هذه المؤسسة في عام 2009 لتكون مناهضة للأفكار المعادية لليهود والمسلمين، وتسعى لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة وشرق مدينة القدس المحتلة، فضلًا عن دعمها لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

وشكلت مؤسسة أصوات يهودية من أجل السلام حملة بعنوان «JVP Action» لدعم مجموعة من المرشحين في الانتخابات، وجاء على رأس القائمة رشيدة طليب، عضوة الكونجرس الفلسطينية الأمريكية، ونائبة الكونجرس إلهان عمر، التي حاول الإعلام وشخصيات سياسية أمريكية اتهامها بـ«معاداة السامية» لانتقاداتها المستمرة للسياسات الإسرائيلية.

2-الصوت اليهودي- The Jewish Vote

في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، أُطلقت مبادرة الصوت اليهودي في مدينة نيويورك، للعمل في إعادة تنظيم العمل السياسي للمجتمع اليهودي بعد الهجرات المتتالية. تعمل المنظمة في عدة ملفات، منها انتخابات الكونجرس والرئاسة، وتتبنى مجموعة من المبادئ التي تشترط وجودها في المرشحين الذين ستعلن التأييد لهم.

من بين هذه المبادئ تبنِّي «رؤية تقدمية للسياسة الخارجية»، تشمل السعي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

وتعمل الحركة ضد ترامب وضد اليمين الأمريكي، وتتبنى «الأجندة التقدمية» في ملف البيئة، والرعاية الصحية للجميع، وتعادي مصالح الشركات الكبرى واللوبيات.

3-منظمة ثني القوس- Bend the Arc

مثل سابقتها، تتبنى منظمة ثني القوس الأجندة التقدمية من الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وأسست حديثًا بعد صعود ترامب للسلطة، وتضع هزيمته في الانتخابات هدفها الأول للفترة القادمة، وفي الوقت نفسه تسعى لاستبدال أعضاء جدد يدعمون السياسات التقدمية، بمن صفق لسياسات ترامب العنصرية من أعضاء الكونجرس.

 

المصادر

تحميل المزيد